"العربي الجديد" على أطراف بلدة الباغوز: الموت سيد الموقف

17 فبراير 2019
الصورة
لم يبق لـ"داعش" إلا 700 متر بقرية الباغوز(العربي الجديد)
يمكن لأحوال المناطق الفاصلة بين بلدتي هجين والباغوز، التي بات يحاصر في 700 متر مربع من مساحتها، ما بقي من خلايا تنظيم "داعش" في ريف دير الزور السورية، أن تختصر كل المأساة السورية بفصولها كلها، والتي بات يرمز إليها مجازاً بحقبة "خلافة داعش" التي سهّل النظام ولادتها في الأطراف على حساب تركيز سيطرته على المدن الرئيسية في "سورية المفيدة"، مروراً بكارثة "داعش" نفسه على السوريين، وصولاً إلى الثمن الدموي الهائل الذي دفعه السوريون ولا يزالون لإنهاء هذا التنظيم الذي عاث قتلاً طيلة 5 سنوات.

يبدو الطريق المؤدي إلى قرية الباغوز في ريف دير الزور خالياً من العتاد العسكري، ومليئاً

بخيام تجمعات المدنيين الفارين من المنطقة الضيقة التي لا يزال "داعش" يحكم سيطرته عليها اليوم.

سقطت بلدة الباغوز عسكريا، إذ لم يبق بيد "داعش" إلا 700 متر في القرية، وهي مساحة محاصرة من كل الجهات وتحوي مدرستين ومنازل عدة، في انتظار "أيام قليلة ليتم إعلان انتهاء المعركة" بحسب إعلان "قوات سورية الديمقراطية"، التي تخوض المعركة على الأرض، بالنيابة عن قوات التحالف الدولي.

تسمح "قسد" ذات الغالبية الكردية لوسائل الإعلام التي تمكنت من الوصول إلى هناك، ومن بينها "العربي الجديد"، بجولة سريعة في بلدة السوسة الملاصقة لقرية الباغوز. بلدة السوسة تبدو خالية تماماً من الناس، ويصدف أن يلاقي زائرها بعض الكلاب والقطط وكأنها تنتظر عودة أصحاب المنازل المدمرة كحال السوق التجاري الذي هدمه قصف الطائرات والسيارات المحروقة على جوانب الطرقات.

وفي السوسة تجد جرافة صغيرة تحاول فتح الطرقات الرئيسية قبل أن تبدأ قوات "سورية الديمقراطية" نزع الألغام حتى يسمح للأهالي بالعودة مستقبلاً بحسب ما يقوله مسؤول في "قسد" لـ"العربي الجديد".

أما هجين، البلدة التي شهدت أشرس المعارك بين "قسد" و"داعش" طيلة الأشهر الماضية، فقد بدأت ملامح عودة الأهالي إليها تظهر ولو بخجل، خصوصاً في الحارات الغربية وفي حارة الهيبة، بينما لا تزال الحياة معدومة في الحارات الشرقية التي يفصلها عن الجزء الغربي جسر مدمر وساتر ترابي مرتفع قام "داعش" بتحصينه.

بلدة هجين تمتد لمسافة طويلة تصل إلى 15 كيلومتراً، وتنتشر المنازل على جانبيها، ويظهر على أهلها العائدين كل أصناف التعب والقهر جراء دمار كل ما كانوا يملكونه، في حين تعج بعض أعمال الترميم في عدد من المنازل والمحال التجارية رغم غياب كامل لكل أنواع الخدمات في البلدة حتى الآن.

بعض أهالي هجين يسارع إلى الشكوى ظناً منهم أن الإعلاميين يمثلون جهة رسمية أو منظمات إغاثة. فلان يشكو بيته المدمر والذي كان مؤلفاً من ثلاث طبقات، وآخر يشكو سرقة منزله، وثالث يلعن "التحالف" و"داعش" معاً.


ولا تزال آثار "داعش" ماثلة بوضوح في هجين والسوسة، أكان في مقرات التنظيم أو في اللافتات المنتشرة في الشوارع. ويستوقفك في هجين عبارة منسوبة لأبو عمر البغدادي: "لم نكن نكذب على الله عندما أعلنا الدولة"، وهو ما يبدو بمثابة رسالة من التنظيم المدرك تماماً بأنه سيغادر المنطقة، فأراد إضافة عبارة أخرى حرفيتها: "بلغوا جيش التحالف أننا أهل القيادة".

كثير من المنازل في هجين نصبت خيم أمامها لأن البيوت المدمرة غير صالحة للإقامة. أبو حميدي يتفادى الكاميرات والصحافيين، وهو خرج من هجين منذ سنة وشهرين وعاد إلى بيته قبل أيام فقط ليجده مدمراً بالكامل، فنصب خيمة للعائلة المكونة من 40 شخصاً تضم الأولاد والأحفاد.

وسط السوق في هجين، إلى جانب حاجز عسكري وبعض المحال التجارية التي يقوم أصحابها بمحاولة إصلاحها، دعا رجل مسن يجلس وسط الدمار إلى عودة الأهالي لبلدتهم لأنها "تمثل الوطن لهم"، بينما يسخر آخر، بلهجة "أهل الدير" قائلاً: "بلكي يجونا يعمرونا ويجي ترامب". ثم يروي بحرقة كيف أنه باع قطعة من الأرض لكي يبني منزله "وهجرونا وبعد سنة رجعنا لقيت بيتي مدمر".