"صيف مؤامرات" في الجزائر .. ماذا بعد؟

"صيف مؤامرات" في الجزائر .. ماذا بعد؟

24 اغسطس 2020
الصورة

الوقاية من كورونا ولافتة "أنا أحب الجزائر" في شارع في العاصمة (12/8/2020/فرانس برس)

+ الخط -

عاش الجزائريون صيفا حارّا، على الأصعدة كافة، خصوصا السياسية منها، أو، لنكن أكثر دقّة، تلك المشكلات التي قال عنها الرئيس عبد المجيد تبون إنّ أكثرها تفوح منها شبهة مؤامرة أو مؤامرات، ذلك أنّ مجالات كثيرة، وفي تزامنٍ غريبٍ، شهدت سيرا سيئا نحتاج معها إلى نظرة معمّقة لنفرّق بين ما هو سياسي/ تآمري وما هو من بقايا أو آثار عقود من السياسة العامّة غير السوية وتقليد غير ذوي الكفاءة المسؤوليات الرّفيعة، وقد يكون الفساد الذي شاب كل تلك السياسة العامة السبب الحقيقي في حدوث كلّ تلك المشكلات.
من المعقول أن تحدث مشكلاتٌ تمسّ الحاجات اليومية للجزائريين، وخصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية من جرّاء انخفاض موارد الدولة المتزامنة مع انخفاض حادّ في أسعار النفط، إضافة إلى غياب إستراتيجية، جادّة وناجعة، للخروج من الريع وتبنّي مسار اقتصادي منتج، وممتص كل تلك الأزمات من بطالة مرتفعة، عجز هيكلي في الميزان التجاري، بالنظر إلى عقود من صرف المال العام على مشاريع، بعضها غير منتج ويشوبه الفساد، وتضافر ذلك كلّه مع أزمةٍ صحيةٍ عالميةٍ، لا ندري إلى أين ستذهب بالاقتصاد الجزائري. 
من المعقول، أيضا، في ظلّ كل تلك الظروف أن تشهد بعض القطاعات الاقتصادية إشكاليات في التّسيير، وقد ينتج عنها فقدان القدرة على أداء الخدمات اليومية بشكل جيد أو، على الأقل، بشكل مقبول يحول دون تلك المشاهد المروّعة من تكدس الجزائريين، في صيف حار، وفي ظروفٍ تغيب فيها الإجراءات الاحترازية من وباء كورونا، أمام البنوك ومكاتب البريد، للحصول على مرتباتهم أو معاشاتهم، بالنسبة للمتقاعدين منهم، أو أن تنقطع الكهرباء في مدن كبيرة، والماء على حنفيات الجزائريين في أيام العيد، من دون أن يُنسى اشتعال غاباتٍ عديدة بنيرانٍ احتاجت جهودا جبارة من المطافئ لتطفئها.

ليس التآمر في العرقلة وتعمّد النيْل من السير الحسن للحياة اليومية للجزائريين، بل في الاستمرار في اجترار مقاربة العهد السابق نفسها في السياسة العامة،

