"على ضفتي الموت"... معاناة مزدوجة لأهالي دير الزور

16 يناير 2017
الصورة
يافطة تضامنية مع دير الزور (فيليب هوغين/فرانس برس)
+ الخط -


يعيش أهالي دير الزور شرقي سورية معاناة مزدوجة، إذ يجدون أنفسهم ضحايا الهجوم الذي يشنه تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) على المنطقة، إضافة إلى ممارسات النظام السوري القمعية بحقهم. وواصل تنظيم "داعش"، أمس الأحد، هجومه على قوات النظام في دير الزور، والذي وُصف بالأعنف حتى الآن، إذ نجح في انتزاع بعض المواقع، وتضييق الخناق على مطار دير الزور العسكري، بينما تشن قوات النظام هجوماً واسعاً على مواقع التنظيم في تدمر شرقي حمص، ضمن محاولتها استعادة حقول النفط والغاز التي خسرتها الشهر الماضي.
وبحسب مصادر ميدانية، تمكّن عناصر "داعش" في دير الزور أمس، من السيطرة على منطقة سكن المهندسين غرب مطار المحافظة العسكري، بعد تقدّمهم ليلة السبت في تلة البروك وأطراف جمعية الرواد في جبهة البغيلية. كما أعلن التنظيم سيطرته بشكل كامل على مباني "سكن الجاهزية" (سكن الضباط) على طريق دير الزور-دمشق، الواقعة مقابل فرع المرور وشركة الموارد المائية، وذلك بعد هجوم عنيف شنّه من محورين، سبقه تفجير سيارة مفخخة، ما تسبّب في فرار أغلب عناصر قوات النظام ومليشياته إلى مناطق العمق وضمن الأحياء الواقعة تحت سيطرته في المدينة.
وقال ناشطون إن عناصر "داعش" أحكموا سيطرتهم النارية على طريق المطار العسكري، بعد هجوم عنيف نفذه انغماسيون، إذ تسللوا داخل الرحبة العسكرية. ومع هذه التطورات، لم يعد تحت سيطرة النظام سوى طريق واحد باتجاه المطار، يمر عبر السكن الجامعي، ومنها إلى حاجز الجوية، ثم مساكن المطار، وهو سالك بصعوبة بسبب انكشافه في بعض الأماكن لنيران "داعش".
وقالت حسابات مقربة من "داعش" على الإنترنت، إن عدداً من عناصر حماية الرحبة المقابلة لكتيبة التأمين بالقرب من مطار دير الزور العسكري، سلّموا أنفسهم مع أسلحتهم لعناصر التنظيم، بعد انسحاب عناصر مليشيا "الدفاع الوطني" من الرحبة التي سيطر عليها التنظيم بشكل كامل. ووفق ناشطين، فإن معظم عناصر الرحبة قرب مطار دير الزور التابعين لقوات النظام، هم من المعتقلين الذين جلبهم النظام من سجن عدرا، ليقاتلوا مرغمين في صفوفه على جبهات دير الزور.
وكان "داعش" قد بدأ فجر السبت، هجومه الجديد والأوسع حتى الآن في دير الزور، وشمل مختلف جبهاتها ومطارها العسكري، فيما يبدو كمحاولة جديدة من التنظيم، لاستكمال السيطرة على ما تبقى من أحياء ومناطق في المحافظة، ما زالت خاضعة لسيطرة قوات النظام، وهي أحياء الجورة والقصور ومساكن عياش والموظفين، إضافة إلى المطار. ويحاصر التنظيم هذه المناطق منذ نحو عامين، وقد شن هجمات عدة خلال هذه الفترة محاولاً إتمام سيطرته على كامل المحافظة، وهو ما باء بالفشل ضمن الهجمات السابقة.
وترافقت العمليات العسكرية في دير الزور، مع غارات صباحية استهدفت مدينة الميادين في ريف المحافظة الشرقي، من طائرات يُعتقد أنها روسية، وأسفرت عن إصابات بين المدنيين، وتركزت على الشارع العام ومعمل الكونسروة.
من جهتها، قامت قوات النظام التي مُنيت بخسائر بشرية في المعارك خلال اليومين الماضيين، باستهداف أحياء مدينة دير الزور الواقعة تحت سيطرة التنظيم بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة، بالتزامن مع غارات جوية، فيما استهدف "داعش" الأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام بقذائف الهاون موقعاً ثلاثة قتلى مدنيين.

وجع المدنيين
ويعيش الأهالي في دير الزور معاناة مزدوجة من جانب قوات النظام التي تقصف بشكل عشوائي المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم "داعش"، بينما تقوم بحملات اعتقال وتنكيل بحق المواطنين الموجودين في مناطق سيطرتها، الذين يتعرضون بدورهم للقصف من عناصر "داعش"، ما أسفر عن مقتل ثلاثة منهم يوم السبت.
وعلى صعيد ممارسات قوات النظام بحق الأهالي، قامت دورية أمنية تابعة لفرع الأمن العسكري الأسبوع الماضي، بشن حملة اعتقالات طاولت العديد من الشبان في أحياء القصور والجورة وهرابش المحاصرة، بهدف زجّهم في أعمال السخرة كحفر الأنفاق والسواتر والتنظيف. وفيما تتعرض مناطق سيطرة "داعش" في دير الزور، لهجمات مستمرة من جانب طيران التحالف الدولي والطيران الروسي، يعاني المدنيون في مناطق سيطرة النظام بدورهم، جراء الحملات الأمنية المتلاحقة لأجهزة أمن الأخير، فضلاً عن القصف الذي تتعرض له مناطقهم من قبل "داعش".


