"الحَوَل العربي" مجدّدا

21 يوليو 2017
الصورة
كنت قد كتبت مقالا عن إدمان عالم العرب اختيار المعارك الخطأ، في كل مرة يبادر هؤلاء في بلاد العرب بحروبٍ بين بعضهم حامية الوطيس، لا تعرف الرحمة، ربما تترك القتلى وتزيد الثكالى، وتحدث من الخسائر ما لا تخطئه عين. وفي النهاية، تتراكم مع صاحباتها لتمثل نكبةً من نكبات العرب، قتلى بالآلاف وأموال مهدرة وأمور كثيرة لا نعرف منها إلا مزيدا من تخلفٍ لبلادنا وحراسة التأخر، ويدخل هؤلاء على فتراتٍ قد تطول لتضميد الجراح، ومحاولة إزالة آثار تلك الحروب، في كل مرة يمارس بعض هؤلاء الزاعمين أنهم زعماء وأنهم يقومون على تحرير البلاد والعباد، وعلى خوض معارك لتحرير بيت المقدس. هكذا يقولون، في خطاباتٍ زائفةٍ وتعبويةٍ كاذبة. يقول هؤلاء تارة إن تحرير القدس يتم عن طريق طهران. ويدعي آخرون أن تحرير الأقصى يمر ببغداد. وهذا يبرر غزوا للكويت باسم المعركة الكبرى مع العدو الصهيوني، وفي كل مرة سيختار هؤلاء المعركة الخطأ، أو إن شئت الدقة المعركة التي تمثل الخطيئة الكبرى. 

ما بال هؤلاء، المرة تلو المرة، يعلنون عن تحرير بيت المقدس، فلا يتحرّر، باقٍ في حال غصبه واغتصابه، وإذا بهم يهلكون الحرث والنسل، ويعيثون في الأرض فسادا، ثم لا نملك، في النهاية، إلا أن تُحصد الأرواح ويتعدّد القتلى، ونحصي الموتى، وتمتلئ الميادين بمزيدٍ من الجرحى. ومن المؤسف حقا أن تستمر بعض الحروب سنوات، لكنها، في النهاية، تستنزف النفوس والفلوس، وتهدر الأموال والدماء. وفي هذا المقام، لم يكن ذلك بخطابهم وفعلهم وسياساتهم إلا فقدانا للبوصلة، وإعلانا لمعارك مستجدة في غير ميدان. وفي النهاية، ينعم العدو الحقيقي بالأمن والسلامة، وتنعم بلاد العرب بالخيبة والندامة. يمثل ذلك كله، بممارساته ومآلاته، تفكير الوهن والإهانة والمهانة، ويعبر عن عقليةٍ تجعل تلك المعارك المصطنعة والمفتعلة ميادين عملٍ لحروبٍ كلامية، ودوما تكون حروب اللسان سابقةً لحروب السنان. تبدو هذه الصورة وهذه العقلية في أننا نشكل، ومن كل طريق، أعداء لأنفسنا ومن أنفسنا، يمارس هؤلاء "حولا عربيا" واسعا، فنبدو كأننا ننظر إلى جهةٍ، ونعمل في جهة أخرى معاكسة، حتى باتت هذه الأمة "أمة صناعة الضرر" لنفسها، تنتهك كل الأعراف التي تتعلق بحفظ الكيان، وموجبات حفظ صلة الأرحام.
استيقظ الناس، في الآونة الأخيرة، على أزمةٍ في الخليج. اجتمعت دول أربع لتقطع علاقات 
وتحاصر إحدى الدول الصغيرة جوا وبحرا وبرا، تمنع الغذاء والدواء، كما تمنع البشر ومادة البناء، وبات الأمر كأنه يتشكل في شبه حروبٍ معلنةٍ مقدمة لمعارك طاحنة، وتبدأ الحروب الإعلامية في أشد درجات التدني التي تقطع الأرحام والصلات، وتجعل من المجتمعات كلأ مباحا تتغوّل على تماسكها وتواصلها خلافات السياسة والسياسيين، وأوهام العجرفة والصلف والكبرياء، وأفعال الكيد السياسي التى تتخطّى كل حدٍّ، وتنقض كل قيمة هذه هي الحال، معركة دبرت بليلٍ، لا يمكن أن تتبصر فيها مقدماتٍ عقلانية، تستند إلى حجج وبراهين، ولكنها تقوم على اتهاماتٍ وتهويمات، وبات كل شيء وكأنه سابق التصنيع، تحفّه كل أفعال التغرير والتزوير، والاختراق والاختلاق، وتقدّم كل ما يؤدي إلى التضليل والتزييف. ومن المؤسف حقا أن ترى، في الوقت نفسه، إملاءاتٍ إذعانية تحت عناوين مطالب، أقل ما يقال فيها أنها لا تمتلك المنطقية، ولا العقلانية ولا المقبولية، كأننا أمام منتصرٍ ومهزومٍ يملي فيه المنتصر كل الشروط، مطالبا بالإذعان الكامل من دون تعقيب، وكأنه قد أنجز انتصارا ساحقا، وألحق بالخصم والعدو المتوهم هزيمةً ماحقة. هكذا هو التصور الذي يعقده بعضهم ضمن هذه المعارك المتوهمة في ميادينها الفاجرة في أساليبها.
