"السعودة" تخفّض أبرز موارد اليمنيين: التحويلات

09 فبراير 2020
الصورة
ارتفاع تكاليف الإقامة في السعودية (Getty)
قدّر تقرير رسمي، تحويلات المغتربين اليمنيين في الخارج، بمتوسط شهري بلغ 431 مليون دولار، خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أكتوبر/تشرين الأول 2019. وحسب التقرير الصادر حديثاً عن قطاع الدراسات والتوقعات الاقتصادية اليمني (قطاع حكومي)، فإن تحويلات المغتربين من الخارج كان لها دور كبير في الحد من تقلّبات سعر الصرف، وفي السيطرة على انهيار القيمة الشرائية للريال اليمني. 

وتحقق هذا الرقم بالرغم من المضايقات الواسعة التي يتعرض لها اليمنيون في عدد من الدول، خصوصا في السعودية، التي تحتضن العدد الأكبر منهم. وترتبط المملكة بحدود برية واسعة مع اليمن، الذي تخوض فيه حرباً طاحنة دخلت عامها الخامس، وتسببت في أكبر أزمة إنسانية في العالم، في بلد منكوب أصلاً بالبطالة والفقر المزمن.

كما تشمل خارطة انتشار المغتربين اليمنيين، الولايات المتحدة الأميركية التي تأتي في المرتبة الثانية بنحو 400 ألف مغترب، تليها بريطانيا ثم بقية دول الخليج، إضافة إلى دول شرق آسيا، مثل ماليزيا وإندونيسيا.

وقامت الحكومة اليمنية بالعديد من الإجراءات للسيطرة على سعر صرف الريال مقابل الدولار وإيقاف تدهور العملة، أبرزها تغطية مستوردي المواد الغذائية والأدوية بسعر الدولار الرسمي وبيع كمية من الدولارات للسوق المحلية، بالإضافة إلى توجيه عدد من الرسائل للبنوك وشركات الصرافة بالالتزام بعدم المضاربة.

لكن هذه الإجراءات كانت أقل تأثيراً من الدور الذي لعبته تحويلات المغتربين رغم تراجعها، بفعل قوانين سعودة المهن التي يتم اتباعها بحزم من الجبايات المفروضة على المغتربين. إذ كان اليمنيون الأكثر تضرراً وتأثراً بهذه القوانين.

ويقول أحد المغتربين العائدين مؤخراً إلى اليمن، لـ "العربي الجديد": "إلى جانب الرسوم التصاعدية الجديدة، فإنه يتعين على العامل الوافد إلى السعودية دفع قائمة من الرسوم الرسمية المتنوعة والمبالغ غير الرسمية للكفيل"، ولذلك، فإن الرسوم الجديدة ضاعفت الأعباء المالية بما يفوق قدرة كثير من العمال اليمنيين ذوي الأجور المتواضعة.

في هذا الصدد، يعتبر الخبير الاقتصادي أحمد السلامي، أن تحويلات المغتربين أخّرت نوعاً ما حدوث المجاعة الشاملة في اليمن. إذ أصبح ثلثا سكان اليمن يعتمدون عليها كمصدر دخل رئيسي بعد أن تقطعت بهم السبل بسبب حرب التحالف في اليمن والصراع الدائر، والذي أثر، كما يقول السلامي لـ "العربي الجديد"، على مختلف الجوانب المعيشية، وأدى إلى توقّف مرتبات الموظفين المدنيين التي كانت تعتبر شريان الحياة الرئيسي لأكثر من 15 مليون يمني ما بين موظفين وأفراد أسرهم. كذا تعطّلت مختلف القطاعات والأنشطة الاقتصادية والتجارية، والتي كانت تمثل المرتبات وقوداً رئيسياً لتحريكها.

ويستخلص تقرير لقطاع الدراسات الاقتصادية صدر العام الماضي أبرز النتائج المتوقعة والآثار المحتملة للرسوم الجديدة في زيادة الأعباء المالية على المغتربين اليمنيين (العمال والمرافقين) في السعودية.

ونظراً لشح البيانات عن واقع المغتربين، وتضارب المعلومات فيها إن وجدت، يضع التقرير ثلاثة سيناريوهات لتقدير أعباء الرسوم الجديدة، أقربها السيناريو الذي يفترض أن عدد المغتربين اليمنيين 1.5 مليون، منهم 20% مرافقون، وقدرت أعباء الرسوم كما ذكر التقرير بحوالي 1.54 مليار دولار عام 2018، تتصاعد إلى 3.26 مليارات دولار سنوياً خلال العام الحالي 2020.

ويشير التقرير إلى أن ما يقرب من نصف المغتربين اليمنيين، حوالي 51.8%، لا تتجاوز دخولهم 2000 ريال سعودي، ما يعادل 533 دولاراً شهرياً. وما يقارب ربعهم 23.7% لا تتجاوز دخولهم 1500 ريال سعودي، ما يعادل 400 دولار شهرياً، و6.7% من المغتربين دخولهم لا تتجاوز 1000 ريال سعودي، أي 267 دولاراً شهرياً.