وإزاء هذه المعاناة التي يعيشها أهالي دير الزور والتي تتفاقم يوماً بعد آخر، أطلق ناشطون سوريون من أبناء المدينة، حملتين تحت عنوان "على ضفتي الموت" و"وجع الفرات"، بغية لفت الانتباه إلى المحنة التي تعيشها مدينتهم وتدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية فيها، ومعاناة النازحين من مناطق تنظيم "داعش".
وقال الناشط فراس علاوي، أحد المشرفين على حملة "على ضفتي الموت"، إن الفكرة جاءت بعد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين فصائل المعارضة السورية والنظام، في 29 ديسمبر/كانون الأول الماضي، والذي خلا من الاشارة إلى ضرورة تحييد المدنيين في دير الزور، خصوصاً أن الاتفاق استثنى مناطق سيطرة "داعش" واستهداف مقراته التي تقع بين المدنيين. ويشارك في حملة تسليط الضوء على معاناة المدنيين في دير الزور (على ضفتي الموت)، 28 مؤسسة وهيئة ومنظمة من دير الزور، إضافة إلى 286 شخصية، وقد جرى اعتماد شعار "على ضفتي الموت" بغية الإشارة إلى وجود دير الزور على ضفتي تنظيم "داعش" ونظام بشار الأسد.
كما تم إطلاق حملة أخرى باسم "وجع الفرات" بالتعاون مع ناشطين من الرقة وحلب وإدلب، هدفها لفت الاهتمام إلى معاناة النازحين من مناطق سيطرة تنظيم "داعش"، ودحض التهم "المُعلبة" الموجهة لهم، بأنهم متعاطفون مع التنظيم. ومن أهداف الحملة أيضاً بحسب المنظمين، الاشارة إلى أن التحالف الدولي وروسيا يقصفان المدنيين في مناطق التنظيم، في ظل معاناتهم أيضاً منه، وبالتالي يبقى المدنيّون هم المتضرر الأكبر في كل الحالات.
وكانت نخبة من أبناء المدينة من إعلاميين وحقوقيين وناشطين ومواطنين، وجهوا في الخامس من الشهر الحالي، بياناً إلى مجلس الأمن، والمبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي مستورا، والجامعة العربية، والتحالف الدولي، وتركيا، والفصائل المشاركة بوقف إطلاق النار، طالبوا فيه بضرورة وقف قتل المدنيين في مدينة دير الزور التي تتعرض لشتى أنواع الانتهاكات، من قِبل تنظيم "داعش" ونظام الأسد على حد سواء. وجاء في البيان، أن نحو 600 ألف مدني، يعانون من حصار خانق ومزدوج من قبل تنظيم "داعش" ونظام الأسد، إذ يفتقدون لأدنى مقومات الحياة.

معارك شرقي حمص

في غضون ذلك، تتواصل الاشتباكات بين قوات النظام وتنظيم "داعش" في ريف حمص الشرقي، خصوصاً في محيط مطار تيفور العسكري، وقرب المحطة الرابعة، في إطار هجوم واسع تشنه قوات النظام على المنطقة، بغية استعادة ما خسرته أخيراً امام التنظيم من حقوق نفط وغاز. وقد استهدف التنظيم بعربة مفخخة قبل يومين، تجمعاً لقوات النظام في محيط مطار التيفور ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في صفوفها.
وتقول مصادر النظام إن العملية العسكرية التي بدأت السبت، يُشارك فيها أكثر من 10 آلاف مقاتل، غالبيتهم من مجموعات "الدفاع الوطني"، و"صقور الصحراء"، ومجموعات يقودها العقيد سهيل الحسن، وتهدف إلى استعادة آبار الغاز والنفط في جزل والشاعر ومهر في مرحلتها الأولى، واستعادة مدينة تدمر في مرحلتها النهائية. وأضافت المصادر أن القوات المهاجمة تمكنت من التقدّم لمسافة 3 كيلومترات عند المحور الشمالي الشرقي لمطار التيفور، مشيرة إلى أن العملية تتم تحت غطاء كثيف من الطيران الحربي السوري والروسي، وقصف مدفعي وصاروخي من مجموعة العتاد المتطور، التي وصلت أخيراً إلى ريف تدمر.
من جهتها، قالت وكالة "سبوتنيك" الروسية إن قوات النظام سيطرت على تلال حاكمة شمال وشرق المحطة الرابعة غرب مدينة تدمر في ريف حمص. وشنّت طائرات روسية غارات عدة على تلة الصوانة ومحيط مدينة تدمر ومحيط قرية الشريفة في ريف حمص الشرقي، فيما أشار ناشطون إلى أن تنظيم "داعش" قام بنقل بعض المعدات من حقول النفط في شاعر وجزل والمهر على متن سيارات شحن إلى محافظتي الرقة ودير الزور.

المساهمون