"معتقلو" مخيم الهول يصارعون للبقاء أحياء: تحديات إنسانية وأمنية

29 مارس 2019
الصورة
بات المخيم عنواناً لمأساة إنسانية (بولنت كيليك/فرانس برس)
منذ أن تأكد قبل أسابيع أن نهاية تنظيم "داعش" في شرقي الفرات دَنتْ، تبلورت معالم معضلة ستواجه بلدان عناصر التنظيم وعائلاتهم، تحديداً من غير السوريين والعراقيين، إذ إن الإحصائيات الرسمية تتحدث عن أن آلاف المحتجزين منهم، ينتمون لأكثر من 50 جنسية عربية وغربية وغير ذلك، ويقبعون الآن في مخيمات ومعسكرات، تديرها "الإدارة الذاتية"، الذراع السياسية لـ"قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، في شمال شرقي سورية. وفيما ترفض غالبية البلدان التي يتحدر منها مقاتلو التنظيم استعادة العناصر، فإن مصيرهم يبقى غير واضحٍ الآن، مع تأكيد أميركي أن لا نية لإنشاء محكمة دولية خاصة بهم. 
أما مصير عائلات عناصر "داعش" فلا يبدو أقل غموضاً، لا سيما مع رفض دولهم استعادتهم أيضاً، ما يجعل مدة بقائهم في المخيمات التي نقلوا إليها تحديداً سواء في مخيم الهول أو غيره من المخيمات، كمخيم روج قرب مدينة المالكية، شمال شرقي الحسكة غير معلومة. ويطرح هذا الوضع تحديات إنسانية، لا سيما أن مخيم الهول، الذي تحول إلى معتقل كبير ويوجد فيه حالياً نحو 72 ألف شخص، بعضهم يبيت في العراء، يؤوي أكثر من طاقته الاستيعابية المقدرة بـ20 ألفاً. كما يطرح تواجد هذا العدد من عائلات عناصر التنظيم تحديات أمنية.
وسبق لرئيس مكتب العلاقات الخارجية في "الإدارة الذاتية"، عبد الكريم عمر، أن كشف يوم الإثنين الماضي، أنه يوجد في مناطق الإدارة الذاتية "12 ألف امرأة وطفل من عائلات تنظيم داعش يحملون 53 جنسية". وهو ما أدى إلى بروز مشكلة سياسية ـ أمنية، متمثلة في كيفية التعامل مع مقاتلي تنظيم "داعش" المستسلمين، وعائلاتهم، وبقية النساء والأطفال، من غير السوريين والعراقيين.

مع العلم أنه في 25 مارس/آذار الحالي أفاد المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، بأن "معظم عناصر وعائلات عناصر داعش، الذين هم بقبضة قسد من السوريين والعراقيين، ستتم إعادتهم لمجتمعاتهم لإزالة التطرف، عبر عمليات الدمج، والمحاكمات. أما إشكالية الأجانب منهم، فما زال حلها غير واضح". مع الإشارة إلى أن المسؤول الأميركي نفسه، قال إن "التحالف الدولي يضغط على الحكومات، لاستعادة عناصر داعش الذين يحملون جنسيتها وتم أسرهم"، نافياً التقارير التي تتحدث عن أن واشنطن تبحث في إقامة "محكمة دولية" لمقاضاتهم، قائلاً: "نحن لا نبحث هذا في الوقت الراهن".

وكانت "الإدارة الذاتية"، سلّمت قبل أيام، ثلاثة أطفال روس، لوفدٍ من مجلس الدوما الروسي. وسبق ذلك، تسلم موسكو في السنتين الأخيرتين، عائلاتٍ لعناصر من "داعش"، من قبل "الإدارة الذاتية" و"الحكومة العراقية".

في هذا السياق، نفت "الإدارة الذاتية"، يوم الأحد الماضي، ما تردد في وسائل إعلامٍ جزائرية، عن تسليم عناصر جزائريين، قاتلوا مع "داعش" في سورية، لبلادهم، على الرغم من أن وسائل إعلام جزائرية، ذكرت أن التسليم تم عبر ضباط أميركيين، أوصلوا 29 عنصراً من "داعش" ونساء وأطفال، إلى مطار هواري بومدين، في طائرة عسكرية.



ورفضت دولٌ غربية، عودة مواطنيها الذين انضموا لـ"داعش". وفي هذا السياق، برزت الأميركية هدى مثنى، التي قال وزير خارجية بلادها، مايك بومبيو، إن واشنطن لن تسمح لها بالعودة إلى بلادها، على الرغم من أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، كان قد هدّد دول أوروبا، الشهر الماضي، بأن بلاده قد تسمح بإطلاق سراح مقاتلي داعش المُحتجزين، الذين يتحدّرون من بلدانٍ أوروبية، ما لم تقبل دولهم تسلّمهم.


