"حصارات" حلب تعرقل التفاهمات الأميركية الروسية المحتملة حول سورية

22 يوليو 2016
الصورة
ضحايا جدد في استمرار غارات النظام وروسيا (بهاء الحلبي/الأناضول)
+ الخط -
يزاد الوضع الميداني في سورية تعقيداً يوماً بعد يوم، مع استمرار قوات النظام السوري بمحاولاتها لتثبيت الحصار على مناطق سيطرة المعارضة في مدينة حلب، مقابل ردّ المعارضة بمحاولة حصار مناطق سيطرة النظام في حلب، إضافة إلى استمرار عمليات القصف الجوي لطائرات النظام وروسيا على مناطق سيطرة المعارضة في مختلف مناطق البلاد والتي تخلّف مزيداً من المجازر يومياً.
هذه التطورات الميدانية وتشابك مناطق سيطرة المعارضة والنظام، إضافة إلى تواجد "جبهة النصرة" في مناطق تسيطر عليها المعارضة، مع غياب أي بوادر فعلية لحل سياسي، تجعل من شبه المستحيل تطبيق الاتفاق الأميركي الروسي الذي يتم الإعداد له، والذي سرّبته وسائل إعلام أميركية، حول إنشاء غرفة عمليات مشتركة أميركية-روسية لمحاربة تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" وإطلاق عملية سياسية تفضي لانتقال سياسي في سورية.
لكن موسكو لا تزال مصرة على الحديث عن إمكان التوصل لحل سياسي، إذ جددت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا التأكيد أمس الخميس أن "الالتزام بالاتفاقات الروسية الأميركية بشأن الهدنة السورية ومكافحة الإرهاب، قادر على تحسين الوضع في سورية وإيجاد تسوية سياسية للأزمة هناك".
وقالت زاخاروفا، في تصريح نقلته وكالات أنباء روسية أمس: "نأمل أن ينفذ الجانب الأميركي وعوده بشأن تأمين فصل المعارضين المعتدلين عن جبهة النصرة"، مؤكدة "ضرورة القضاء على الإرهابيين، فلا يوجد مجال لهم في مستقبل سورية وغيرها من دول المنطقة". واعتبرت أن "القضاء على الإرهابيين سيؤدي إلى تهيئة الظروف التي سيتمكّن الشعب السوري فيها من تقرير مصير بلاده بنفسه سلمياً وديمقراطياً، وفقا لقرار 2254 لمجلس الأمن الدولي وقرارات مجموعة دعم سورية وبيان جنيف لعام 2012".
وشددت على أهمية "إطلاق حوار سوري داخلي شامل على الأساس المذكور وتحت إشراف المبعوث الأممي الخاص ستيفان دي ميستورا، دون شروط مسبقة ودون إنذارات نهائية بالأخص"، معلنة أن "موسكو تستعد على هذا الأساس للمشاركة في مباحثات روسية أميركية أممية رفيعة المستوى في جنيف الأسبوع المقبل".
لكن المعطيات الميدانية وخصوصاً في حلب، تشير إلى شبه استحالة تطبيق أي اتفاق أميركي-روسي كما تم تسريبه، إذ أنتجت المعارك في حلب حالة حصار متبادل بين النظام السوري والمعارضة، ذلك أن قوات المعارضة تمكنت مساء أمس الأول الأربعاء من رصد طريق إمداد قوات النظام الوحيد إلى مناطق سيطرتها داخل مدينة حلب وتحديداً في أحياء حلب الغربية ووسط مدينة حلب التجاري الذي تسيطر عليه قوات النظام. وقالت مصادر في غرفة "عمليات فتح حلب" لـ"العربي الجديد"، إن قواتها هاجمت قوات النظام التي تحمي طريق إمداد النظام الوحيد إلى مناطق سيطرته بحلب في منطقة الراموسة جنوب غرب المدينة انطلاقاً من مناطق سيطرة المعارضة في حي العامرية القريب، الأمر الذي مكّن قوات المعارضة من تحقيق تقدّم بالمنطقة وبالتالي رصد طريق إمداد قوات النظام الوحيد إلى مناطق سيطرتها بحلب.
زاد هذا التطور من تعقيد الوضع الميداني في حلب، إذ باتت مناطق سيطرة النظام في حلب شبه محاصرة من قِبل المعارضة، المحاصرَة بدورها في أحياء حلب الشرقية والشمالية والجنوبية، بعد تمكّن قوات النظام من رصد طريق الكاستلو، خط الإمداد الوحيد إلى مناطق سيطرة المعارضة بحلب منذ أسبوعين، ما يعني أن الوضع الميداني في حلب بات يُختصر بوصف حصار داخل حصار، وهو ما يعني استحالة تطبيق وقف إطلاق نار ضمن وضع كهذا.


