"العلمانية": عزمي بشارة إذ يعيد بناء المفهوم

01 يونيو 2019
الصورة
(عزمي بشارة، خاص بالعربي الجديد)
+ الخط -
في كتابه "الدين والعلمانية في سياق تاريخي" الذي صدر في جزأين، يقدّم المفكر العربي عزمي بشارة (1956) رؤية نقدية تحليلية شاملة لانتقال العلمانية من الجدل الأوروبي حولها في إطار العلاقة مع الكنيسة إلى ثقافات أخرى، مقارباً في هذا السياق عدّة نماذج عربية.

في نظرته المتأملة والمعمقة لتاريخ العلمانية وتحولاتها عبر التاريخ، وكذلك في ضبط جملة المصطلحات المرتبطة بالمفهوم، وفهمه لعمليات العلمنة وتبلورها كأيديولوجيا منذ القرن التاسع، يعرض صاحب "أن تكون عربياً في أيامنا" لأنموذج نظري بديل في فهم العلمنة، يقوم على استقراء التاريخ وتاريخ الأفكار.

يستدعي المشروع مراجعات متعدّدة حوله، ومنها ما يقترحه أستاذ اللغة والأدب والحضارة العربية والباحث التونسي سهيل الحبيّب في كتابه "العلمانية من سالب الدين إلى موجب الدولة: راهنية مشروع بشارة عربياً" الذي صدر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات".

يشتغل المؤلّف على فرضية أن كتاب "الدين والعلمانية في سياق تاريخي"، هو إضافة نوعية على المستويين المعرفي والنظري إلى ما هو سائد في السياق الفكري والأيديولوجي العربي المعاصر والراهن من فهمٍ نظري للعلمانية، ومن تمثّل تاريخي لظواهرها.

ويحاول المؤلّف الاستدلال على صحة هذه الفرضية بتحديد الوجوه المتعيّنة للإضافات المعرفية والنظرية التي يحويها كتاب بشارة، من حيث هو جهد يتتبّع ظواهر التديّن والتَّعَلْمُن على مدار قرون عديدة وفي سياقات مختلفة من التاريخ الغربي الحديث والمعاصر والراهن، للوصول إلى الفهم التاريخي لظاهرتَي الدين والعلمانية.

يشمل الكتاب مقدمة وستة فصول وخاتمة، حيث خصّص الفصل الأول، "حول مفهوم تاريخية الدين والعلمانية في منجز بشارة وسبل استقصاء رهاناته وراهنيته"، لمناقشة المسائل المنهجية المتصلة بتحديد الرهانات التي يمكن أن يحقّقها منجز بشارة، أو التي يمكن أن تكون ثاوية خلفه، بعد أن ناقش مسائل تتعلق بتحديد ماهية التنزيل التاريخي للدين والعلمانية، أو ماهية "التاريخية" في هذا المنجز.

يمثل الفصل الثاني، "في نظرية الدولة المباطنة لنظرية العلمنة في منجز بشارة، أو "من مفهوم العلمنة إلى الوعي الدولتي الحديث"، ملخّصاً مكثفاً لأجزاء مخصوصة من كتاب الدين والعلمانية في سياق تاريخي، كما يمثّل قراءة محدّدة في هذا الكتاب.

يهتمّ الباحث في الفصل الثالث، "نظرية بشارة في العلمنة بإزاء علمانية الفكرة القومية أو الوطنية"، بالفكرة العلمانية في أحد تجلّياتها الأولى في السياق الفكري والأيديولوجي العربي المعاصر، وهي الفكرة التي تعود جذورها إلى الطرح الذي صاغه فرح أنطون في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ومفاده ضرورة تسويد الرابطة الوطنية بدلاً من الروابط الدينية في بلدان "الشرق".

أمّا محور الفصل الرابع "نظرية بشارة في العلمنة بإزاء أيديولوجيا العلمانية ومصائرها في خطاب اليسار العربي الجديد"، فهو الفكرة العلمانية ذات المضمون العلموي الوضعي، والتي تتبدّى من خلالها العلمانية باعتبارها أيديولوجيا معادية للدين وقائلة بحتمية أفوله.

يتناول الفصل الخامس، "المراهنة على تاريخية العالم الحديث بإزاء المراهنة على تاريخية التراث العربي الإسلامي"، معلماً أساسياً من معالم تطور الفكرة العلمانية وتطور إشكالاتها وتمثّلاتها من جهة الانتصار لها في الفكر العربي المعاصر.

ينحو الحبيّب في الفصل السادس، "إعادة بناء مفهوم العلمانية نظريًا بموجب الدولة الحديثة وراهنيته"، في اتجاه تعميم ما يراه علاقة قائمة بين منجَز بشارة النظري حول العلمانية والبديل الدولتي الحديث باعتباره خياراً أيديولوجياً وسياسياً مطروحاً عربياً اليوم.

يخلص الباحث إلى أن "بشارة إذ يعيد بناء المعرفة التاريخية، فإنه يعيد تشكيل الوعي التاريخي، بصيرورة العلمنة السياسية والاجتماعية في الغرب الحديث من حيث هي صيرورة قام فيها متغير الدولة الحديثة بالدور القاعدي والمحرّك؛ وإذ هو يعيد كذلك بناء مفهوم العلمانية نظرياً بموجَب الدولة الحديث بناءً على تحليل هذه الصيررة؛ فإنه يفتح، في تقديرنا، أفقاً جديداً لجدالات العلمنة والعلمانية في السياق الفكري والأيديولوجي العربي الراهن".

دلالات

المساهمون