"العمال الكردستاني" شمالي العراق: إزعاج مزمن لتركيا

29 يناير 2019
الصورة
مطالبات بإخلاء الأراضي العراقية من مقاتلي "العمال"(صافين حامد/فرانس برس)
+ الخط -
أعاد اقتحام متظاهرين لمواقع تابعة للجيش التركي في محافظة دهوك في إقليم كردستان العراق، يوم السبت الماضي، فتح ملف وجود حزب "العمال الكردستاني" في الإقليم، ففي الوقت الذي أكدت فيه حكومة كردستان أنها لن تسمح بأن تكون أراضيها منطلقاً للعدوان على دولة أخرى، وقيام وزارة الخارجية العراقية باستدعاء السفير التركي فاتح يلدز وتسليمه مذكرة احتجاج، ما يزال موقف بغداد وأربيل النهائي خجولاً بشأن مستقبل وجود حزب أجنبي مسلح على أراضٍ عراقية، كما يقول سياسيون.

وقُتل عراقي وأصيب آخرون السبت الماضي بعد إطلاق قوات تركية النار على متظاهرين اقتحموا مقرها في منطقة شيلادزة في محافظة دهوك في إقليم كردستان، فيما ألقى مسؤولون أتراك وأكراد باللائمة على حزب "العمال الكردستاني" الذي اتهموه بالتحريض على التظاهرة.
وأكد مصدر أمني محلي في دهوك أن القوات التركية الموجودة في المحافظة اتخذت إجراءات أمنية مشددة حول مواقعها، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن هذه الإجراءات زادت بشكل كبير بعد اقتحام متظاهرين أحد مقارها يوم السبت الماضي. وأشار إلى قيام القوات التركية بتسيير دوريات راجلة على مسافة قريبة من مقارها خشية تسلل مقاتلين من حزب "العمال الكردستاني" لتنفيذ هجمات تستهدف هذه المقار، موضحاً أن القوات المحلية الكردية اتّبعت هي الأخرى إجراءات أمنية إضافية للحيلولة دون تكرار أحداث السبت.

هذه الأحداث وقعت بسبب وجود عناصر من "العمال الكردستاني" في دهوك، بحسب عضو البرلمان العراقي عن الحزب "الديمقراطي الكردستاني" (الذي يتزعمه رئيس إقليم كردستان السابق مسعود البارزاني) أرام بالاتي، الذي أكد أن وجود هذه العناصر يتسبّب أيضاً بقصف تركي متكرر لمناطق في إقليم كردستان، محمّلاً في تصريح صحافي الحكومة العراقية في بغداد مسؤولية وقف هذا القصف. وأشار إلى أن إخلاء إقليم كردستان من عناصر "العمال الكردستاني"، ووقف القصف الكردي، أمور كفيلة بإعادة الهدوء إلى مناطق الإقليم التي شهدت توتراً خلال الأيام الماضية.

من جهته، لفت السياسي الكردي المستقل، العضو السابق في لجنة الأقاليم والمحافظات البرلمانية، محمود عثمان، إلى أن القوات التركية موجودة في إقليم كردستان بناء على اتفاقيات موقّعة مع النظام العراقي السابق قبل أكثر من 20 عاماً، موضحاً في حديث لـ"العربي الجديد" أن وجود الأتراك يتم برضا الجميع ومنهم الحكومة العراقية في بغداد، وحكومة إقليم كردستان، والأميركيين. ورأى عثمان أن غموض المواقف الرسمية بشأن الوجود التركي في إقليم كردستان تسبّب باندلاع مشاكل وأزمات أسفرت عن سقوط ضحايا، مشدداً على ضرورة البحث عن السبب الحقيقي للمشاكل من أجل حلها. واعتبر أن الحل يكمن في تدويل الأزمة، موضحاً أنه سبق أن طالب بإحالة ملف القوات التركية، وحزب "العمال الكردستاني" إلى مجلس الأمن لحله، حين كان عضواً في مجلس النواب، مشيراً إلى وجود تمادٍ من قبل أطراف الأزمة يدفع ثمنه الناس الأبرياء.