غير المعقول، طبعا، أن تحدث كل هذه المشكلات في وقت واحد، وأن تمسّ شرايين حيوية في الحياة اليومية للجزائريين، ما أدّى بالرئيس تبون والوزير الأول (رئيس الحكومة) عبد العزيز جراد إلى الخروج علانية للتأكيد على أن ثمّة مصادفة غريبة أن تتزامن كل تلك المشكلات. ولمن يعرف لغة السياسة، فنحن أمام خطابٍ يجب قراءة ما بين السّطور في مضمونه، لأنّه لم يأت من فراغ، بل في ظلّ ظروفٍ صعبةٍ وشائكةٍ تعيشها الجزائر محليا، وعلى مستوى الجوار، بسبب ما يحدث في ليبيا وفي السّاحل، بصفة خاصة.
بداية، في لغة السياسة، تعني الإشارة إلى تلك المصادفة، في تزامن الإشكاليات، أنّ ثمّة بقايا من قوى خفية تحاول عرقلة السّير الحسن للأمور. وقد أشار الرئيس تبّون إلى جزءٍ منها في خطابين، الأولّ أمام الولاة (محافظي المدن) والثاني في إطار ورشات الإنعاش الاقتصادي. وقد شكّل كلاهما إطارا لفضح ذلك العمل، ولكن مع الإيحاء بأنّ لتلك المصادفة معنى آخر بعيدا عن التآمر، ولكنه ذو صلة ببقايا تلك العصابة، أو، لنكن أكثر دقة، مرة أخرى، بقايا من سوء الإدارة التي ميزت عهد الرئيس السابق، بوتفليقة، أو آثار الفساد الذي نخر كل أجهزة الدولة ومؤسسات الجمهورية لتجعل منها، إراديا، أدواتٍ بالية، سواء من حيث مقاربة العمل فيها، أو من حيث من يحتل مواقع القرار/ المسؤولية في تلك المؤسّسات، والذين يُراد، الآن، استكمالا لمسار التّغيير، أو إنجازا لعمل جاد وناجع، في قادم الأيام، استبعادهم، إمّا بوضعهم أمام واقع جرائمهم أو بإبعادهم من تلك المواقع، لأنّهم أصبحوا الخطّ الأمامي لمسار إفساد أي تغيير أو اتجاه نحو مصالحة بين السلطة والشعب من خلال إجادة العمل وأداء الخدمات لكل الجزائريين وبالجودة التي يطلبونها، ليس إلا.

أموال الفساد، عندما تقرأ أخبار المحاكمات، تجدها كبيرة جدا، تفسّر، تمام التفسير، حجم العمل المنتظر، في المرحلة المقبلة

نحتاج، لفهم سياق تلك المشكلات وإطلاق مسمى "المؤامرة" على مضمونها، إلى أكثر من مقاربة، لعل أقربها، لتيسير الفهم، تحليل خطاب الرئاسة والوزارة الأولى بشأنها، وهو الخطاب الذي أشار، إيحاءً، إلى سياقاتٍ سياسيةٍ لها علاقة بعراقيل من جهاتٍ لها صلة ببقايا العصابة الموجودة في مفاصل المؤسسات، وتحتل مواقع المسؤولية/ القرار في إداراتٍ عديدةٍ لها علاقة وثيقة بحياة الجزائريين اليومية.
ويمكن، للوصول إلى ذلك الفهم، الركون إلى نشرات الأخبار التي تبثّها القنوات العمومية، والتي ركزت على خطابات الرئيس عبد المجيد، تبون وتصريحات الوزير الأول، عبد العزيز جرّاد، إضافة إلى مداخلات مسؤولين وتحقيقات إخباريةٍ أجمع الكلّ فيها، بلغة السياسة، على أن ثمة عراقيل وصمودا من بقايا "العصابة" في صنع ديكور المشكلات، تحقيقا لمكاسب تدور، في أغلبها، حول التقليل من ضغط سندان القضاء ومطرقة الإبعاد/ الإقالات من المناصب، والتي ما فتئت تضرب، وبقوة، منذ استقالة الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة. ولكن، بلغة السياسة، أيضا، وحتى نكون أمام مقاربة السياسة العامة، نحتاج إلى أكثر من مجرّد إشارةٍ إلى مشكلاتٍ مفتعلة، وتعمد في العرقلة للجزائريين في خدماتٍ تمسّ حياتهم اليومية، لأن السياسة العامة تقوم على التشخيص للمشكلة، القراءة المتأنية لأسبابها، وصولا إلى اقتراح حلولٍ لها بما يكفل اقتلاعها من جذورها، حتى لا تنغّص، مرة أخرى، الحياة اليومية للجزائريين، ولا تعرقل السير الطبيعي للمؤسسات والإدارات العمومية ذات الصلة بالاقتصاد، بصفة خاصة.
سبق لصاحب هذه المقالة الكتابة عن تلك المشكلات، وعن السياسة العامة، بصفة خاصة، والتي أُشير فيها إلى أنّ غياب الكفاءة في التّعيين والصّرامة في التّسيير، وفق المقاربات الناجعة والفعالة، هما أصل المشكلات. ونحتاج، لتطبيق مبادئ السياسة العامة الرشيدة، إلى التمحيص، فيمن نعنى بالتركيز على مؤشري الكفاءة ونظافة اليد، إضافة إلى عامل الرقابة/ التدقيق الهرمية الفوقية، القبلية، وصولا إلى إقرار مبادئ التسيير الناجع والجيد للمؤسسات، والذي يكفل، عند تجسيده فعليا في الميدان العملي، أداء خدمات ناجعة للجزائريين، وعلى كل الأصعدة، وهو العامل الذي، إن وُجد، حقا وواقعا، من ناحية أخرى، سيقضي، حتما، على تلك المشكلات، لأنّ المراقبة الدائمة والمتواصلة لكيفية أداء الخدمات، شكلا ومضمونا، يمكنه الكشف، الآني والعاجل، عن مكان الخطأ ومعالجته، إما بإصلاح الخطأ أو بإبعاد المسؤول عنه بعد إثبات تعمد الخطأ وعرقلة السير الحسن للإدارة وللمؤسّسة.