كما أن البريطانية شميمة بيغوم، التي أنجبت طفلها الثالث بعد فرارها من الباغوز لمخيم الهول، وأطلقت عليه اسم جرّاح وتوفي لاحقاً، أبدت رغبة بالعودة إلى لندن، التي قررت تجريدها من جنسيتها. وقال وزير الداخلية البريطاني، ساجد جاويد، في منتصف فبراير/شباط الماضي، إنه "لن يسمح بعودة مواطني بلاده المنضمين لتنظيم داعش، إلى بريطانيا".

وقد فاقت أعداد الخارجين من الباغوز، آخر جيوب تنظيم "داعش"، في شرقي الفرات، خلال الأسابيع القليلة الماضية، كل التوقعات على ما يبدو، إذ إن آلاف العائلات خرجت، ومن بينها نساءٌ وأطفال وعناصر من التنظيم استسلموا أخيراً، بعدما عُزلوا في الجيب الأخير، وفقدوا الأمل بالخروج أحياء، ليتم نقل معظم هذه العائلات من دون العناصر، إلى مخيم الهول، الذي يضم، منذ سنوات، آلاف العائلات الفارة من المناطق التي كانت خاضعة لـ"داعش".

وبات عدد سكان هذا المخيم أكثر من 70 ألف شخصٍ، متجاوزاً طاقته الاستيعابية. مع العلم أن المخيم أنشئ أساساً في بداية التسعينيات، وبالتزامن مع حرب الخليج الثانية. وأشرفت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، على تأسيس هذا المخيم جنوب شرقي محافظة الحسكة السورية، وهو قريب من الحدود العراقية، ليكون مأوى لنازحين فلسطينيين وعراقيين فروا من مناطق الحرب، قبل أن يُعاد توطين بعضهم في أوروبا وسواها لاحقاً.

لكن المخيم الذي يبعد 40 كيلومتراً، إلى الجنوب الشرقي من مركز محافظة الحسكة، عاد بعد أكثر من عشرين عاماً، ليستقبل نازحين جدداً، خصوصاً بعد تمدد تنظيم "داعش" في سورية والعراق، نهاية عام 2013 وخلال عام 2014. وخلال طرد "قسد" لتنظيم "داعش" من منطقة الهول، أواخر عام 2015، بدأت بنقل العائلات الفارة من مناطق سيطرة التنظيم إليه. بالتالي، شهد المخيم خلال السنوات الماضية أهوالاً ومآسيَ إنسانية، مع انشغال القوى العسكرية شرقي الفرات في المعارك مع "داعش"، التي وضعت معظم أوزارها الآن.



ومنذ أشهرٍ قليلة، تتفاقم مأساة سكان المخيم، الواقع أساساً في منطقةٍ صحراوية، مع توافد آلاف العائلات الجديدة إليه. وقد استقبل نحو 30 ألف شخصٍ، هذه السنة فقط، فيما أشار بيانٌ منذ أسبوعين، لمنظمة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إلى أن "المخيم اكتظ بالنازحين الذين يعيشون ظروفاً بالغة المأساوية، وقد وصل إليه فقط بين يومي 5 و7 مارس/آذار الحالي، 5200 شخص، وأن النازحين الجدد، هم من الأطفال والنساء، وأن 23 في المائة من الأطفال دون سن الـ12 عاماً، و12 في المائة دون سن الخامسة".

وفي الأسبوع الأخير، وبالتزامن مع عاصفةٍ مطريةٍ تضرب المنطقة، وتسببت باقتلاعٍ خيامٍ للنازحين، أظهرت مشاهد مصورة، أنه تم تسجيل وفيات جديدة لأطفال في المخيم. وأفادت شبكات حقوقية بأن "عدد الوفيات في الأيام الأخيرة بلغ 27 طفلاً"، بينما ذكر "الصليب الأحمر"، أنه "في أوج موجة النزوح من الباغوز للمخيم، سُجّلت وفاة 20 طفلاً حينها بسبب البرد، ونقص الرعاية الطبية".

وفي وقتٍ واجهت "الإدارة الذاتية" وقوات "الأسايش" (الشرطة التابعة لقسد) التي تتولى حراسة المخيم، اتهاماتٍ من ناشطين سوريين، متحدرين من مناطق الجزيرة السورية، بإهمال مخيم الهول، فإن "الإدارة الذاتية" من جهتها، ذكرت في بيان رسمي، منذ أيام، أنها "أوصلت لمنظمات الأمم المتحدة، رسالة تطالب فيها بإعداد خطةٍ إغاثية عاجلة وتقرع ناقوس الخطر بقوة وتضع كل الجهات المسؤولة عند مسؤولياتها القانونية والأخلاقية وتضع الهيئات الأممية أمام مسؤولياتها ويتحمل المجتمع الدولي المسؤولية السياسية والإنسانية تجاههم (النازحين)".