"متعة الأسماع": موسيقى القرن الثالث عشر

30 مايو 2019
الصورة
(رسم من مخطوط "حديث بياض ورياض" الأندلسية)

لا يلتفت الكثير من الباحثين إلى المدوّنة الموسيقية في التراث العربي، حيث لا تزال الكتب المحقّقة في هذا الحقل نادرة في المكتبة العربية، إذ أن معظمها هي لعلماء جرى التركيز على مؤلّفاتهم في مجالات الفلسفة وعلوم الكلام والسيرة بشكل أساسي.

"متعة الأسماع في علم السماع" عنوان الكتاب الذي وضعه الشاعر والرحّالة والمؤرخ أحمد بن يوسف التيفاشي القفصي (1184 – 1253)، وحقّقه الباحث التونسي رشيد السلامي، ليصدر حديثاً عن "المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون" (بيت الحكمة).

يقارب الكتاب عدّة تساؤلات أساسية شغلت المهتمين في الموسيقى في تلك الفترة، ومنها كيف تؤثّر الألحان في النفوس الإنسانية؟ وهل تنجح فعلاً الصناعات الموسيقيّة في الاضطلاع بمهام علاجية؟ وأيّ دور للآداب والفنون في تحرير الإنسان من التزمت والوعي المعادي للتنعم بمباهج الحياة؟ وكيف يتصدى الإبداع للجمود وقيم الانحدار؟ وهل تتضمّن سياقاتنا العربيّة القديمة والوسيطة مرجعيات فكرية وإبداعية مقاومة للتزمت وكبح الحريات الفرديّة؟

يتناول التيفاشي المدوّنات الموسيقيّة وعالم الرقص والمجالس الأدبيّة وطقوس الغناء في بلاط السلطة شرقاً وغرباً، حيث يقول السلامي في تقديمه: "قد نجانب الصواب لو اختزلنا أهمية الأثر في ندرة الوثائق ذات الصلة بمدونة الأغاني الإفريقيّة والفنون الأندلسيّة والمجالس الأدبيّة وطقوس التنعّم برغد العيش، بل إن المسألة تتخطى تلك التخوم، متجسدة في مضامين فكريّة وإبداعات داحضة لأطروحات سائدة حول قضايا دينيّة والتجارب الحسيّة وهوامش التسامح في حقب يقدّمها البعض في ألوان قاتمة".

ويتضمّن الكتاب مقاربات متعدّدة للإبداعات الموسيقيّة في القرن الثالث عشر الميلادي، لا زالت محلّ محاكمة أخلاقيّة لدى بعض أطروحات القرن الحادي والعشرين، وتجهل مكانتها الاستيتيقيّة ووظيفتها العلميّة أطروحاتٌ أخرى.

يوضح السلامي بأن قراءة التيفاشي لوظائف الموسيقى نفسياً وأنطولوجياً تندرج ضمن الردود المعرفيّة على مركزيّة بعض الثقافات، التي تدعي اكتشافها لهذه الحقائق وتسحب من غيرها جهوداً موثقة في مؤلفات على غرار كتابه، الذي يشدّد على أن "الغمّ والهمّ يكدّر الدم ويفسده"، ولكن إذا سرّت النّفس بالألحان والنّظم وشجن الأعمال الموسيقيّة "تروّق الدم وجاد الهضم والاستمراء".

كما يترجم الكتاب، وفق المحقّق، النزعة التحرريّة لكاتب قاوم المحظور وتمرّد على التدابير الاجتماعيّة والقيم السائدة حيث خاض معيشه على نحو اختاره، فلم يمارس الرياء الديبلوماسي في حضرة الأوصياء الرسميين وغير الرسميين.