"رايتس ووتش"... الولايات المتحدة تهدد المحكمة الجنائية الدولية

17 مارس 2019
الصورة
إحدى جلسات محكمة العدل الدولية في لاهاي (باز زيروينسكي/Getty)
+ الخط -
اعتبرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن قرار الولايات المتحدة رفض منح تأشيرات لموظفي "المحكمة الجنائية الدولية" سيعوق المساءلة عن جرائم دولية خطيرة، على ضوء إعلان وزير الخارجية الأميركي مايكل بومبيو أول من أمس الجمعة، أن حظر منح التأشيرات سيُطبق على موظفي المحكمة المشاركين بتحقيق المحاكمة المحتملة ضد مواطنين أميركيين، 
وقد يُستخدم لمنع تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية ضد مواطني دول حليفة للولايات المتحدة.


وذكرت المنظمة في بيان نشرته أمس السبت، أن التحرك الأميركي جاء نتيجة لتحقيق المحكمة الجنائية الدولية المحتمل في أفغانستان، الذي قد ينظر في سلوك موظفين أميركيين هناك، والتحقيق المحتمل في فلسطين الذي من المرجح أن يشمل سلوك مسؤولين إسرائيليين. ويحدد قضاة المحكمة الجنائية الدولية ما إذا كان سيفتح تحقيق في أفغانستان، في حين يقرر المدعي العام للمحكمة ما إذا كان سيواصل التحقيق في فلسطين.

قال مدير برنامج العدالة الدولية في "هيومن رايتس ووتش"، ريتشارد ديكر: "قرار الولايات المتحدة فرض حظر على التأشيرات ضد موظفي المحكمة الجنائية الدولية محاولة شائنة لترهيب المحكمة وردع التدقيق في سلوك الولايات المتحدة. على الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية التوضيح علناً أنها ستبقى داعمة للمحكمة بالكامل ولن تتسامح مع العرقلة الأميركية".

والمحكمة الجنائية الدولية هي المحكمة الدولية الدائمة في لاهاي، ولها ولاية محاكمة المسؤولين عن جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان. وأنشأ المجتمع الدولي تلك المحكمة لمحاربة الإفلات من العقاب على هذه الجرائم، في أعقاب فظائع الإبادة الجماعية في منتصف التسعينيات في رواندا ويوغوسلافيا السابقة. كما تعتبر الملاذ الأخير، وتبدأ تحقيقاتها فقط في حال لم تكن السلطات الوطنية راغبة أو قادرة على إجراء محاكمات وطنية نزيهة لتلك القضايا.

لم يبتّ قضاة المحكمة الجنائية الدولية بعد في طلب المدعي العام للمحكمة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، بالتحقيق في بعض الجرائم المرتكبة في سياق النزاع المسلح في أفغانستان منذ مايو/ أيار 2003. بالإضافة إلى الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها طالبان والقوات الحكومية الأفغانية، وقد تحقق المحكمة أيضاً في الجرائم المزعومة التي ارتكبتها القوات الأجنبية، وخاصة التي ارتكبتها "وكالة الاستخبارات العسكرية المركزية الأميركية"، والتي يُزعم أن معظمها ارتكب بين عامي 2003 و2004.

كما أعلن بومبيو إمكانية استخدام نفس السياسة لردع تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية مع موظفي الدول الحليفة، بمن في ذلك الإسرائيليون. ويبحث المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في جرائم مزعومة ارتكبها إسرائيليون وفلسطينيون في غزة والضفة الغربية.


وأوضح بومبيو أن الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات إضافية، إذا قررت المحكمة الجنائية الدولية المضيّ قدماً في تحقيقاتها مع مواطنين أميركيين. وفي خطاب ألقاه في سبتمبر/ أيلول 2018، أعلن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، تغييراً في السياسة الأميركية تجاه المحكمة، ذاكراً العديد من الخطوات التي ستتخذها الولايات المتحدة، إذا شملت تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية مواطنين أميركيين أو مواطني دول حليفة للولايات المتحدة.