ودعا إلى الاستماع إلى أصوات المواطنين الأكراد الذين يرفضون تحويل مناطقهم إلى بؤر للصراعات، مطالباً حكومتي بغداد وأربيل بأن تكونا أكثر جدية. وأوضح أن موقف الحكومة العراقية، وحكومة إقليم كردستان، تجاه الأزمة التي اندلعت في دهوك أخيراً، كان خجولاً، لافتاً إلى أن على حكومة بغداد أن تتعامل مع الاتفاقات السابقة بوضوح، فإما أن تلغيها، أو تعلن تمديدها، إن كانت جادة في إنهاء الصراعات التي يُستخدم فيها السلاح أحياناً. وانتقد وجود مقاتلي حزب "العمال الكردستاني" في مناطق سكنية، قائلاً إن هذا الأمر تسبّب بوقوع ضحايا.
ولم يصدر من مجلس النواب العراقي موقف رسمي تجاه أحداث دهوك، ووجود "العمال الكردستاني" فيها، باستثناء تصريحات منفردة لبعض النواب.


ولم يفرق عضو البرلمان العراقي، محمد كريم، بين قوات تركية أو أميركية، أو غير ذلك، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن على البرلمان الإسراع بمناقشة القوات الأجنبية في العراق. وشدد على ضرورة معرفة احتياجات العراق للمرحلة الحالية، موضحاً أن البرلمان لن يسمح بغير وجود مدربين أجانب، وبحسب ما تقتضيه حاجة القوات المسلحة العراقية.

وكانت وزارة الخارجية العراقية قد استنكرت قيام قوات تركية بإطلاق النار على متظاهرين في دهوك يوم السبت الماضي، كما استدعت السفير التركي في بغداد فاتح يلدز وسلّمته مذكرة احتجاج حول ما حدث في بلدة شيلادزة من إصابات وأضرار، موضحة في بيان أن مثل هذه الأعمال تعد انتهاكاً للسيادة العراقية. وأضاف بيان الخارجية العراقية أن "حكومة العراق تجدد التزامها بعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية للقيام بأعمال تمس أمن دول الجوار"، في إشارة إلى عدم الرضا عن ممارسات حزب "العمال الكردستاني".

كما رفض رئيس حكومة كردستان العراق، نيجرفان البارزاني، أي أجندات أو أهداف من أي طرف كان لاستغلال أراضي الإقليم، وجعلها منطلقاً لاستهداف دول مجاورة، موضحاً في مؤتمر صحافي عقده في أربيل (عاصمة اقليم كردستان) أن سياسة كردستان لا تسمح بأن تكون أراضي الإقليم مقراً أو مركزاً للاعتداء على جهات أخرى. وأشار إلى أن القصف الذي تقوم به طائرات تركية يستهدف مواقع لحزب "العمال الكردستاني"، مضيفاً "لكن لا ينبغي الرد بمهاجمة مواقع الجيش التركي". ولفت إلى أن اتصاله بوزير الخارجية التركي مولود جاووش أغلو بشأن الحادث شهد التأكيد على منع استغلال أراضي كردستان من قبل أية جهة كانت.

من جهته، قال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، إن حزب "العمال" فشل في المعركة ما دفعه للجوء إلى الأبرياء لتحريضهم ضد القوات التركية، موضحاً في تصريح صحافي أن الأحداث التي شهدتها منطقة شيلادزة في دهوك حاولت الإيقاع بين الجيش التركي والأهالي، معلناً تمكّن القوات التركية من إفشال هذه المحاولة.
ويتخذ "العمال الكردستاني" من مناطق في إقليم كردستان، وبلدة سنجار في محافظة نينوى، ملاذات لتحركاته، وقام الشهر الماضي بالاتفاق مع فصائل في "الحشد الشعبي" بتشكيل إدارة محلية في بلدة سنجار التي تُعد من المناطق المتنازع عليها بين الأكراد، الذين يدّعون تبعيتها لإقليم كردستان، وبغداد التي ترفض ذلك، ما أثار تحفّظات مسؤولين محليين، اعتبروا أن ما يجري هو محاولة لسلخ سنجار عن سيطرة السلطات المركزية على يد حزب جاء من خارج الحدود.

المساهمون