"مراصد" سورية بإسطنبول تفادياً للاعتقال

21 يوليو 2019
الصورة
على مجموعة "يرحم إيامك يا شام" (العربي الجديد)
كرّ وفرّ عاشته إسطنبول في الأيام القليلة الماضية، بعد حملة من أجهزة الأمن على اللاجئين السوريين، الذين ابتكروا مراصد خاصة لتحذير بعضهم بعضاً من الدوريات

لم يخرج محمد من منزله في مدينة إسطنبول التركية، منذ أسبوع كامل، إلاّ لضرورات جلب احتياجات منزله. يخشى الذهاب إلى العمل كي لا يلقى القبض عليه، ويجري ترحيله من إسطنبول إلى الولاية التي جاء منها، أو إلى شمال سورية.

هذه حال كثير من السوريين في الوقت الراهن، بعد الإجراءات التي بدأت الحكومة التركية في تطبيقها على من يعتبرون مخالفين، سواء أكانوا من اللاجئين السوريين أم من الأجانب.

يقول محمد إنّه جاء من مدينة غازي عنتاب بعد التسجيل هناك والحصول على بطاقة الحماية المؤقتة (كيملك) ما يعني أنّ وجوده في تركيا قانوني، لكنّ السلطات قررت مؤخراً تفعيل بند عدم السماح لمن لا يحمل "كيملك" صادراً عن إدارة الهجرة في إسطنبول بالبقاء فيها، ونقله إلى الولاية التي كان قد سجل فيها.




لا يعلم محمد إلى متى ستستمر هذه الحال، وقد يضطر أخيراً إلى مغادرة إسطنبول من أجل تلافي الاعتقال والترحيل إلى سورية، وكان قد جاء إلى تركيا عبر دفع مبلغ مالي للعبور بعد تهجيره من غوطة دمشق الشرقية، وواجه صعوبات في الحصول على الـ"كيملك" قبل الانتقال إلى إسطنبول.

من أجل تلافي الوقوع في قبضة الشرطة التركية التي باتت تنتشر في أحياء إسطنبول، وخاصة في المناطق التي تشهد كثافة في اللاجئين السوريين لجأ كثيرون منهم إلى إنشاء غرف محادثة جماعية، أو مجموعات، على مواقع وتطبيقات التواصل. سميت الغرف بحسب المنطقة التي تغطي أخبارها وأحياناً باسم المنطقة السورية التي ينحدر منها أفراد الغرفة في سورية، فهناك غرفة تحت مسمى "حماصنة إسطنبول" وأخرى "سوريون في أفجلار" و"سوريون في باغجلار" و"مرصد إسينلر" و"الجالية السورية في الفاتح" وغيرها.

من خلال تلك الغرف يرشد اللاجئون بعضهم بعضاً إلى الأماكن التي توجد فيها دوريات الشرطة التركية، أو المناطق التي تجري مداهمتها في لحظتها، والتحذير من عدم الذهاب إلى تلك المنطقة أو المرور منها لمن لا يحمل "كيملك" إسطنبول. وقد اطلعت "العربي الجديد" على العديد من غرف المحادثة الجماعية على "واتساب" وكان بعضها مخصصاً للإعلانات التجارية أو للإعلان عن الفعاليات التي ينظمها السوريون في المدينة الكبيرة، سابقاً، لتتحول إلى ما يشبه المراصد.

يوضح اللاجئ محمد أنّ مكان عمله جرت مداهمته من جانب الشرطة، وهرّب صاحب العمل جميع العمال السوريين من الباب الخلفي، مشيراً إلى أنّ صاحب العمل قام بذلك خشية تعرضه لعقوبة المخالفة أيضاً، إذ ينص القانون المطبق حالياً على معاقبة وتغريم من يشغّل الأجانب من دون إذن عمل وضمان. علم محمد بعملية المداهمة من خلال غرفة الـ"واتساب": "الأصدقاء ممن يحملون بطاقة كيملك إسطنبول في الغرف، يحذرون من لا يملكونها مباشرة عندما يصادفون دورية شرطة في طريقهم".



