"فاغنر" الروسية تعيد الانتشار في ليبيا... هل اقترب حسم معركة "سرت– الجفرة"؟

07 يوليو 2020
الصورة
تحول تركيا وروسيا إلى فاعلين مركزيين بالمشهد الليبي (عبد الله دومة/فرانس برس)

تتسارع أحداث كواليس الأزمة الليبية بين الدبلوماسي والعسكري في اتجاه لا يزال الغموض يلفه، فيما برزت تركيا ورسيا كأهم طرفين متصارعين، وسط تكهنات من قبل مراقبين حول إمكانية وصول الأزمة الليبية إلى محطة المفاوضات العلنية للوصول إلى تفاهمات للحل السلمي.

وكشفت مصادر ليبية مسؤولة، حكومية من طرابلس وبرلمانية من طبرق، النقاب عن إعادة شركة فاغنر الروسية توزيع مواقعها في مناطق جديدة في ليبيا على علاقة بمستجدات الميدان وملف النفط.

واتفقت معلومات المصادر، التي تحدثت لــ"العربي الجديد"، على أنه بالإضافة إلى سيطرة مرتزقة فاغنر كليا على حقل الشرارة، جنوب البلاد، وصلت مجموعات منها إلى حقل السدرة، بمنطقة الهلال النفطي، السبت الماضي.

وأكدت المصادر أن فاغنر خفضت من كثافة وجود عناصرها المسيطرة على مدينة سرت، وسط البلاد، فيما أعادت توزيع أكثر عناصرها الموجودين داخل قاعدة الجفرة إلى خارجها، ولا سيما في هون وسوكنة المجاورتين للقاعدة.

وتأتي إعادة التموضع العسكري الروسي غير المباشر مقابل نشاط دبلوماسي تركي لتسريع عملية السيطرة على قطاع سرت– الجفرة الذي توقفت عنده المعركة منذ مطلع يونيو/ حزيران الماضي.

وتزامنا مع زيارة واسعة أجراها وفد تركي رفيع المستوى، مكون من وزير الدفاع خلوصي أكار، وقائد القوات البحرية التركي عدنان أوزبال، والذي زار طرابلس، ورئيس هيئة الأركان ياشار غولر، لعدة مواقع في مناطق سيطرة حكومة الوفاق، لمناقشة مستجدات الأوضاع الميدانية وخطط أخرى تتعلق بشكل المعركة المقبلة، زار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الدوحة لبحث القضية الليبية ودعم الدوحة لها.

وأشار أردوغان، في تصريحات صحافية، أن الحراك التركي يأتي في إطار خطة معينة، وأنها للمتابعة عن كثب في ليبيا.

وتؤشر هذه المستجدات إلى أن الملف الليبي بات التنافس فيه منحصرا بين موسكو وأنقرة، اللتين كانتا تسعيان لمقاربة ثنائية بشأن الملف الليبي، فقد دعتا، في بيان مشترك في 12 من يناير/ كانون الثاني الماضي، الأطراف الليبية إلى وقف إطلاق النار واستضافة موسكو أطراف الصراع الرئيسية لتوقيع اتفاق قبل أن يفشله اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي رفض التوقيع.

فاغنر خفضت من كثافة وجود عناصرها المسيطرة على مدينة سرت، وسط البلاد، فيما أعادت توزيع أكثر عناصرها داخل قاعدة الجفرة إلى خارجها، ولا سيما في هون وسوكنة المجاورتين للقاعدة

ويرى الباحث الليبي في العلاقات الدولية، مصطفى البرق، أن سياسة روسيا في ليبيا من البداية كانت تعتبر حفتر حليفا مؤقتا، وأن خططها كانت تتجاوز حفتر وحكومة الوفاق معا، وتعمل وفقا لمصالحها القديمة من خلال مسارات، موضحا أن أولى مساراتها الحفاظ على علاقة بكل الأطراف على الصعيد السياسي، والثاني الولوج عسكريا لليبيا عبر حفتر، ولكن بقدر يحفظها من التورط معه.

