"مصر التانية 2020"... السيسي يفخر بالجسور ويتجاهل الفقر والديون

30 يونيو 2020
الصورة
معدلات غير مسبوقة للفقر (فرانس برس)

 

الثلاثون من يونيو/حزيران 2020 ... موعد يترقب فيه المصريون، إبصار "دولة تانية" وفق وعد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي تعهد مراراً بالرخاء لأهل مصر، الذين وصفهم بـ"نور العيون" في أعقاب تظاهرات 30 يونيو 2013، التي استغلها الجيش لإطاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي في الثالث من يوليو/تموز من ذلك العام.

بيد أن الواقع يظهر أن مصر تحولت فعلياً إلى دولة أخرى في سبع سنوات أضحى فيها أكثر من نصف الشعب فقراء يعيشون على المساعدات، وصعدت الديون إلى مستويات غير مسبوقة لتلاحق أجيالاً عدة مقبلة، بينما يدعو السيسي المواطنين إلى أن يفخروا بإنجازات على رأسها الجسور، في بلد لم يعد يبصر، إلا بعين واحدة.

مرت سبع سنوات على ذكرى 30 يونيو/حزيران، شهدت مصر خلالها وعودا متكررة من السيسي بالرغد والاستقرار، فبعد أن كان عام 2015 هو عام الرخاء الموعود، تأخر الوعد إلى 2016 مع مطالبات بالصبر، ثم تأجل إلى 2017، وبعده إلى 2018 ثم 2019، حتى جاء الوعد الأخير قبل شهور بأن تصبح مصر بنهاية يونيو/حزيران 2020، الذي يوافق اليوم الثلاثاء، "حاجة تانية خالص"، قائلا "سنقدم دولة بشكل مختلف خالص غير اللي أنتم موجودين فيها، بجهد الدولة والحكومة والناس، وجهد ولاد مصر".

ويتفاخر السيسي بتشييد الجسور والطرق ومنشآت خرسانية في العاصمة الإدارية الجديدة في صحراء شرق القاهرة التاريخية، بينما انجرف ملايين المصريين إلى العوز في ظل سياسيات اقتصادية يصفها خبراء اقتصاد بالفاشلة، حيث يمعن النظام في الاستدانة وتحميل المواطنين فاتورة الإنفاق على مشروعات من دون جدوى اقتصادية.

لم يكن تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، الصادر في 20 يونيو/حزيران الجاري صادماً للكثيرين من المصريين الذين يعيشون ظروفا حياتية متردية، فقد كشف التقرير عن أن 50.1% من الأسر، أضحت تعتمد بشكل رئيسي على المساعدات من الأصدقاء والأقارب لتغطية احتياجاتها المعيشية، لا سيما منذ بدء أزمة انتشار فيروس كورونا في البلاد، نهاية فبراير/ شباط الماضي والتي لم يكن الوضع قبلها أفضل كثيراً وفق خبراء اقتصاد.

نصف المصريين يعيشون على المساعدات

ولم تكشف الحكومة بيانات عن معدلات الفقر الحقيقية في الفترة الأخيرة، بينما كانت قد ذكرت في يوليو/تموز 2019 أن نسبة الواقعين تحت خط الفقر خلال العام بنهاية العام المالي 2017/ 2018، أي قبل نحو عامين بلغت 32.5% من إجمالي السكان، مقابل 27.8% في العام 2015/2016، لكن خبراء اقتصاد يؤكدون ان النسبة الحقيقية تجاوزت 55% في ظل الغلاء المستمر مع فرض زيادات متواصلة على أسعار السلع والخدمات والضرائب.

وبحلول يوليو/تموز، تطبق الحكومة زيادة جديدة على أسعار الكهرباء للاستهلاك المنزلي رغم الضائقة المعيشية التي يعاني منها اغلب المصريين في البلد الذي يتجاوز عدد سكانه 100 مليون نسمة.

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، أعلنت الحكومة عن الزيادة الجديدة، بنسبة ‏تصل إلى 30% عن الأسعار الجارية، لتعد ‏بذلك سابع زيادة في الأسعار منذ وصول السيسي إلى الحكم في يونيو/حزيران 2014، ليصل إجمالي نسبتها إلى 660%.

كما صادق السيسي قبل أيام، على فرض رسوم على مبيعات البنزين بأنواعه والسولار والتبغ والمحمول، من أجل زيادة العائدات المالية للحكومة التي أضحت تعتمد بنسبة تصل إلى 80% على الضرائب ، وفق ما صرح به وزير المالية محمد معيط أمام مجلس النواب (البرلمان) في مايو/أيار الماضي.