ونظراً لتواضع مستويات الدخل، يتوقع التقرير أن تدفع الرسوم الجديدة إلى عودة عشرات اَلاف المغتربين إلى اليمن، خصوصاً في عام 2020 الذي يرجّح أن يكون الأصعب والأكثر تأثيراً على العمال اليمنيين الذين كانت لهم إسهامات كبيرة ومؤثرة في التنمية الاقتصادية التي شهدتها السعودية. وسيكون أول المغادرين المرافقين والعاطلين عن العمل وأصحاب الدخول المتدنية.

وفرّ بعض اليمنيين من مآسي الحرب إلى ذويهم المغتربين، لكن الرسوم الجديدة ستعجّل بعودتهم من حيث جاؤوا.

إذ يتوقع المسؤول في مؤسسة المهاجر الأهلية اليمنية، أحمد ناصر، أن تتواصل عودة المغتربين بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة في حال استمرت الإجراءات التي تنفذها المملكة، لأن الرسوم، كما يقول أحمد لـ "العربي الجديد"، تتصاعد تدريجياً وليس دفعة واحدة.

ويرى أن ظروف الحرب وندرة فرص العمل والدخل والانهيار الحاصل في قيمة الريال اليمني تجبر اليمنيين على التريث في العودة. ويزيد العدد القادم من السعودية ضغوط الطلب على الخدمات الاجتماعية الأساسية في قطاعات التعليم والصحة والمياه التي تواجه أصلا شبح الانهيار في معظم مناطق البلاد. وبالتالي، يتوقع أحمد حرمان بعض الأطفال العائدين من حقهم في الرعاية الصحية والتعليم الجيد والمياه النظيفة.

ويقول أحمد إن الرسوم الجديدة على الوافدين لا تراعي مبدأ العدالة في توزيع الأعباء، وإنما تفرض مبلغاً ثابتاً على كل عامل وافد، بغضّ النظر عن مستوى دخله وما إذا كان يعمل أم لا، ولذلك، فإن ضحايا هذه السياسة هم ذوو الدخل المحدود من الوافدين.

ويؤكد أحمد، أن السعودية تخوض حربا شرسة في اليمن، أدت إلى انتشار الفوضى والمجاعة والبطالة وتقويض مؤسسات الدولة، لهذا ليس هناك من مبرر لاستهداف الأيدي العاملة في المملكة، ويجب استثناؤها مؤقتاً من إجراءات السعودة ومراعاة ظروف بلدها في الجبايات المفروضة. إذ لم يعد لليمنيين من دخل سوى تحويلات المغتربين من جميع دول الاغتراب، فهي بمثابة المورد الأخير لنسبة كبيرة من السكان، بعد ما تقطعت بهم السبل نتيجة الحرب الدائرة في البلاد والتي دخلت عامها الخامس.

وحتى لو زادت المنح والمساعدات الخارجية لليمن، فقد لا تعوض الفاقد في تحويلات المغتربين، كما يؤكد خبراء الاقتصاد، والتي تتخطى في مزاياها أي دعم خارجي، من حيث وصولها إلى الأسر المحتاجة وكفاءتها وفاعليتها واستدامتها.

ويشير تقرير قطاع الدراسات الاقتصادية اليمنية إلى المبادرات والمساعدات الإنسانية للمنظمات الدولية في مساعدة اليمنيين للحد من الأثار السلبية الكبيرة للأزمة الإنسانية، من خلال حشد الموارد المالية لخطة الاستجابة الإنسانية في اليمن. وبلغت نسبة تغطية التمويل الفعلي نحو 69%. كما بادرت العديد من المنظمات الدولية إلى تصميم وتنفيذ برامج التحويلات النقدية، سواءً من خلال دعم آليات العمل السابقة أو التنفيذ عبر آليات جديدة عن طريق الوديعة السعودية المقدرة بحوالي ملياري دولار.

ويؤكد الباحث الاقتصادي زكريا غانم على الأهمية البالغة لاستئناف الصادرات النفطية لتغطية استيراد المواد الأساسية والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، في ظل توقّع استنفاذ الوديعة السعودية، وكذا تراجع بعض موارد الدخل مثل تحويلات المغتربين نتيجة تدشين السعودية سلسلة جديدة من سعودة المهن، ورفع جبايات الضرائب، وفتح نوافذ أخرى من الجبايات تستهدف الحد من الأيدي العاملة، خصوصاً اليمنية. إضافة، كما يقول غانم لـ "العربي الجديد"، إلى عدم السيطرة على بعض الموارد المالية، مثل الضرائب والجمارك في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية.

ويرى غانم أن المرحلة المقبلة تتطلب إيقاف توسّع الاختلالات القائمة في المالية العامة الناتجة عن توقّف صادرات النفط والغاز، وعجز الحكومة عن الحصول على العملات الأجنبية، والتي كانت تحصل عليها من خلال ضخ العملات الأجنبية إلى السوق، من أجل تمويل الموازنة العامة والاتجاه إلى طباعة النقود. ويشدد على أهمية التركيز على تنويع مصادر الدخل، وتوظيف مختلف الموارد العامة بصورة صحيحة في التنمية الاقتصادية، لوقف التدهور المتواصل في العملة اليمنية.

دلالات