"السترات الصفراء" تبلغ عامها الأوّل: حصيلة أوسع احتجاج فرنسي

16 نوفمبر 2019
الصورة
أسباب التظاهر ما زالت قائمة (فيليب لوبيز/ فرانس برس)
+ الخط -
لم يكن أحد يتصور أن يوم 17 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي سيتحول إلى ذكرى أكبر احتجاج اجتماعي في فرنسا، من خلال حراك "السترات الصفراء"، والذي كادت تترنح منه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون، بعد صمت طويل لرئيس الجمهورية أطلق بعده "حوارَه الوطني الكبير"، محققا إنجازات خطابية، ليضطر إلى ضخ أكثر من 17 مليار يورو، كنوع من شراء السلم الأهلي، كما يقول اليمين.

الغضب لا يزال موجوداً، ولا يزال المتظاهرون يرون في الرئيس الفرنسي شخصا متكبرا، لا يفهمهم، أو لا يريد بذل جهد لفهمهم والإنصات إليهم. وينتظر المتظاهرون على الخصوص من الرئيس، كما تقول بريسيليا لودوسكي، وهي من وجوه "السترات الصفراء" التي تحظى بالاحترام، "جوابا سياسيا"، فهي ترى أنه من الصعب القول بوجود جواب سياسي، لحد الآن، على حراك "ضخم، لا أعتقد بوجود كثير من الحراكات تشبهه من حيث الاستمرارية".
وتزامن انطلاق الحراك قبل عام مع ممارسة السلطات الفرنسية لإصلاحات قاسية، ومن دون منح أي اعتبار للنقابات العمالية، وسط اعتراف للمعارضة، بكل أطيافها، بأن مَرْكب ماكرون سيكون هادئا حتى نهاية ولايته الرئاسية.
ورغم الحوار الوطني، الذي قاطعته "السترات الصفراء" في غالبيتها الساحقة، والإعلانات الحكومية، إلا أن الحراك الأسبوعي تواصل، إلى الآن، مع وصوله إلى الجولة 53، ولو أنه بوتيرة أضعف من الأسابيع الأولى.
ماكرون يتصور أن أخطر ما في الحراك الاجتماعي أصبح خلفه، إلا أن القلق موجودٌ من عودته، بنَفَس جديد، خاصة وأن الوضع الاجتماعي في فرنسا لا يطمئن كثيراً، بسبب وضع المستشفيات وموظفي الصحة الصعب والتظاهرات الطلابية احتجاجاً على تدهور القدرة الشرائية. وقبل ذلك خرجت تظاهرات رجال المطافئ والمدرّسين، وأيضا بسبب إصلاح نظام التقاعد، الذي قررت نقابات سكك الحديد والمترو بدء إضراب عام يوم الخامس من ديسمبر/كانون الأول القادم ضده، وهو ما تخشى منه السلطات أن يكون عاملا موحّداً وجامعاً لكل الاحتجاجات الاجتماعية. وفي القلب من هذه احتجاجات يظل حاضراً حراك "السترات الصفراء"، التي تَعتَبر في غالبيتها أن الحكومة الفرنسية، لم تستجب لأي من مطالبها الرئيسية، ومنها الشق الديمقراطي والمؤسسات عبر تنظيم الاستفتاء بمبادرة مواطنيّة، والإيكولوجيا، والخدمات العمومية، وأخيرا، الشق الضريبي.
"السترات الصفراء" لا تزال موجودة بتظاهراتها وأعمال عصيان مدني ومجالس مواطنيّة وحوارات، وهو ما تريد أن تؤكده اليوم، في ذكراها الأولى، على الرغم من كل التضحيات التي قدّمتها، ليس فقط من خلال الحضور في التظاهرات كل يوم سبت، بل وأيضا بسبب تعرضها لقمع بوليسي غير مسبوق في حركة الاحتجاجات الاجتماعية، وهو العنف الذي أدانته منظمات دولية وفرنسية لحقوق الإنسان.
الأرقام تتحدث من تلقاء نفسها، فقد أقدمت الشرطة والدرك، خلال سنة واحدة، على توقيف 10 آلاف و852 شخصا، وأصدرت المحاكم 3163 حكما قضائيا، منها 400 حكم بالسجن الفوري، و600 حكم بالسجن مع إمكانية عدم قضاء العقوبة السجنية. كما تسبب الرد البوليسي على التظاهرات بوفاة 11 شخصا أثناء التظاهرات، اثنان من "السترات الصفراء" أصيبا بأزمة قلبية، فيما قتلت الجزائرية زينب رضوان، 80 سنة، بمقذوف أطلقته الشرطة على بيتها في مارسيليا. ووصل عدد الجرحى، وفق إحصاءات وزارة الداخلية، إلى 4439 شخصا، من بينهم 2495 متظاهرا، والباقي من أفراد القوى الأمنية. وفقد 24 متظاهراً من "السترات الصفراء"، إحدى أعينهم. كما أنه اقتلعت أيدي 5 متظاهرين، بسبب القنابل التي تستخدمها قوى الشرطة، وأيضا "قاذف رصاص الدفاع" (إب بي دي)، وهو سلاح محظور في كثير من الدول الأوروبية، وأطلقت منه الشرطة الفرنسية 12 ألف و908 طلقات.
وفي مقابل المعالجة الأمنية القمعية التي لجأت إليها السلطات في تخويف المتظاهرين وثنيهم عن التظاهر، بخاصة مع تكرار لازمة: "ما أراده المتظاهرون حصلوا عليه في الحوار الوطني الكبير"، وأمام فداحة الخسائر البشرية، لم تفتح "المفتشية العامة للشرطة الوطنية" سوى 313 تحقيقا حول شبهة استخدام العنف من طرف الشرطة، تم تحويل الثلثين، فقط، إلى القضاء، حسب وزارة الداخلية. ولكن المتظاهرين، وخاصة الضحايا، لم يروا سوى توجيه رَجُلي أمن اثنين، فقط، إلى المحاكمة.