ومن الجمل التي رصدتها "العربي الجديد" على غرف المحادثة: "يعتقلون من لا يملك بطاقة كيملك في طلعة الفاتح... لا تقتربوا". أو "الحاجز طيار ومعهم سيارة، وهناك شرطة مدنية"، و"هل أمسكوا بأحد؟". إزاء ذلك، يتذكر محمد كيف كان السوريون يتفادون حواجز أمن النظام والشبيحة في سورية، إبان انطلاق الثورة السورية في مارس/ آذار2011، إذ كانوا يحذرون بعضهم بعضاً عن طريق غرف من هذا النوع.

بدوره، يشير وائل المقيم في منطقة باغجلار إلى أنّ "السوريين باتوا في حالة قلق، منتظرين ما سيحلّ بهم، لأنّ هناك عمليات ترحيل إلى سورية كما يشاع". يحمل وائل بطاقة "كيملك" صادرة من دائرة الهجرة في إسطنبول لكنّه لا يملك إذن عمل، لذلك لم يذهب إلى عمله منذ بدأت عمليات مداهمة المطاعم في المنطقة التي يقيم فيها، ويعتمد على غرف الـ"واتساب" لتتبع أخبار المداهمات وعمليات الترحيل.

من جانبه، يقول عمر، الذي يحمل إقامة سياحية في إسطنبول إنّه ذهب إلى أحد المطاعم السورية في منطقة الفاتح وهو من المطاعم الكبيرة إذ يعمل في خدمة الزبائن لديه 15 شخصاً على الأقل، وفي لحظة اختفى جميع العمال. وعند سؤال صاحب المطعم تبين أنّهم تلقوا تنبيها عبر "واتساب" من مطعم آخر، بأنّ دوريات الشرطة وبلدية المنطقة بدأت بمداهمة مطاعم السوريين والأتراك في الحيّ، بهدف التفتيش عن المخالفين ممن لا يحملون إذن العمل والـ"كيملك". يضيف أنّ معظم المجموعات والغرف باتت تنقل مثل هذه التنبيهات، وتنشر صور الدوريات التركية وعمليات مداهمة منازل "السكن الشبابي" والمطاعم والمحلات التجارية. وعن مصداقية الأخبار التي تنقل في تلك الغرف، يوضح عمر أنّ هناك غرفاً قد تضخم ما يحدث، لكنّه يؤكد أنّ أصدقاء له تعرضوا للمضايقة من الشرطة، على الرغم من حملهم بطاقة الحماية المؤقتة الصادرة عن مديرية الهجرة في إسطنبول.

من جهته، صرح مهدي داوود، رئيس منبر الجمعيات السورية، في تسجيل صوتي تناقلته الغرف والمجموعات، أنّ دائرة الهجرة في إسطنبول، عمّمت إلى جميع الجهات المعنية أمراً بوقف ترحيل السوريين من إسطنبول، ممن يحملون بطاقة الحماية المؤقتة "الكيملك" سواء كان تسجيلها فيها أو في ولايات تركية أخرى. وقال داوود إنّ مدير دائرة الهجرة في إسطنبول، رجب باتو، أبلغه صباح أمس السبت أنّه أوعز إلى الجهات كافة بوقف ترحيل السوريين الذين ألقي القبض عليهم لعدم حيازتهم "كيملك" إسطنبول، أو عدم حيازتهم أيّ "كيملك".




السبت قبل الماضي أعلن وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، خلال اجتماعه مع مجموعة من الإعلاميين والناشطين السوريين والعرب، عن البدء بتطبيق إجراءات صارمة بحق اللاجئين السوريين والأجانب في إسطنبول. وبحسب تصريحات الوزير فإنّ تركيا تستضيف 3.6 ملايين لاجئ سوري يقيم نصف مليون منهم في إسطنبول التي تعتبر أكبر الولايات التركية.