"خلية الأميرية" في القاهرة: تعددت الروايات والحقيقة غائبة

17 ابريل 2020
الصورة
لم تعط وزارة الداخلية تفاصيل عن الحادثة(علي فهيم/فرانس برس)
عقب حادث تبادل إطلاق النار في منطقة الأميرية بالعاصمة المصرية القاهرة، الثلاثاء الماضي، الذي راح ضحيته أحد ضباط جهاز الأمن الوطني في وزارة الداخلية، بعد اشتباكات دامت لعدة ساعات، بالإضافة إلى سبعة آخرين، "قالت الوزارة إنهم مجمل عدد خلية مسلحة تتحصن في المنطقة"، اتجهت الأنظار إلى تنظيم "ولاية سيناء"، الموالي لتنظيم "داعش"، نظراً لأن وزارة الداخلية لم تُشر في بيانها إلى مسؤولية جماعة "الإخوان المسلمين" عنه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، كما جرت العادة. ونسبت الهجوم على قوات الأمن إلى مجموعة تحمل أفكاراً تكفيرية، وتهدف إلى تنفيذ هجمات في المناسبات الدينية للأقباط، حسب الرواية الرسمية. لكن حتى مساء أمس الخميس لم يصدر أي تعليق عن التنظيم.


وعاشت منطقة الأميرية ليلة ساخنة، إثر اشتباكات بين قوات الأمن ومسلحين استمرت لقرابة ست ساعات، وأدت إلى مقتل ضابط شرطة برتبة مقدم، وإصابة آخر. غير أن ثمة روايات أخرى، تداولها شهود عيان عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بشأن اختطاف المسلحين لضابط الأمن الوطني قبل مقتله، بخلاف الرواية التي تناقلتها القنوات ووسائل الإعلام المحلية على الهواء، في سابقة غير معهودة.

وتقول مصادر مطلعة، لـ"العربي الجديد"، إن دعم رواية مسؤولية تنظيم "ولاية سيناء" عن الحادث "يرتكز على بيان وزارة الداخلية بالدرجة الأولى، الذي من المؤكد أنه مبني على معلومات استخباراتية جرى الحصول عليها بعد التوصل إلى هويات القتلى في الهجوم، وبالتالي أظهرت تلك المعلومات اعتناقهم الفكر التكفيري، بما يمثل إشارة إلى وقوف التنظيم الإرهابي وراء الخلية". في هذا الوقت، لا يمكن وزارةَ الداخلية تأكيد انتساب الضحايا إلى تنظيم "داعش" بهذه السرعة، قبل البحث عن المزيد من المعلومات بشأن الواقعة، خصوصاً أنها خلية ذات عمق أمني، ولم تتمكن قوات الأمن من اكتشاف تكوينها وتسليحها، إلا بعد تنقلها في أكثر من منطقة، وصولاً إلى منطقة الأميرية في قلب القاهرة، وفقاً للمصادر.

وعن تخطيط الخلية لتنفيذ هجمات على الأقباط، فإن تنظيم "ولاية سيناء" لم ينفذ عمليات بارزة في الآونة الأخيرة خارج نطاق الاستهداف المعتاد لقوات الأمن المصرية داخل محافظة شمال سيناء، إذ إن المستهدف في حادث الأميرية ليس قوات الأمن، كما تروج وزارة الداخلية في أعقاب تصفية أي خلايا مسلحة، حتى أولئك المختفين قسراً والمعتقلين الذين جرت تصفيتهم، بحجة مقتلهم في مداهمات أمنية في القاهرة وخارجها. وتوضح المصادر أن استهداف الأقباط يمثل جزءاً من منهج "ولاية سيناء"، الذي عمل على تهجيرهم قسراً من محافظة شمال سيناء، من خلال موجة اعتداءات أدت إلى مقتل عدد كبير منهم، وحرق منازلهم، ومصادر رزقهم في المحافظة، حتى باتت شمال سيناء شبه خالية من الأقباط في غضون عدة أشهر.



غياب المعلومات

وكما هو معتاد، لم تعط وزارة الداخلية تفاصيل عن الحادث، سوى ما ورد في بيانها الرسمي، الذي لم يأتِ برواية مقنعة للرأي العام في مصر، ما يفتح الباب لتكهنات عديدة عن حقيقة الواقعة، وسيناريوهات أخرى بخلاف ما أعلنت الوزارة عنه. وذكرت وزارة الداخلية، في روايتها الرسمية، أنها "تمكنت من تصفية مجموعة مسلحة، بعد اشتباكات وتبادل لإطلاق النار في منطقة الأميرية، على خلفية معلومات وردت لقطاع الأمن الوطني عن وجود خلية إرهابية، يعتنق عناصرها المفاهيم التكفيرية، تستغل عدة أماكن للإيواء بشرق وجنوب القاهرة كنقطة انطلاق لتنفيذ عمليات إرهابية، بالتزامن مع أعياد أبناء الطائفة المسيحية". وأضافت أن "ضابطاً في قطاع الأمن الوطني قُتل خلال المواجهة، وهو المقدم محمد الحوفي، علاوة على إصابة ضابط آخر، وفردين من قوات الشرطة، ومقتل سبعة عناصر إرهابية في تبادل لإطلاق النار داخل مخبأهم"، مدعية أنها "عثرت بحوزة عناصر الخلية على 6 بنادق آلية، و4 أسلحة خرطوش، وكمية كبيرة من الذخيرة مختلفة الأعيرة".

