"الدرونز" و"بوكو حرام".. وعقدة ليبراليين عرب

"الدرونز" و"بوكو حرام".. وعقدة ليبراليين عرب

22 مايو 2014
الصورة

يمنيون يتظاهرون بصنعاء ضد الضربات الأميركية (إبريل 2014 Getty)

+ الخط -
يبدو أن السمة الأساسية التي تجمع ليبراليين عرباً كثيرين هي أنهم يعتبرون أنفسهم ممثلين للسردية الغربية داخل الثقافة العربية، وهذا ناشئ، في تصوري، عن إصرارهم على اعتبار هذه السردية ناطقة عن الراهن الإنساني وممثلة له، وناجعة في تشخيص مشكلاته، واقتراح حلوله. إنه وهم اعتبار السردية الغربية هي السردية الإنسانية واعتبار الغربي هو الإنسان. لذلك، يتضاءل دور مثقف ليبرالي، إلى مجرد رسول الآخر داخل ثقافته هو، بدل أن يكون ابن هذه الثقافة وناقدها من داخلها، والباحث عن قدراتها ومكنونها في التفاعل مع واقعه وظروفه. كل الآراء الفكرية والسياسية والاجتماعية التي يبديها ليبراليون عرب هي تطبيقات لهذا التصور الذي يحملونه، بوعي أو من دونه، عن أنفسهم وعن محيطهم. حتى الحقوق الفردية والحريات الشخصية التي تصونها الليبرالية قد تذهب ضحية لهذا التصور. تاريخياً، ترجم رفاعة الطهطاوي الليبرالية إلى "الحرية" وترجم ليبرالي إلى "حري"، لكن المهم اليوم لدى ليبراليين عرب ليس أن يحمل الليبرالي مشعل الحريات، بل صار المهم أن يمثل السردية الغربية عن التاريخ، ويردد صداها في السياسة. يتحول المثقف الحر إلى مجرد "صدى" لرأي الآخر عنه، وتتلبّسه سلفية ليست للأسلاف الذين مضوا، بل سلفية للآخر. شعور الأقلية "الرسالية" والنخبة المختلفة يبهج الليبراليين العرب، ويرونه هدفاً بحد ذاته، كل ما عليك أن تفعله هو أن تستدير 180 درجة إلى الآخر، وتقتبس من مشعله، لعلك أن تضيء الظلام المحيط.

تتجلى هذه السمة أكثر لدى ليبراليين عرب، في حالات الإدانة والإشارة صراحة إلى المجرم. فاليمن مثلاً شهد، الشهر الماضي، إشهار أول منظمة لضحايا الدرونز الأميركية التي حملت اسم "المنظمة الوطنية لضحايا الطائرات من دون طيار (الدرونز)"، إلا أن الخبر يتوارى، ويبدو أقل أهمية أمام أي تناول عربي لقضية مثل "بوكو حرام" النيجيرية، والتي عادت إلى الواجهة، بعد حادثة اختطاف الفتيات أخيراً. بقيت منظمة ضحايا الدرونز مدنيةً بسيطةً في بلد عربي فقير، بينما كانت قضية بوكو حرام على رأس جدول أعمال القمة الفرنسية الأفريقية في باريس التي عُقدت منتصف الشهر الحالي، برئاسة الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند. هل هذا التفاوت بين ردتي الفعل تجاه الدرونز الأميركية وتجاه جماعة بوكو حرام النيجيرية يعكس بالفعل حجمهما على الأرض، أو مقدار تضرر "الإنسانية" منهما؟!
على مستوى الجغرافيا، انحصر وجود "بوكو حرام" في شمال نيجيريا، بينما امتدت هجمات الدرونز على رقعة واسعة: الفلبين وباكستان وأفغانستان في آسيا، العراق واليمن وليبيا والصومال في الوطن العربي، ومالي في نيجيريا. أما قانونياً، فإن هجمات الدرونز لا تحتاج إلى أكثر من التقدير الأميركي للحاجة، لتنفيذ هذه الغارة أو تلك، أي أن الأميركي وحده مانح الشرعية لفعلته ضد الآخرين، وكثيراً ما كان تقدير الأميركي مفجعاً، وكثيراً ما هبطت صواريخ الدرونز "الذكية" على المدارس وحفلات الأعراس وخطفت أرواح الأبرياء، أما "بوكو حرام"، فإن القانون النيجيري يعتبرها جماعة مسلحة محظورة، وتطارد أفرادها السلطات النيجيرية، وتتعاون عدة أطراف إقليمية ودولية لمحاصرتها والقضاء عليها.
شهد التاريخ البشري حركات مسلحة خارجة عن القانون عديدة، مع الوقت تلفظها المجتمعات وتطردها من بيئتها، لكنه لم يشهد قتلاً بحجم الذي تقوم به دولة حول العالم، مثل الذي قامت به الإدارات الأميركية المتعاقبة، لكن ليبراليين عرباً يجيدون جعل "بوكو حرام" الاستثناء الفظيع الخارج عن السياق الإنساني الجميل. إنه إسهام آخر لليبراليين عرب في رواية السردية الغربية، وعلى مسمع الضحايا، ليثبت أنه رسول مخلص لها، يحدث ذلك بينما تبقى الدرونز بعيدة عن نقده وإدانته.
لا مجال للتقليل من حجم حرب الدرونز، ولا من حجم ضحاياها، لكنه يبدو، في السردية التي يحملها ليبرالي عربي، تقليلاً من قيمة هؤلاء الضحايا وحطاً من إنسانيتهم، ورفعاً في الوقت نفسه من قيمة القاتل بالدرونز، ليكون قاضي القضية كلها. إذا كانت أفغانستان والعراق ساحة حربي بوش الابن، فإن حرب الدرونز هي حرب أوباما، الرئيس الأميركي الذي تحدث إلينا مرتين في اسطنبول والقاهرة عن احترامه لنا ولتاريخنا وثقافتنا. في الحقيقة، كل الذي فعله أوباما أنه قلّل من وجود الجندي الأميركي في المعركة، لكن آلته واصلت القتل ووسعت مداه الجغرافي وجعلت الضحية المقتول رخيصاً أمام التقنية الذكية. وكأن السند القانوني والذريعة الأخلاقية لهذه الحرب، تعوضها التقنية الذكية، وكأن القاتل يُبرّأ حين يقتل بطريقة أذكى.