التآمر، في السياسة، مرادفٌ لسوء التّسيير، سوء التّعيين وغياب الصّرامة في المراقبة والتدقيق

وبالتدقيق في القرارات التي اتخذها الرئيس تبون، بإبعاد بعض المتسببين في تعطل تنفيذ المشاريع، نصل إلى نتيجة أن تلك اللغة السياسية التي تحدث بها، ووزيره الأول، هي بمثابة إعلان عن تلك العراقيل للتغيير، خصوصا أن بقايا "العصابة" ما زالت تعيث فسادا، ودليل ذلك قدرتها على تهريب المليارات إلى الخارج، ومحاولتها العمل على تبييض صورتها وصورة تسييرها الكارثي شؤون البلاد، كما قام بذلك، رئيس منتدى رجال الأعمال السابق، علي حداد، من محبسه، عندما دفع أموالا ضخمة لشركة أميركية، تُعنى بالعلاقات العامة، قصد تبييض صورته، وصولا، ربما، إلى التأثير على السلطات، في الجزائر، لتخفيف الأحكام أو العدول عن قرارات بمصادرة أمواله التي منشؤها نهب المال العام والحصول على صفقات مشبوهة أكثر من عقدين، في عهد الرئيس السّابق.
في الختام، ليس التآمر في العرقلة وتعمّد النيْل من السير الحسن للحياة اليومية للجزائريين، بل في الاستمرار في اجترار مقاربة العهد السابق نفسها في السياسة العامة، حيث إن بعض وسائل الإعلام، آنذاك، كانت تتعمّد التغطية على مشكلات أكبر من التي وقعت في هذا الصيف، بل إن عادة عدم التدقيق، المراقبة أو معاقبة منعدمي الكفاءة أو الفاسدين، هي من أوردت الجزائر هذه الموارد، خصوصا أن الحالة الاقتصادية صعبة وشائكة، وأموال الفساد، عندما تقرأ أخبار المحاكمات، تجدها كبيرة جدا، تفسّر، تمام التفسير، حجم العمل المنتظر، في المرحلة المقبلة، لاقتراح سياسة عامة جديدة ناجعة ورشيدة.
التآمر، في السياسة، مرادفٌ لسوء التّسيير، سوء التّعيين وغياب الصّرامة في المراقبة والتدقيق، وكلها عوامل إذا استمر وجودها، فإنها ستعمل على استفحال المشكلات، في قادم الأيام. ولهذا وجب التنبيه إلى أن من المعقول أن تكون هناك مشكلات. ولكن، من غير المعقول أن تستمر المؤسسات والإدارات تدار بالمقاربة نفسها، وبالتركيبة البشرية نفسها من غير الأكفياء، ذلك أن منطق السياسة العامة الناجعة والرشيدة تأبى ذلك، وتدعو، بل تستدعي، التغيير العاجل للمقاربة، ولمن يسير تلك السياسة العامة الفاشلة.