وقال البرق، متحدثا لـ"العربي الجديد"، إن "موسكو رغم الإغراءات التي قدمها حفتر لها بشأن بناء قاعدة في بنغازي وطبرق، وتسهيل استقبال بوارجها البحرية، إلا أن وجودها إلى جانب حفتر بقي في مستوى التعامل غير الرسمي من خلال شركة أمنية وفرت لها وجودا عسكريا كافيا".

وأكد أن "روسيا تسعى للتأثير على صادرات الطاقة الليبية من نفط وغاز كورقة للضغط على أوروبا، أكثر من سعيها لبناء وجود عسكري"، مؤكدا أن "موسكو تستثمر في أزمة ليبيا كورقة للضغط في ملفات أخرى".

وعن علاقتها بتركيا، أوضح البرق أن "تركيا تواجه حلفا معقدا يمنعها من الوصول إلى سرت، التي تعتبر أحد أهم عناصر اكتمال سيطرتها على مواقع الغاز في شرق المتوسط"، مشيرا إلى أن "هذا الحلف مكون من مصالح متضاربة".

ومنذ توقيع تركيا اتفاقا بحريا وأمنيا مع حكومة الوفاق، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، واجهت رفضا أوروبيا لاستثمارها في مواقع الغاز في شرق المتوسط، ما جر الخلافات إلى داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تعتبر تركيا وفرنسا من أهم أعضائه.

الحداد: مفاتيح الحل لا تزال بيد واشنطن التي تحافظ على قدر من المرونة في الملف الليبي، ولا ترغب في الانخراط فيه بشكل كبير، بسبب علاقتها الجيدة بأكثر الأطراف الفاعلة فيه

من جانبه، رجح الأكاديمي الليبي، خليفة الحداد، أن "مفاتيح الحل لا تزال بيد واشنطن التي تحافظ على قدر من المرونة في الملف الليبي، ولا ترغب في الانخراط فيه بشكل كبير، بسبب علاقتها الجيدة بأكثر الأطراف الفاعلة فيه".

لكن الحداد أكد، لـ"العربي الجديد"، أن الحل الأميركي الذي لن يكون إلا تحت مظلة الأمم المتحدة لن يخرج إلا بعد زوال قلق واشنطن من التوغل الروسي، مشيرا إلى أن "إعادة تموضع مرتزقة فاغنر الجديد سيرفع من حدة الغضب الأميركي".

وأوضح الحداد أن إعادة التموضع الروسي الجديد حول الجفرة وفي منطقة الهلال النفطي قريبا من سرت "يعني سحب روسيا لمقاتليها خارج الجفرة، وعلى تخوم سرت، ويعني قناعة روسية بأن قوات "الوفاق" على وشك إطلاق عملية بدعم تركي، وبضوء أخضر أميركي، للسيطرة على قطاع سرت – الجفرة".

لكن الحداد يتساءل: "هل ستتحدد معالم خريطة سياسية جديدة في ليبيا بعد سقوط سرت والجفرة؟"، قبل أن يجيب مرجحا بأن "السيطرة على سرت والجفرة نهاية فصل الاحتراب والسلاح وبدء فصل جديد لتقاسم الكعكة الليبية".

وأضاف: "ما أخفته قاعات برلين في يناير/ كانون الثاني الماضي التي جمعت الفاعلين في الملف الليبي قد يظهر قريبا وفق تفاهمات جديدة قد تكون الأطراف اختلفت بشأنها، وسيكون الحل السياسي الجديد ضمانا لاستمرار الحفاظ على مصالحها".

وأشار الحداد إلى أن "واشنطن يبدو أنها انتزعت المؤسسة الوطنية للنفط من يد كل الأطراف في ليبيا لتحافظ على الورقة الليبية الأهم"، مشيرا إلى أن تصريحات رئيس المؤسسة، مصطفى صنع الله، تشير إلى أن المؤسسة تحولت إلى طرف مفاوض مستقل في المفاوضات الجارية بشأن إعادة فتح المنشآت النفطية.

وكان صنع الله قد أكد، في بيان له مطلع الأسبوع الماضي، أن المؤسسة تتفاوض مع حكومة الوفاق وأطراف إقليمية أخرى برعاية أممية لإعادة فتح المنشآت النفطية.​