سنشاهد مع هذه المسائل المفتعلة والمنكرة مشاهد أخرى، يعبر فيها الكيان الصهيوني عن عربدةٍ منقطعة النظير، يستباح فيها الأقصى، وتُغلق أبوابه، فيمنع الاحتلال وجنوده صلاة الجمعة أول مرة بعد قرابة خمسين عاما. ومع ذلك، لم يحرّك هؤلاء من قادة وزعماء ساكنا، إلا تلك الدولة المُحاصَرة الصغيرة التى أصدرت بيانا حازما حاسما، تؤكد فيه خطورة ما يحدث في القدس، وفي حرمها المتمثل بالمسجد الأقصى، مدينا كل عربدةٍ للعدو الصهيوني، للعبث بمقدساته وحرماته، بينما يلوح الآخرون، المرة تلو المرة، بتصعيد الحصار والمقاطعات، والمطالبة بالامتثال والإذعان. لا أحد منهم يكلف خاطره، ليقدم شجبا أو استنكارا، أو حتى يصدر بيانا، بل نجد الساحة ممتلئةً عن بكرة أبيها بالمتصهينة العرب، في مؤتمراتٍ تحفّها المؤامرات. وفي مساحاتٍ لحروبٍ جديدة، يمارسون فيها حروب الكلام على صفحات "تويتر"، امتشق هؤلاء أسلحة السباب والهجاء. وأخطر ما يقال، في هذا المقام، ترويج التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتجريم زاعق فاضح لكل مقاومةٍ لهذا الكيان الصهيوني الغاصب، مثل "حماس" وأخواتها. وهنا، يمارس هؤلاء أقصى درجات الحول السياسي، بحيث يجعلون العدو حليفا، والحليف عدوا، يفتقدون أيا من مؤشرات البصيرة، كما تتوه منهم البوصلة وإرشادات الحركة.
ألم يقل أحد لهؤلاء إنهم، في كل مرة، يرتكبون الخطيئة الكبرى، حينما يصنفون الحليف في خانة الأعداء، والعدو في خانة الأصدقاء، ويخوضون المعارك ضد من لا يستحق، ويتركون العدو يمرح ويسرح في مساحات فرقتنا، حتى يتمكّنوا من مفاصلنا؟ ألم يخبر أحدٌ هؤلاء بأنهم يمارسون سياسات الهوى والمكايدة، ويفضلونها على سياسات الرشد والتعايش والمعايشة. هل يمكن أن تحفظ تلك السياسات أمن الخليج في مواجهة كل من يستهدفها؟ هل يمكن أن تبنى
العلاقات على سلسلةٍ من المغالطات، وعلى متواليةٍ من الاتهامات الزائفة، والادعاءات الكاذبة، والإملاءات الفاجرة؟ هل يمكن أن يبني ذلك استراتيجية حقيقية، يمكن أن تسهم في رفاهية الأوطان والشعوب، بدلا من التحريض والتصدير لكل ما من شأنه أن يوطّن لحال صراعات دفينة وعميقة وكراهية مقيتة، مرة تلو المرة، إنها سياسات "الحول العربي"، تتغافل عن المعارك الصحيحة، وتتوجه إلى المعارك الزائفة المفتعلة بلا ميدان، وتترك الأعداء يتمكّنون، يرسخ باطلهم، ويضفون شرعيةً على غصبهم وصلفهم وبطشهم. الخطاب العربي الراهن والسياسات المقترنة به يكشف عن عوار كبير، ليس فقط في واقعنا، بل أيضا في رؤية هذا الواقع وإدراكه، أين ذهبت البصيرة في بلادنا.. بل أين ذهب البصر؟
ألا يرى عموم الناس ما تفعله الأنظمة العربية كل يوم من مخازٍ ومآسٍ، حتى يتناسوا هذا كله، وينطلقوا في وهمية تنسج الأساطير وتبيع الأوهام، وتقلب الحقائق، يتضافر الفعل والخطاب اليوم ليرسما صورةً متكاملةً من مشهد "الحول العربي الكبير"، إنه (الحول) الذي أصاب النظر العربي منذ زمن، ولا يزال يتّسع أثره، ويزداد ضرره، وينتشر شرره.