"فُرص التغيير" في انتخابات إيران الرئاسية

25 مارس 2017
الصورة
+ الخط -
تستعد إيران لانتخابات رئاسية في 19 مايو/ أيار المقبل، وسط انخفاض الاهتمام الإقليمي والدولي بهذا "الاستحقاق الدستوري"، فيما لا ترشح أنباء عن حماسة الرأي العام الإيراني لهذه المناسبة التي تتجدّد كل أربع سنوات. وبينما أعلن مساعدون مقربون من الرئيس الحالي، حسن روحاني، عن استعداده لخوض المعركة، وحيث يجري تصنيفه ضمن معسكر الإصلاحيين، فإن الطرف الآخر، ممثلاً بالمحافظين، لم يسمّ مرشحه بعد، على الرغم من اقتراب موعد الانتخابات، والحاجة للقيام بحملات انتخابية، ما يثير ابتداء علامة استفهام حول جدّية الحملة، وتالياً جديّة التنافس بين المترشحين، في ضوء قِصر المهلة المتاحة للقيام بهذه الحملة.
وبينما تقوم الانتخابات على الاقتراع الشعبي المباشر للناخبين، فإن مجلس صيانة الدستور يعتبر "الناخب الأول"، إذ يتمتع هذا المجلس المكون من اثني عشر عضوا بسلطة قبول الترشيح ورفضه، وتعتبر قراراته قطعية. وسبق للمجلس في الانتخابات الماضية أن رفض ترشيح هاشمي رفسنجاني "لتقدمه في السن". ومن بين 668 مترشحا في انتخابات 2013، تم قبول ترشيح ثمانية! ويختار المرشد نصف أعضاء المجلس، بينما يرشح رئيس السلطة القضائية (المعيّن من المرشد) الستة الآخرين، وتُعرض أسماؤهم على مجلس الشورى لتزكيتهم. وفي الغالب، فإن رجال الدين هم الأوفر حظا لقبول الترشيح، إذ لم يسبق أن تم قبول ترشيح من هم من غير رجال الدين سوى أبو الحسن بني صدر واحمدي نجاد. الأول لم يحكم سوى سنة بين 1980 و1981، وتمت إزاحته، والثاني حكم لولايتين، بين عامي 2005 و2013، وكان عازما على خوض انتخابات هذا العام مجدّدا، وبادر إلى القيام بحملة انتخابية، لكنه تلقى "نصيحة" من المرشد بعدم الترشح، فامتثل لها. ونجاد شعبوي محافظ، لا يكتم رفضه الاتفاق النووي الذي عقدته بلاده مع الغرب.
وبينما تبدو هناك، في معسكر المحافظين، خياراتٌ عديدة للأسماء التي قد يحظى أصحابها 
بالترشيح، فإنه لا تبرز أسماء حتى الآن في معسكر الإصلاحيين سوى روحاني. وسبق للرئيس الأسبق أن طرح مبادرة على المرشد برفع الإقامة الجبرية عن شخصياتٍ، مثل مير موسوي ومهدي كروبي، لكن المرشد رفض المبادرة، علماً أن خاتمي نفسه يتعرّض للحظر في وسائل الإعلام. وهو ما أسهم مُسبقاً في إشاعة شعور عام في وسط الإصلاحيين وجمهورهم بلاجدوى الانتخابات.
ويستذكر المرء أجواء التفاؤل النسبي بوصول روحاني إلى سدة رئاسة الجمهورية، قبل أربع سنوات. وعلى الرغم من أن الرجل لا يصف نفسه إصلاحيا، إلا أن معسكر المتشددين أبدى مناوأةً شديدة له. وواقع الحال أن شيئا لم يتغير في عهد روحاني، فما زالت إيران تتصدر دول العالم في عدد الإعدامات، بما في ذلك إعدام نساء. وعلى الرغم من أنه يقوم بالاتصال بدول العالم وزيارتها، إلا أن السياسة الخارجية تبقى في عهدة المرشد الذي يستقبل رؤساء الدول من زائري طهران. وقد شهدت ولايته تصعيدا في النزعة التدخلية الإيرانية تجاه المنطقة العربية، ولم يعمد روحاني إلى النأي بنفسه عن هذا النهج، بل عمد، في بعض الحالات، إلى تسويغه. وشهد عهده إحراق السفارة السعودية في طهران. كما أن التضييق على الصحفيين وتهديدهم تواصل في عهده، واتسع نطاقه. ويروي ناشطون أن خمسين حفلا غنائيا تم حظر إقامتها في عهدها. وحافظ التمييز ضد الأقليات، وخصوصا العرب والكرد، على وتيرته. لم يتغير شيء البتة، وعمد النظام إلى استخدام روحاني بما يتمتع به من خبرة دبلوماسية وحسن مخاطبة الغير، لتلميع صورة النظام في الخارج. وقد ساء الوضع الاقتصادي الداخلي، وارتفعت أصوات تحذر من انهيار النظام.
