"تطفيش" العمالة الأجنبية في السعودية

"تطفيش" العمالة الأجنبية في السعودية

21 مايو 2019
تضييق على العمالة الأجنبية لتوسيع السعودة (Getty)
+ الخط -
لطالما اُعتبرت العمالة الأجنبية المحرّك الفعّال للاقتصاد السعودي، حيث تمثِّل أكثر من ثلث عدد سكان السعودية البالغ 33 مليوناً، وتشكِّل ما يفوق 80% من عمالة القطاع الخاص، حتى خرج ولي العهد محمد بن سلمان بخططه الهادفة للحدّ من تباطؤ الاقتصاد الذي يلقي بظلاله على كافة القطاعات ووضع العمالة الأجنبية نصب عينيه، واتَّخذ كل السياسات الكفيلة بتنفير العمالة الأجنبية من أجل إعطاء الأولوية لتوظيف السعوديين في القطاع الخاص. 

وفي وقت سابق اعتبر رجال أعمال سعوديون سياسات بن سلمان بأنّها تتّسم بالعدالة لضمانها فرص عمل للسعوديين، لكن الواقع يسرد حقائق مغايرة تماماً حيث تجني الشريحة الكبرى من العمال الأجانب ما لا يزيد عن 1500 ريال "أي نحو 400 دولار شهرياً" وهو الأجر الذي لن يقبل به أيّ مواطن سعودي.

وركَّزت "رؤية السعودية 2030" الهادفة إلى تنويع الاقتصاد على العمالة الأجنبية وتضمَّنت قرارات تمكِّن المملكة من تحصيل ملايين الدولارات من خلال فرض ضرائب ورسوم شهرية على المرافقين للعمالة الوافدة، وأقلّ ما يمكن قوله عن هذه السياسات أنّها جدّ مجحفة في حقّ هذه العمالة التي تعتبر من أهمّ الأعمدة التي يقوم عليها الاقتصاد، فعوضاً عن التفكير في طرق أخرى لتوفير المال كتجنُّب الحروب بالوكالة التي تكبد المملكة خسائر مالية فادحة يتمّ إطلاق خطط اقتصادية فاشلة وغير مدروسة من شأنها أن تحوِّل السعودية إلى اقتصاد منهار تماماً، وتكمن المعضلة الكبرى في أنّ العمالة المحلية غير مستعدة لتعويض الفراغ وسدّ العجز الذي يتركه نزوح نظيرتها الأجنبية.

رسوم على المرافقين

فرضت السعودية رسوماً على المرافقين للعمالة الأجنبية بدءًا من يوليو/تموز 2017، حيث قُدِّرت الرسوم على المرافق الواحد بـ 100 ريال شهرياً "أي 26.66 دولارا"، يرتفع المبلغ بشكل تدريجي ليصل إلى 400 ريال في 2020، علاوة على رسوم أخرى مفروضة على المقيم نفسه كرسوم الإقامة والسكن والتأمين الصحي، والصفة التراكمية لتلك الرسوم هي التي تزيد الطين بلّة، فإذا وصل المبلغ الإجمالي للرسوم الواجب دفعها عن كل مرافق إلى 200 ريال في 2018، أي العام الثاني من إقرار الرسوم على المرافقين، سيصبح تلقائياً 300 ريال في 2019.

وهكذا يصبح من المستحيل تماماً على كل مقيم أجنبي أن يبقى في المملكة خصوصاً إن كان متزوجا ولديه عدّة أبناء، ويمكن تخيُّل حجم الرسوم التي سيضطر كل مقيم لدفعها عن مرافقيه، فهذه السياسة من شأنها أن توقع العديد من العمال الأجانب في المملكة في ديون كبيرة متزايدة باستمرار، وهكذا يجد المقيم نفسه في مفترق طرق صعب يستحيل فيه مغادرة المملكة إلا بعد سداد تلك الديون.

وحسب إحصائيات رسمية بلغ إجمالي المرافقين للعمالة الوافدة في المملكة 2.22 مليون مرافق سنة 2018، كما قُدِّر عدد الوافدين الأجانب بـ 12.2 مليون عامل وفقاً لهيئة الإحصاء العامة في السعودية، وما يمكن استنتاجه أنّ المرافقين يشكِّلون ما يُقدَّر بخُمس ونصف عدد العمال الأجانب، وبالتالي أي سياسة تستهدف المرافقين من شأنها أن تشلّ حركة العمالة الأجنبية الوافدة إلى المملكة.