ما الذي سيحدث؟

بالتزامن من الذكرى السنوية، أعلن في مجموع فرنسا، عن أكثر من 250 حركة اجتماعية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، منها التظاهر في الشانزيليزيه، وهو ما ترفضه وزارة الداخلية، وأيضا تظاهرة انطلاقا من "بلاس ديتالي" في باريس، وهي مرخَّصة، إضافة إلى قطع طرقات وشلّ الطرقات المحيطة بالعاصمة، كما يطالب إيريك درووي، أحد وجوه "السترات الصفراء" المثير للجدل، بوقف الجباية على الطريق السيار في بوردو، والتظاهر في مدينة ليل في مسيرة من أجل المناخ.

وفي أحدث المستجدات، استخدمت الشرطة الفرنسية الغاز المسيل للدموع لتفريق محتجي "السترات الصفراء" الذين خرجوا، اليوم السبت، في العاصمة الفرنسية.
وأفادت وسائل إعلام محلية بأن مئات المحتجين تظاهروا في باريس على أمل استنهاض زخم حراكهم الاجتماعي غير المسبوق، الذي بدأ في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2018.
وقالت قناة "فرانس 24" الفرنسية إن شرطة باريس أطلقت الغاز المسيل للدموع في شمال غرب وجنوب العاصمة لصد محتجي السترات الصفراء.
وأضافت أن مواجهات اندلعت بين الشرطة ومتظاهرين قرب محطة مترو "بورت دو شانبرييه"، فيما كان المحتجون يستعدون للسير باتجاه محطة "جار دوسترليتس"، وفق ما أوردته وكالة "الأناضول".


وتتظاهر "السترات الصفراء" وهي لا تزال تحظى بدعم 55 في المائة من الفرنسيين، حسب استطلاع للرأي أجراه معهد "إيلاب".
وأخيرا، لا تزال الوجوه المؤثرة للحركة، حاضرة في المشهد، على الرغم من فشلها في التوحد، وأصبح كل واحد يعمل انطلاقا من مجموعته في "فيسبوك"، وهي حالة نيكول مكسيم، وأيضا جيروم رودريغيز، الذي وجد نفسه، قبل أيام، مضطرا إلى الدفاع عن حضوره في تظاهرة "كفى للإسلاموفوبيا"، بعد أن تلقى انتقادات كثيرة، من رفاقه. وأعلن رودريغيز أن الكثير ممن يدعون إلى الحرية، وهي من شعارات "السترات الصفراء" يجدون أنفسهم وهم يصادرونها من البعض، وشدد على أنه ابن ضاحية باريس وأن أكثر أصدقائه مسلمون، وأن كثيرا منهم يتظاهرون مع "السترات الصفراء".


ولأن الانتخابات البلدية في فرنسا على مرمى حجر، يحرص بعض من مرّ بهذا الحراك الاجتماعي على استثمارها، فيما الأغلبية تتمترس خلف "مناعتها" عند كل استقطاب نقابي أو سياسي. وهو ما سيستفيد منه الرئيس ماكرون واليمين المتطرف، وتخسره قوى اليسار والنقابات، في وقت يتحدث فيه كل الغاضبين من سياسات ماكرون الاقتصادية والاجتماعية، عن "تقارب النضالات"، بل والتقائها.

المساهمون