تساؤلات بشأن دور "ولاية سيناء"

في المقابل، ثمة من يرى أنه إذا كان تنظيم "ولاية سيناء" يقف وراء هذه الخلية المسلحة، فإنه لن يتوانى عن تبنيه لها من أجل تحقيق عدة أهداف، من أهمها "تأكيد وجوده العسكري داخل العاصمة القاهرة، لما في ذلك من رسالة مهمة للنظام المصري من جهة، ولمؤيدي التنظيم ومتابعيه من جهة أخرى". وتشير المصادر إلى أن "حادث الأميرية حقق نجاحاً نسبياً (من وجهة نظر منفذيها)، بقتل ضابط بارز في جهاز الأمن الوطني سيئ السمعة في مصر، بالإضافة إلى إصابة ضابط آخر، وعنصري شرطة"، منبهة إلى أن "هذه هي رواية الشرطة، أي من الممكن أن تكون الخسائر بين صفوف قوات الأمن أكبر من ذلك، في ظل استمرار الاشتباكات فترة طويلة، وعدم تمكن أي جهة من القضاء على الخلية سوى قوات مكافحة الإرهاب". وتعتبر المصادر أن ما حدث، إذا صحت رواية وزارة الداخلية، أظهر أن الخلية مدربة عسكرياً، ويمكنها الوقوف في وجه الأمن المصري، بالإضافة إلى أن ذلك قد يعطي إشارة خطرة إلى قدرة التنظيم على تكوين خلايا عسكرية مسلحة في قلب العاصمة المصرية، والقدرة على تنقلها، ووضع الخطط لها.

من المسؤول؟

ولا يمكن الجزم بمسؤولية "ولاية سيناء" عن هذه الحادثة من عدمه حتى الآن، في ظل تأخر التنظيم في إعلان تبنيه للخلية، إما بهدف إتاحة الوقت لترتيب أوراق بعض أفرادها خارج القبضة الأمنية، أو لترتيبات أمنية أخرى تتعلق بهذا التنظيم. وكذلك الحال، فإن تحقيقات وزارة الداخلية المصرية والمخابرات ستتواصل لأهمية الحادثة من حيث الموقع والتوقيت، إلى أن تصل إلى المسؤول عنها. وكان من اللافت تغريدة سامي عبد الراضي، وهو صحافي مقرب من الأجهزة الأمنية، حول الواقعة، التي قد تكون دليلاً قوياً على اختطاف الضابط، حيث وجه فيها تحية إلى ضباط مكافحة الإرهاب في قطاع الأمن الوطني، "الذين اقتحموا مقر الخلية، في محاولة أخيرة لإنقاذ زميلهم الشهيد البطل المقدم محمد الحوفي".

من جهته، يقول مصدر أمني، إن "المجموعة كانت تتبع تنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم داعش، الذي ينشط ضد قوات الجيش المصري في محافظة شمال سيناء"، موضحاً أن "أحد سكان العقار الذي اتخذته المجموعة مقراً لها هو الذي كان طرف الخيط، بعدما أبلغ بوجود عدد من الأشخاص المشكوك في أمرهم". ويضيف المصدر، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، أنه "على الفور بدأ قطاع الأمن الوطني بتتبع البلاغ، للتأكد من انتفاء صفة الكيدية، قبل أن يتوصل إلى معلومات مهمة بشأن اتصالاتهم وتحركاتهم". ولم يقدم المصدر ما يؤكد صحة روايته، لكنه يوجد تفاصيل أخرى للواقعة، وسيناريوهات لم يتأكد أحد من صحتها، قد تمثل دليلاً على واقعة اختطاف الضابط. فقد نُسبت روايات عدة إلى أهالي من منطقة الأميرية على مواقع التواصل الاجتماعي، بشأن خطف الضابط بعد محاولة مجموعة من المسلحين السطو على شركة "تارجت" لنقل الأموال.

حادث سطو؟

وبث الموقع الإلكتروني لصحيفة "اليوم السابع"، المملوكة للاستخبارات المصرية، مقطعاً لشهود عيان من سكان المنطقة، أوضحوا فيه أن الاشتباكات بدأت في الساعة الثانية ظهراً، حين جاءت قوة من الشرطة في مهمة لجمع معلومات، لكن الأمور تطورت فجأة، وحدث تبادل لإطلاق النار أدى إلى مقتل وإصابة ضابطين. وتؤكد روايات بعض الأهالي أن "الحادث لا يعدو عن كونه مطاردة بين الشرطة، وأشخاص يُشتبه في قيامهم بالسطو على شركة لنقل أموال تقع في منطقة الأميرية"، بينما ذكر آخرون أن الشخص صاحب الشقة، التي تحدثت الشرطة عنها، من قدامى السكان بالمنطقة، ومشهور بتدينه، ولم يروه من قبل إلا متنقلاً بين بيته ومحل تجارته والمسجد.

وطالب عدد من أهالي المبلغين باختفائهم قسراً وزارة الداخلية بالكشف عن أسماء الضحايا وصورهم، في ظل المخاوف المستمرة بشأن تصفية ذويهم. وتجدر الإشارة إلى مطالبة الشرطة المصرية لسكان المنطقة، عبر مكبرات الصوت، بالابتعاد عن النوافذ وقت الحادث، والبقاء داخل غرف مغلقة خشية إصابتهم بأعيرة نارية. وناشدت الأجهزة الأمنية، عبر قنوات تلفزيونية، سكان المنطقة الحذر مما وصفته بأنه "تبادل لإطلاق النيران، تبثه على الهواء مباشرة".