وتأتي هذه الزيادات بينما تكشف بيانات جهاز الإحصاء أن 73.5% من المصريين المشتغلين انخفضت دخولهم بسبب تداعيات جائحة كورونا التي تعد السنة المتممة للسبع العجاف التي تعيشها مصر منذ 30 يونيو/حزيران 2013 وفق الخبير الاقتصادي أحمد إبراهيم، الذي قال لـ"العربي الجديد" إن السياسات الحكومية لم تختلف طول السنوات السبع فهي تعتمد على الاستدانة من الداخل والخارج والجباية لتوفير موارد مالية لا يشعر المواطنون بها.

وأضاف إبراهيم أن "أزمة كورونا كشفت فشل الدولة الذريع في تقديم أبسط الخدمات للمواطنين وهي تأمين العلاج سواء في المستشفيات العامة والخاصة أو حتى خلال العزل المنزلي الذي فرض على الجميع في الأسابيع الأخيرة، وهذا الفشل لمسه المصريون جميعا سواء كانوا أغنياء أم فقراء، بينما تروج الحكومة والإعلام لإنجازات ضخمة".

وتابع: "للأسف لم يعد لمصر غير عين واحدة، هي للحكومة لا ترى من خلالها إلا ما تدعيه من إنجار، بينما يتخبط الكثير من المصريين في عتمة الفقر والغلاء والمرض، الناس لا يهمهم إنشاء الكبارى والطرق، بقدر رغبتهم في العيش الكريم والعلاج والتعليم وهي مفردات لم يعد لها وجود كبير في قاموس الاهتمامات الحكومية طالما أن السيسي لا يرى غير العاصمة الإدارية والطرق والمشروعات والشركات والأفراد الذين يخدمونها".

ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، لـ"العربي الجديد": أعتقد أن ما يعانى منه المصريون حاليا هو نتاج طبيعى للاتفاق مع صندوق النقد الدولى، حيث أدت سياسات الإصلاح الاقتصادى إلى ارتفاع مستوى التضخم، وبالتالى رفع البنك المركزى أسعار الفائدة حتى يحافظ على مستوى الودائع لدى الجهاز المصرفى.

وأضاف أن هذا الاتفاق جعل السياسة النقدية هى المتحكم فى إدارة الاقتصاد، وهذا أدى إلى تراجع دور الاقتصاد العينى مثل الزراعة والصناعة فى تنمية الناتج المحلي الإجمالي، وأصبح الاعتماد أكثر على الاقتصاد الريعى، مثل السياحة، والمولات التجارية، واستثمارات البورصة.
وتابع: ولذلك عندما ظهرت كورونا ارتفعت معاناة غالبية المصريين بسبب توقف أغلب أنشطة الخدمات.

قروض تتجاوز ديون سبعة عقود

وطبقت الحكومة على مدار السنوات السبع الأخيرة سياسات مؤلمة للفقراء ومحدودي الدخل، خاصة في أعقاب الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 على تطبيق برنامج اقتصادي تضمن تعويم الجنيه (تحرير سعر الصرف) والذي أدى إلى انهيار العملة المصرية أمام الدولار، فضلا عن إلغاء دعم الوقود والكهرباء بشكل تدريجي وزيادة ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات التي فاقمت الغلاء.

وفي تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي في يوليو/ تموز 2019 حول الدخل والإنفاق والاستهلاك للعام المالي 2017/ 2018، اتضح أن الأسرة المكونة من فردين بالغين وطفلين تحتاج إلى 2691 جنيهاً، فيما تحتاج الأسرة المكونة من فردين بالغين وثلاثة أطفال إلى 3225 جنيها في الشهر.

وبحسب التقرير فإن النسبة الكبرى من رواتب المصريين تذهب في بند الطعام والشراب بمعدل متوسط 37.1%، ثم 18.6% إلى المسكن ومستلزماته، ثم الخدمة والرعاية الصحية بنسبة 9.9%، والتنقلات بنسبة 6.1% ثم الملابس بـ 4.8%.

ورغم أن بيانات الجهاز الحكومي أشارت إلى الصعوبات المعيشية التي يواجهها المصريون إلا أن محللين يؤكدون أنها لم تنقل الصورة بشكل كامل، إذ إن الحد الأدنى للأجور المقدر بألفي جنيه لا يكفي احتياجات فرد بالغ وليس أسرة مكونة من فردين بالغين خلال الفترة التي رصدها التقرير أي قبل نحو عامين، بينما زادت الأعباء المعيشية منذ ذلك التاريخ.