وبالإضافة إلى حظر السفر، هدد بولتون بالمقاضاة والعقوبات المالية ضد موظفي المحكمة الجنائية الدولية، وكذلك ضد الدول والشركات التي تساعد في تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية ضد مواطنين أميركيين. وحذر من أن الولايات المتحدة ستستأنف جهود التفاوض على اتفاقات مع دول أخرى ضد تسليم مواطني الولايات المتحدة إلى المحكمة التي تم التخلي عنها منذ فترة طويلة، فضلاً عن تعريض العلاقات الحكومية والعسكرية والاستخبارية مع تلك الحكومات للخطر، في حال تعاونت مع المحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات ضد الولايات المتحدة أو حلفائها.

قال ديكر: "لا تزال المحكمة الجنائية الدولية، رغم أوجه القصور فيها، إحدى الأدوات القليلة المتاحة لتحقيق العدالة عند فشل المحاكم الوطنية في تحقيق ذلك. في وقت تتفشى فيه الفظائع في جنوب السودان وميانمار وسورية، توجه الولايات المتحدة الرسالة الخطأ تماماً باستهدافها موظفي المحكمة الجنائية الدولية لمجرد قيامهم بعملهم المتمثل في تحقيق العدالة لضحايا الجرائم الدولية".

وكان بولتون مهندس حملة عدائية ضد المحكمة الجنائية الدولية، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تحت إدارة جورج دبليو بوش. ومع ذلك، تسببت هذه الجهود فقط في تآكل مصداقية الولايات المتحدة بشأن العدالة الدولية، وتم التخلي عنها في نهاية المطاف. ورأت المنظمة أن على أعضاء الكونغرس الأميركي، الذين يقرّون بأهمية المحكمة الجنائية الدولية للعدالة الدولية، الدعوة إلى إلغاء هذه السياسة فوراً.

وأعلنت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أنها "لن تعبأ بالتهديدات ضد المحكمة وموظفيها ومن يتعاونون معها"، وأنها "ستقف صفاً واحداً ضد الإفلات من العقاب". وقالت "هيومن رايتس ووتش" إنه بالإضافة إلى الإدانة العلنية، على الدول الأعضاء العمل معاً لمقاومة عرقلة الولايات المتحدة.

وتعترض الولايات المتحدة، التي ليست طرفاً في نظام روما الأساسي للمحكمة، على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على مواطني البلدان غير الأعضاء، في حال عدم وجود إحالة من "مجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة" على المحكمة. ومع ذلك، فإن أفغانستان بلد عضو في المحكمة الجنائية الدولية، ما يمنح المحكمة الجنائية الدولية سلطة التحقيق في الجرائم التي يرتكبها مواطنوها، أو أي شخص على الأراضي الأفغانية ومحاكمتهم.

وتعتبر سلطة المحكمة طبيعية، إذ يخضع المواطنون الأميركيون وغيرهم ممن يرتكبون جرائم في الخارج بالفعل لسلطة المحاكم الأجنبية. وتفوّض الدول التي تصادق على نظام روما الأساسي ببساطة سلطتها، لمحاكمة بعض الجرائم الخطيرة المرتكبة على أراضيها إلى محكمة دولية.


ومنذ بدء عملها في 2003، فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقات في 10 دول، بما في ذلك دارفور في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي وجورجيا. وبالإضافة إلى فلسطين، يدرس المدعي العام ما إذا كانت التحقيقات مبررة في 9 حالات أخرى، منها الفيليبين وأوكرانيا والترحيل المزعوم لشعب الروهينغا من ميانمار إلى بنغلادش.

وقال ديكر: "تخفي تهديدات إدارة الرئيس ترامب للمحكمة الجنائية الدولية المشكلة الحقيقية المتمثلة في إخفاق السلطات الأميركية في معالجة التعذيب، وغيرها من الانتهاكات التي ارتكبتها وكالة الاستخبارات المركزية والقوات المسلحة الأميركية في الماضي. هذا بالضبط دور المحكمة الجنائية الدولية، وهو تحقيق العدالة للضحايا عندما تُغلق جميع الأبواب الأخرى".