إضافة إلى ذلك، تتعرض قوات النظام السوري إلى ضربات قوية من قِبل المعارضة في وسط مدينة حلب، إذ أعلنت غرفة عمليات "فتح حلب" أمس عن تفجير مبنى فرع المرور في منطقة باب جنين وسط مدينة حلب، بعد زرع كمية كبيرة من المتفجرات أسفله عبر نفق، ليؤدي الانفجار إلى انهيار أجزاء كبيرة من المبنى ومقتل العشرات من قوات النظام الذين يتمركزون فيه منذ سنوات قرب خط المواجهة مع قوات المعارضة التي تسيطر على حي العقبة القريب منه.
كما أعلنت غرفة "عمليات فتح حلب"، أمس، عن استعادة السيطرة على كافة نقاط مخيم حندرات شمال حلب، بعد محاولة فاشلة من قوات النظام للتقدّم إلى المنطقة. كما أعلنت قوات المعارضة عن تدمير دبابتين اثنتين وعربتين مصفحتين ناقلتين للجند وثلاثة مدافع رشاشة وجرافة عسكرية بصواريخ مضادة للدروع على جبهة الملاح شمال حلب أمس.
من جهتها، واصلت طائرات النظام قصف مناطق سيطرة المعارضة السكنية، إذ قُتل خمسة عشر مدنياً ظهر أمس وأصيب أكثر من ثلاثين آخرين نتيجة غارات جوية لطائرات يُعتقد أنها تابعة للنظام على سوق شعبي في بلدة تلمنس في ريف إدلب الشرقي، بحسب مصادر الدفاع المدني السوري في المنطقة. كما شنّت طائرات النظام غارات جوية أمس على مناطق في غوطة دمشق الشرقية أدت إلى سقوط خمسة قتلى، كذلك قصف الطيران المروحي بالبراميل المتفجرة مناطق في أحياء السكري والفردوس والشيخ سعيد في مدينة حلب ومناطق في محيط بلدتي حريتان وكفرحمرة بريف حلب الشمالي، من دون ورود أنباء عن سقوط قتلى. ويشير كل ذلك إلى التعقيد الميداني الكبير الذي يبدو معه تطبيق أي وقف لإطلاق نار أمراً شبه مستحيل.
هذه المعطيات ترجّح فشل خطة التنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا لقصف تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" مقابل تحييد المعارضة، ذلك أن مناطق سيطرة "النصرة" متداخلة عملياً مع مناطق سيطرة المعارضة السورية، وقد استغلت روسيا والنظام السوري هذا الأمر خلال الأشهر الماضية كذريعة لشن عملية تدمير ممنهجة لمناطق سيطرة المعارضة، لجهة تدمير البنية التحتية المتمثلة في المستشفيات ومراكز الدفاع المدني وغيرها واستهداف مقار قوات "المعارضة المعتدلة" التي تتلقى دعماً من الولايات المتحدة الأميركية.
ويقول رئيس وفد هيئة التفاوض المنبثق عن الهيئة العليا للمفاوضات، أسعد الزعبي، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "كل اتفاق بين (وزيري الخارجية الأميركي والروسي) جون كيري وسيرغي لافروف لن يكون أبداً في صالح العرب أو المسلمين، وهذا يعني أن الاتفاق هو للقضاء علينا أو على الأقل اختيار طرق جديدة للتخلص من عدد آخر من الشعب السوري". ويوضح أن "لا أحد يهتم بأمر الهيئة أو الائتلاف أو العسكريين أو غيرهم من السوريين ولا من العرب، ولا أحد من الغرب يهتم بالحل السياسي، وهي مسرحية أحد فصولها الحل السياسي، لذا هناك مشاريع يضعونها ويعملون بها ومن أجلها".
وحول اقتراح استهداف "النصرة" من دون إلحاق ضرر بباقي فصائل المعارضة، يقول الزعبي إنه "لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال قتل المزيد من المدنيين والعسكريين، فالنصرة ليست كداعش مفصولة أو معزولة، فهناك مواقع معروفة للنصرة وكانت مرصودة وقصفوا من خلالها مدنيين، ولو أرادوا لما أصابوا أحداً من المدنيين".
ويعتبر أن "الحل السياسي المقصود الذي تحدث عنه كيري قبل شهرين، وتحديد بداية شهر أغسطس/آب المقبل للانتقال السياسي ووقف إطلاق النار، لن يتم في ظل الاختراق الروسي، كما من غير الممكن الوصول إلى وقف كامل لإطلاق النار قبل المرور بمرحلة تخفيف العنف أو الهدنة، وهذا الأمر لا يحصل وانظروا إلى القصف الحالي على حلب وإدلب".
وفي سياق التطورات الميدانية، ومع مرور أكثر من 55 يوماً على انطلاق معركة "قوات سورية الديمقراطية" بمساندة التحالف الدولي ضد "داعش" في مدينة منبج في ريف حلب الشرقي، قدّمت "قوات سورية الديمقراطية"، أمس الخميس، مبادرة تضمن خروج مقاتلي "داعش"، من المدينة بأسلحتهم الخفيفة، على أن يكون ذلك في غضون 48 ساعة.
وقالت القيادة العامة لمجلس منبج العسكري في بيان، "إننا في المجلس العسكري وحفاظاً منا على أرواح المدنيين داخل المدينة وممتلكاتهم وحفاظاً على المدينة من الدمار، نعلن أننا نقبل بمبادرة خروج عناصر داعش المحاصرين داخل المدينة بأسلحتهم الفردية إلى جهة يتم اختيارها". وأوضحت القيادة في بيان، تلقت "العربي الجديد" نسخة منه، أن هذه المبادرة "هي الفرصة الوحيدة والأخيرة أمام عناصر داعش المحاصرين للخروج أحياء من المدينة".
ويرى الصحافي عدنان الحسين أن "هذه المبادرة كان يجب أن تُقدّم منذ زمن، وليس بعد سقوط ضحايا كثر"، متسائلاً في تصريحات لـ"العربي الجديد": "لماذا لم يتركوا خط خروج منذ البداية، فذلك كان ليجنّب المدينة والمدنيين هذه الخسائر؟". ويرجّح الحسين عدم استجابة التنظيم للمبادرة، "كونه خسر الكثير ولم يبقَ لديه شيء ليخسره".


المساهمون