"السترات الصفراء" تتنكّر للعنف وتعدّ لجولة احتجاجات جديدة

19 مارس 2019
الصورة
"السترات الصفراء" تحذر من خطورة التشدد الحكومي(Getty)
أعلن رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب، بعد ظهر أمس الإثنين، عن جملة من الإجراءات الأمنية المشددة للتصدي "للأعمال الإجرامية" التي تشهدها البلاد، على حدّ وصفه، على خلفية الحراك المستمر لحركة "السترات الصفراء"، فيما أكدت صوفي تيسيي، وهي من وجوه الحراك في باريس، لـ"العربي الجديد"، أن الحركة "ستتظاهر في جادة الشانزليزيه في الأسبوع القادم، وما بعده، وأنه لا علاقة للحراك بالعنف".

وتأتي هذه الإجراءات على خلفية مظاهر العنف التي عرفتها جادة الشانزليزيه، يوم السبت الماضي، حيث عبّرت بلدية باريس وسكانها وأصحاب المتاجر والمقاهي المتضررة من أعمال النهب والتحطيم، عن نفاد صبرهم، من 18 أسبوعا من التظاهرات، بعضها لم يَخْلُ من عنف، مما جعل السياح والزبائن يهجرون هذه المناطق. إضافة إلى صورة العاصمة، وخاصة جادتها الأشهر، وهي تحترق، وتشهد معارك حرب حقيقية بين قوى الأمن ومتظاهرين، بدأوا ينزلقون أكثر فأكثر في العنف الحضري.  

وليس من شك في أن هذه الإجراءات متشددة، خاصة، التي تضرب جيوب المتظاهرين، ومنها رفع الغرامة على كل من يشارك في تظاهرة غير معلنة (غير قانونية)، من 35 يورو إلى 135 يورو. وأيضا تصميم الشرطة على فك وحظر كل تظاهرة "إذا تطلب الأمر ذلك"، حتى ولو كانت معلنة، بمجرد تواجد عناصر متطرفة فيها، وخاصة من المقنعين.

وشهدت الإجراءات أيضاً، العودة إلى استخدام سلاح "إل بي دي-40" (قاذف رصاص الدفاع)، والذي انتقدَ رئيس الحكومة، صراحةً، عدمَ استخدامه بما يكفي يوم السبت الماضي في باريس، على الرغم من وابل من الانتقادات على استخدامه من طرف "المدافع عن الحقوق"، جاك توبون، ومن جمعيات حقوقية مرتبطة بالأمم المتحدة وأيضا من طرف 35 من بين أفضل أطباء عيون في فرنسا، وجهوا رسالة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون تطالبه بوقف استخدام هذا السلاح، ثم التهديد لمحاسبة خطابات تعتبرها الحكومة حاثة على العنف تصدر من بعض وجوه "السترات الصفراء". وطلب رئيس الحكومة من وزير الداخلية، كريستوف كاستانير، تفعيل البند 40 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. 

وإذا كان اليمين الفرنسي، خاصة حزب "الجمهوريون"، الذي صدرت عنه مواقف مطالبة بوقف حراك "السترات الصفراء"، قبل أسابيع، بمجرد ما اكتشف أنه لم يستفد من دعمهم للحراك، على خلاف "انهضي، فرنسا" و"التجمع الوطني" و"الوطنيون"، المتطرفة، أيَّد، على الفور، هذه الإجراءات، إلا أنه يَعتَبرها غير كافية، وهو ما عبر عنه نائب مدينة نيس، إيريك سيوتي، الذي لا يخفي رغبته بحظر التظاهرات، بالقول: "إن حظر التظاهر ممكنٌ، قانونيا، لكن الأمر كانَ أسهلَ لو تمَّ إعلان حالة الطوارئ". وسخر من الوسائل التي أعلن عنها رئيس الحكومة لمواجهة مثيري الشغب، وتساءل، ساخرا: "لماذا لا نواجه هؤلاء المتطرفين بالصباغة؟".

وكان زميله، في الحزب، والمدير السابق للشرطة الوطنية، فرديريك بيشنار، قد استبق الإجراءات الحكومية، بالدعوة لحظر جميع التظاهرات في كل فرنسا، وبمنح قوى الأمن كل الصلاحيات لمواجهة مثيري الشغب.

ولا يختلف اليسار في موقفه المدين لأعمال العنف والتخريب، الذي شهدته، وكان أول هذه المواقف موقف عمدة باريس، الاشتراكية آن هيدالغو، التي طالبت بلقاء رئيس الحكومة، لبحث جواب الحكومة على استمرار العنف وأيضا على تعويض المتضررين من هذه التظاهرات ومن العنف الذي يشوبها.

ولكن اليسار لا يرى من حلّ حقيقي إلا في حوار جاد بين الحكومة و"السترات الصفراء"، بوساطات متعددة، من طرف المجتمع المدني والنقابات.