وعلى الرغم من "الخدمات" التي قدّمها للنظام الشمولي، فقد تعرّض، قبل أسابيع، لحملة قام بها المعسكر المحافظ، حيث جرى تراشق اتهامات بالفساد بينه وبين رئيس السلطة القضائية. كما جرى اتهامه بأنه استورد لرئاسة الجمهورية أجهزة تقنية حسّاسة تستخدم للتنصت. وأبدى المرشد عدم رضاه بالأداء الحكومي. وتستخدم الحملة عليه إما لمنع مجلس صيانة الدستور ترشيحه، أو لإضعاف فرصه بالفوز في حال قبول ترشيحه، أو لدفعه إلى الاقتراب أكثر من صفوف المحافظين، والانخراط فيها واحدا من هؤلاء، وقطع صلاته الشخصية بالإصلاحيين. ومع أن الأمر يبقى بيد المرشد الذي يشرف على السلطات الثلاث، إلا أن الظرف الراهن
يوحي بحاجة النظام إلى رجلٍ كروحاني، فقد نجح الأخير في ربط النجاح بتوقيع الاتفاق النووي في العام 2015 به شخصيا، ولن يجد النظام أفضل منه في التفاوض مع الرئيس دونالد ترامب حول "أهمية التمسّك بالاتفاق وعدم إعادة النظر ببنوده"، ورفع العقوبات عن إيران التي جرى تمديدها عشر سنوات أخرى. وفي معرض "نصيحته" لأحمدي نجاد بعدم الترشح، ذكر المرشد أن "الظرف غير مناسب" لترشحه، ولعل الموقف الأميركي غير المتحمس للاتفاق سبب بارز لإزجاء هذه "النصيحة" لشخص إيراني رافض للاتفاق، وذلك حتى لا يكون هناك، في حال فوز أحمدي نجاد، رفض متبادل للاتفاق بين طهران واشنطن. وتراهن طهران على استمرار مفاعيل الاتفاق لفك عزلتها الدولية، وتنمية المصالح الاقتصادية مع الغرب، ولمواصلة سياستها التدخلية في المنطقة، مع غض نظر غربي نسبي، عن هذه السياسة التي تؤجج الصراعات الإقليمية.
ولا بد أن روحاني يدرك حاجة النظام إليه في هذه المرحلة، وينسب إليه قوله، في 25 فبراير/ شباط الماضي، أمام لجنة للانتخابات "في الظروف الحالية، لن أقبل أن يخرج أحدهم، ويعلن أن مجلس صيانة الدستور سيكون مسؤولا عن الانتخابات، أو أنه سيراقبها. في حال انتهكت أي قوة أمنية أو عسكرية القانون، علينا الاحتجاج والوقوف في وجه ذلك". وهي من المرات النادرة التي تعلن فيها شخصيةٌ من داخل النظام تحفظها على مجلس صيانة الدستور، وهو بمثابة محكمة دستورية على الطريقة الإيرانية. كما يعرف روحاني أن فرصه كبيرة بالفوز أمام أي مترشح ينتمي للتيار المحافظ، وكما حدث في انتخابات العام 2013، حيث فاز بأصوات أكثر من 50% من الأصوات، في مقابل أقل من 17% لمنافسه آنذاك، المحافظ محمد باقر قاليباف. وهكذا، فإن إيران مرشحة إما لبقاء الوضع على ما هو عليه مع روحاني مجدّدا، أو أن ينحو المسار إلى مزيد من التشدد الداخلي والخارجي، إذا ما قيّض لمترشح محافظ الوصول إلى سدة الرئاسة، وهو ما يبدو مستبعداً قبل أقل من شهرين على موعد الانتخابات. أما فُرص التغيير فهي في حكم المعدومة، نظرا لحرمان رئيس الجمهورية المنتخب من أية سلطاتٍ، تتعلق بالشأن العام، وبالسياسة العامة للدولة.