ويزداد الوضع سوءا بالنسبة لأصحاب المعاشات (المتقاعدين)، الذين يقدر عددهم بنحو 9.8 ملايين شخص، حيث يصل الحد الأدنى لمعاش الفرد إلى 900 جنيه (55.3 دولارا).

ويعد الحد الأدنى للأجور في مصر من الأقل عربياً، وفق رصد لـ"العربي الجديد"، ففي لبنان يصل إلى 450 دولاراً شهرياً (قبل أن يصبح اليوم بعد انهيار قيمة الليرة أقل من 70 دولاراً تقريباً)، وفي فلسطين 400 دولار، وليبيا 340 دولاراً، والمغرب 325 دولاراً، والأردن 311 دولاراً، والعراق 300 دولار، والجزائر 180 دولاراً. أما عالمياً، فيصل في إسبانيا إلى 1180 دولاراً، وفرنسا 1796 دولاراً، والولايات المتحدة 2400 دولار في الشهر.

ورغم السياسات التي اتبعها السيسي لزيادة الموارد المالية، إلا أن الأرقام الرسمية تظهر أن الديون المحلية والخارجية قفزت في سبع سنوات إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف ما سجلته مصر على مدار 70 عاماً.

ووفق رصد لـ"العربي الجديد" يستند إلى القروض التي حصلت عليها الدولة منذ بداية العام الحالي، فإن الديون الخارجية فقط تتجاوز بنهاية يونيو/حزيران 2020 نحو 124 مليار دولار، بينما كانت آخر البيانات الصادرة عن البنك المركزي قبل نحو شهر تظهر بلوغها 112.67 مليار دولار في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2019 . وقفزت الديون منذ 30 يونيو/حزيران 2013 بنسبة 187% يتحمل السيسي مسؤولية زيادتها بنحو 170% منذ توليه الرئاسة رسميا منتصف 2014، حيث كانت تبلغ آنذاك نحو 46 مليار دولار.


الاحتياطي يعود إلى مستويات مبارك

ورغم تزايد معدلات الاقتراض، إلا أن احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي تراجع بنهاية مايو/أيار الماضي، للشهر الثالث على التوالي، ليصل إلى نحو 36 مليار دولار، وهي نفس مستويات الاحتياطي في نهاية حقبة مبارك وتحديداً في ديسمبر/كانون الأول 2010.

وقال الخبير الاقتصادي، أشرف دوابة، خبير الاقتصاد المصري، إن "سياسات السيسي الاقتصادية، قائمة على التجريف والتوريط والتخدير، وهذه السياسات أضرت مصر"، موضحا أنه "بالنسبة للتجريف، تنازل عن جزيرتي تيران وصنافير وفرط في مياه النيل وجعل العسكرة هي الأساس وزاحم القطاع الخاص وقام بتعديلات للقوانين وتشريعات منحت له صلاحيات كبيرة ومنها إنشاء صندوق مصر السيادي الذي أعطى له التحصين في التصرف في ثروات البلاد، كما ألغى الدعم وعوم الجنيه وزاد الضرائب ورفع رواتب الجيش".

وتابع دوابة: "وبالنسبة للتوريط، فقد رفع الديون لمستويات قياسية، بينما يواصل تخدير الشارع بالمشروعات التي ليس لها عائد مثل التفريعة الجديدة التي جرى شقها في قناة السويس (2018) والعاصمة الإدارية وغيرها من المشروعات، مما استنزف الاقتصاد المصري.، بينما مؤشرات التضخم والبطالة والنمو كلها تجميلية ولا تعبر عن واقع الاقتصاد المتدهور، فالوضع بشكل حقيقي من سيئ إلى أسوأ".

وكانت معدلات التضخم قد قفزت إلى مستويات غير مسبوقة في نحو خمسين عاماً، متجاوزة 35% في يوليو/تموز 2017، وذلك في أعقاب تعويم سعر الجنيه أمام العملات الأجنبية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، إلا أن البيانات الحكومية اللاحقة عمدت إلى خفض هذه النسبة بشكل متوال، ليعلن جهاز الإحصاء في وقت سابق من الشهر الجاري، بلوغ التضخم 4.7% في مايو/أيار.