"السترات الصفراء" تنأى بنفسها عن العنف وتواصل الحراك

وإذا كان كثير من المسؤولين الحكوميين يتهمون، أحياناً، عناصرَ من "السترات الصفراء" بالانزلاق في العنف، وأحيانا أخرى، بالصمت وإذن التواطؤ مع عناصر متطرفة من مثيري الشغب "المجرمين" (كما يصر كاستانير ورئيس الحكومة على وصفهم)، إلا أن وجوها عديدة من "السترات الصفراء"، تحمل العنف للحكومة، التي تعاملت مع 18 أسبوعا من التظاهرات بالسخرية والتعالي، ولقوى الأمن، لاستخدامها أسلحة محظورة في دول الاتحاد الأوروبي، كرودريغيز ودرووي ونيكول وآخرين. 

وهذا الموقف عبّرت عنه، أيضا، صوفي تيسيي، وهي من وجوه الحراك في باريس، حين أكدت لـ"العربي الجديد"، أن "حركة السترات الصفراء ستتظاهر في جادة الشانزليزيه في الأسبوع القادم، وما بعده، وأنه لا علاقة للحراك بالعنف".

ولم تُخف تيسيي انتقادها لأعمال الشغب التي عرفتها باريس، يوم السبت الماضي، مذكرة: "تظاهرنا خلال عدة أسابيع في الشانزليزيه ولم يحدث عنفٌ"، مضيفة أنه خلال أسبوعين أو ثلاثة ستشهد مدن فرنسية تظاهرات وطنية كبرى، قبل أن تعود إلى باريس. 

وعن المطالب التي يرفعها الحراك، أكدت على المطالبة برحيل وزير الداخلية كاستانير وأيضا رئيس الدولة، ماكرون. وأعادت التذكير بضرورة اللجوء إلى استفتاء لمعرفة موقف الفرنسيين.         

كثيرون من الذين يحضرون تظاهرات "السترات الصفراء" في باريس، عبروا عن خطورة هذا التشدد الحكومي، وخاصة منح قوى الأمن حرية التصرف وتقدير الموقف، واعتبروه يفتح الأبواب على كل كثير من التجاوزات.

وقال مومو، فرنسي من أصول تونسية: "لن أحضر تظاهرات محظورة. فإذا كنت أتظاهر لأني لا أستطيع ملء ثلاجتي، كما يقال، فمن أين لي بدفع 135 يورو غرامة؟" وهو نفس التساؤل، الذي طرحه جان بيير، الذي تعوّد القدوم من مدينة أورليان: "قدومي كل أسبوع مكلف، وتريد الحكومة أن تجعله أكثر إيلاما؟". وأضاف: "هي طرقٌ لثني الفرنسيين عن التظاهر، ولكنها لن تنجح.. وقد جرَّبتْ خطابات أخرى، منها أن الرئيس استجاب لمطالب الحراك، ثم إن الحوار الوطني الكبير سيَحُل كل شيء..  كله هراء"، وأكد أنه سيكون في الشانزليزيه يوم السبت القادم، رغم أنه لم يتقرر بعدُ هل سيتم تنظيم تجمع أو تظاهرة.

ولا يخفي جوزيف، من "السترات الصفراء"، فرع مدينة نانتير، ضاحية باريس، نية الحكومة اعتقال القيادات المؤثرة في الحراك، لشلّ الحراك والإجهاز عليه، خاصة مع "تحذير سياسيين في الحكومة وفي الأغلبية الرئاسية وأيضا في حزب "الجمهوريون" المعارض، من ردود أفعال بعض قيادات الحراك على العنف وعدم إدانتهم الصريحة له، وقراءتهم لهذا العنف باعتباره ردّا طبيعياً على عنف الحكومة، انضاف إليهم بعض الصحافيين والإعلاميين المنذهلين من عدم إقدام الحكومة على محاسبة بعض التصريحات".

ولعلّ هذا ما جعل رئيس الحكومة يدعو وزير داخليته للتفكير فيه. كل الضربات من الطرفين جاهزة، فمن سيصرخ بالأول؟ هل هي الحكومة التي تتأهب للإعلان عن نتائج وتوصيات الحوار الوطني؟ أم تيارات كثيرة في حراك "السترات الصفراء" تتحدث عن جولات أخرى قادمة من المظاهرات والاحتجاجات، وعن لقاءات وطنية لاستشارة قواعدها، 29 مارس/آذار في نانتير، ضاحية باريس، و6 إبريل/نيسان في إحدى مدن المحافظات؟       

وهذه الاستشارات ترى فيها صوفي تيسيي، "نوعا من الرد على من يتحدث عن غياب الحوار والاستشارات داخل حركة السترات الصفراء".