حجم العمالة المغادرة

صدر تقرير عن البنك السعودي الفرنسي سنة 2017 حول حجم العمالة الأجنبية المغادرة جرَّاء فرض رسوم شهرية على المرافقين وأفاد بأنّ العدد الذي سيغادر المملكة بسبب تلك الرسوم سيصل إلى 670 ألف عامل بحلول 2020 وذلك بمعدل 165 ألف عامل أجنبي سنوياً، بواقع: 80515 في 2017، 148325 في 2018، 201364 في 2019 و239837 في 2020.

فالراتب الشهري للعامل الأجنبي يستحيل أن يواكب ارتفاع الأسعار في المملكة، ويستحيل أيضاً أن يتحمَّل عبء الرسوم المفروضة على المرافقين، وهذا ما يجعل الحياة في غاية الصعوبة بالنسبة للعمال الأجانب الذين قصدوا السعودية أصلاً كملاذ للعيش وادخار المال وإعالة عوائلهم، كما أنّ تجديد الإقامة أصبح أمراً صعباً للغاية نتيجة لفرض الرسوم على المرافقين والتي تقصم ظهور العمال الأجانب الوافدين إلى المملكة.

بالرغم من أنّ هذا الإجراء ستحصِّل المملكة ما يقارب 20 مليار دولار من الرسوم الجديدة حتى 2020 إلا انّه أغفل عدّة نقاط مهمّة وهي نزيف ومغادرة مئات الآلاف من العمال الأجانب ومرافقيهم خلال السنوات القليلة القادمة وكذا الأثر السلبي الكبير لمغادرة العمال الأجانب ومرافقيهم على الإنفاق والقطاعات المتخصصة في الأغذية، التجزئة، الخدمات، السفر، التعليم والاتصالات، وكل هذا سيخفِّض من قيمة الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بما لا يقلّ عن 3 في المائة حتى سنة 2020.

السوريون واليمنيون الأكثر تضرراً

يستحيل على السوريين واليمنيين المقيمين في المملكة تجديد إقامتهم بسبب تراكم الرسوم الواجب دفعها على مرافقيهم وأجورهم التي لا تتجاوز في كثير من الأحيان 3500 ريال شهرياً (أي 933.33 دولارا)، فهم واقعون بين مطرقة سداد الرسوم وتغطية احتياجات أسرهم وسندان العودة إلى الوطن الذي مزَّقته الحرب. وعدم قدرة هؤلاء على تجديد إقامتهم سيحرمهم ويحرم أبناءهم من خدمات الصحة والتعليم، وكذا من حق السفر ومغادرة المملكة، لذلك تحوَّلت تلك الرسوم المفروضة على المرافقين إلى كابوس يلاحق العمالة السورية واليمنية في المملكة حتى الممات.

كما أنّ قرار فرض الرسوم على المرافقين كان مجحفاً في حق السوريين واليمنيين الذين يعملون في المملكة من أجل إعالة عوائلهم وأقاربهم في اليمن وسورية، فقد أصبح من غير الممكن على العمال من الجنسيات السورية واليمنية الاستمرار في إرسال التحويلات المالية إلى ذويهم في اليمن وسورية بعد فرض تلك الرسوم، فهم في قلق وتخوُّف مستمرّ حول مصيرهم ومستقبل أسرهم لاسيَّما في ظل محدودية خيارات الهجرة إلى بلد آخر.

خلاصة يمكن القول إنّ رؤية 2030 التي رسمت ملامح الاقتصاد السعودي لفترة ما بعد النفط جاءت مجحفة في حق العمالة الأجنبية الوافدة وأثبتت فشل المحاولات السابقة للحكومة في تطبيق نظام السعودة، والأدهى والأمرّ أنّ سياسة فرض الرسوم على المرافقين للعمالة الوافدة أدّت إلى مغادرة غير مسبوقة للعمال الأجانب من المملكة ولكن لم تؤدّ دورها الذي صُمِّمت في الأساس من أجله وهو توفير وظائف للسعوديين، ففي الوقت الذي تشهد فيه المملكة هروباً ونزيفاً حاداً في العمالة الأجنبية لم تشهد إلى الآن زيادة في معدل توظيف السعوديين.

لذلك ينبغي على الحكومة مراجعة القرار خاصّة أنّ العمالة الأجنبية تعيش الآن في المملكة على أمل تخفيض تلك الرسوم أو صدور إعفاء رسمي من السلطات العليا لأنّها وبدلاً من أن تُكافأ بحقوق أفضل وراتب تقاعدي وجدت نفسها تعود لنقطة الصفر إن لم يكن أسوأ من ذلك.