"كمين بلحص": اجتماع صدف وإجماع سياسي لبناني

"كمين بلحص": اجتماع صدف وإجماع سياسي لبناني

11 ابريل 2015
صيد ثمين لقوى الأمن اللبناني (الأناضول)
+ الخط -
حقّقت القوى الأمنية اللبنانية صيداً ثميناً في مدينة طرابلس شمالي لبنان من خلال توقيف الشيخ الفار خالد بلحص، وعدد من مرافقيه، بالإضافة إلى قتل المطلوبين أسامة منصور ومعاونه أحمد الناظر. وكان بلحص يتوارى عن الأنظار منذ ستة أشهر، أي بعد المعركة التي خاضها ضد الجيش اللبناني في بلدة بحنين (الضنية، شمالي لبنان). وكذلك يفعل منصور أحد أبرز قادة المجموعات المسلحة في مدينة طرابلس في الشمال.
تؤكد المصادر الأمنية لـ"العربي الجديد" أن لا ارتباط تنظيمياً بين بلحص ومنصور. فالأول مقرّب من الشيخ الفار أحمد الأسير الذي خاض معركة مع الجيش في منطقة عبرا (صيدا، جنوب لبنان) عام 2013، في حين أنّ منصور مقرّب من جبهة النصرة. إلا أنّ سياق التوتر الأمني الذي عاشه شمال لبنان في أكتوبر/تشرين الأول الماضي يشير إلى ارتباط ولو شكلياً بين الرجلين، باعتبار أنّ منصور وبلحص بادرا إلى فتح معركتي بحنين والتبانة إثر اشتباكات بين الجيش ومجموعات إسلامية في الأسواق الداخلية في طرابلس. أي أنّهما حاولا تخفيف الضغط الأمني والعسكري عن تلك المجموعات من خلال الإيحاء بأنّ المناطق ذات الأغلبية السنية ستنتفض وتهبّ لنصرة بعضها في حال تعرّضها لهجوم. وكانت نتيجة تلك الخطوة اختفاء بلحص وقتل واعتقال العشرات من أنصاره في الضنية، بالإضافة إلى تفكيك مجموعة منصور وتواريه عن الأنظار ومغادرة معاونه شادي المولوي المدينة إلى مخيم عين الحلوة (جنوب لبنان)، حيث لا يزال مختبئاً لدى بعض المجموعات الإسلامية المتشددة.


اقرأ أيضاً: الأمن اللبناني يقتل مسلحاً من "النصرة" بطرابلس

وتشير الرواية الأمنية لعملية طرابلس، بحسب ما قدّمها ضباط أمنيون لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ توقيف مقرّبين من بلحص قبل أيام أدى إلى الكشف عن اجتماع سيعقده الأخير مع عدد من المطلوبين أو "المعنيين بالشأن الجهادي". اعتمد فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي على سلاح "داتا الاتصالات ومراقبتها لتحديد مكان بلحص وتحركاته وتبيّن لها وجوده في طرابلس"، فبشورت التحضيرات وجهّزت بغضون ساعات. وتضيف الرواية أنّ "القوة الضاربة التي تولت العملية نصبت العديد من الكمائن على مداخل حي باب الرمل، داخل طرابلس، بالإضافة إلى كمائن أخرى على الطريق التي تربط المدينة بالشمال". وبعد إحكام الكمين حصل تبادل لإطلاق النار مع سيارة كانت خلف سيارة بلحص، فقتلت القوى الأمنية منصور من دون أن تكون على علم بوجوده داخل السيارة أو في الاجتماع الذي سيعقده بلحص، ليكون الكمين قد أصاب عصفورين بحجر واحد. ولا يقلّل أمنيون من فرضية اجتماع العديد من الصدف خلال العملية وقبلها، باعتبار أنّ الجيش اللبناني نفذ عملية دهم لمنطقة التبانة (حيث المقرّ السابق لمنصور وحيث كان متوارياً عن الأنظار) بعد معلومات تحدثت عن تجوّله في المنطقة. فساعدت هذه المداهمات، ربما من غير قصد، على دفع منصور إلى الخروج من المنطقة بشكل أسرع "والاستنفار وإطلاق النار على القوى الأمنية في وقت لاحق". مع تأكيد أحد الضباط أنه كان بإمكان منصور أن ينجو من الكمين ومن القتل ومن التوقيف حتى لو لم يبادر إلى إطلاق النار، باعتبار أنّ المقصود من العملية كان بلحص. وبالتالي كان مرّ في سيارته على نقطة الكمين وتابع طريقه من دون الكشف عن هويته، مع العلم أنه قد غيّر في ملامحه وحمل بطاقة هوية لبنانية مزوّرة.

على الرغم من هذا الصيد الثمين، يطرح واقع وجود بلحص في طرابلس الكثير من علامات الاستفهام حول جدية وجدوى الانتشار الأمني الذي تنفذه وحدات الجيش اللبناني وقوى الأمن في الشمال. لكن يبقى الأهم أنّ ترويج بعض الأطراف السياسية لطرابلس على أنها "قندهار" أو حاضنة "التشدد والإرهاب" سقط، نتيجة الغطاء الشعبي والسياسي الذي لاقته عملية توقيف بلحص ولو أنّ المطلوبين وجدا من يؤويهما في المدينة لأيام أو ساعات.
من جهة أخرى، تؤكد العملية أن ملف "الحرب على الإرهاب" لا يزال يلقى دعماً سياسياً جامعاً من قبل كل الأطراف، وكذلك هو حال قرار حماية لبنان والمحافظة على استقراره. نتيجة الصدف أو بقرار أمني مركزي، أثبتت القوى الأمنية اللبنانية أنّ بإمكانها أن تقوم بواجباتها متى أرادت وأتيح الجو السياسي الملائم لذلك، تماماً كما هي حال المعارك الضيّقة التي يمكن أن تخوضها بوجه بعضها على حساب الأمن والمواطنين.

اقرأ أيضاً: تسوية شمال لبنان: أرباح الجيش وخسائره