"الجهاديون الأكراد"... صراع الانتماءين القومي والديني

"الجهاديون الأكراد"... صراع الانتماءين القومي والديني

20 يوليو 2015
تخطى مفهوم الجهاد الحدود القومية (فرانس برس)
+ الخط -
لا يبدو وضع الأكراد أفضل حالاً من عرب المنطقة؛ وعلى الرغم من تميّزهم بالخيارات اليسارية على مرّ تاريخهم، في العراق وإيران وتركيا وسورية، إلا أن للأكراد مشكلة جديدة، بدأت تنشأ على خلفية نموّ التيارات المتشددة في الشرق الأوسط، وهو ما استولد مصطلح "المجاهدين الأكراد".

يأتي "المجاهدون الأكراد" أساساً من هاورمان وحلبجة في إقليم كردستان العراق، التي تعرّضت في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين، لهجوم بالسلاح الكيماوي، وأيضاً من ولايات بينغول وأدايمان وباتمان في شرق وجنوب تركيا.

تشير الأرقام غير الرسمية، إلى أن تعداد المقاتلين الأكراد العراقيين في تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) و"جبهة النصرة" يراوح بين 500 و1000 مسلّح، وهو عدد أقلّ من عدد المجاهدين الفرنسيين مثلا الذين يبلغ عددهم الـ1500 مسلّح.

ويلفت مسؤول المكتب التنظيمي التابع للحزب "الديمقراطي الكردستاني" (بزعامة مسعود بارزاني) جعفر إبراهيم، إلى أن "القسم الأكبر من المجاهدين الأكراد في صفوف داعش تعود أصولهم إلى منطقة حلبجة". وينشط في الإقليم اليوم حزبان إسلاميان في الحياة السياسية: "الاتحاد الإسلامي الكردستاني" الذي يُعتبر الفرع الكردي لـ"الإخوان المسلمين"، و"الجماعة الإسلامية الكردستانية" ذات التوجه السلفي. وتنفي قيادات في الحزبين أي علاقة بتجنيد الشباب الكردي في الإقليم للقتال إلى جانب "داعش".

اقرأ أيضاً: تقسيم سورية

أما عن الأكراد السوريين والإيرانيين، وفي ظلّ غياب أي إحصائيات واضحة عن تواجدهم،  فإن جميع المؤشرات تؤكد أن وجودهم ضعيف جداً، وبرز الظهور الأول للأكراد السوريين في عمليات "جبهة النصرة"، على يد المجاهد أبو حمزة الكردي، الذي نفّذ العملية الانتحارية التي استهدفت وزارة الداخلية السورية في فبراير/شباط 2013. بعدها لم يعد يظهر للأكراد السوريين أي دور في التنظيمات السلفية الجهادية.

أما المصدر الرئيسي الأهم للمجاهدين الأكراد في صفوف "داعش" و"جبهة النصرة"، والذين أدوا دوراً هاماً في معارك مدينة عين العرب العام الماضي، فيأتي من مدينة بينغول، شرق الأناضول، التي يصل تعداد سكانها إلى 250 ألف مواطن، معظمهم من الأكراد الزازا (أكراد من أصول عرقية إيرانية).

وفي غياب الإحصائيات الرسمية حول تعداد المجاهدين من أكراد تركيا، الذين انضموا للتنظيمات السلفية الجهادية في سورية والعراق، تؤكد أرقام غير رسمية أن هناك ما يزيد على 600 مجاهد من أبناء مدينة بينغول وحدها، في صفوف "داعش" و"جبهة النصرة". علماً أن معظم من تحدثت معهم "العربي الجديد" من أبناء المدينة، يؤكدون أن "الأرقام أكثر من ذلك بكثير"، فضلاً عن الجهاديين من باقي الولايات الكردية كدياربكر وبيتليس وباتمان وأدايمان وغيرها، والذين يأتون بشكل أساسي من الجيل الثاني لـ"حزب الله" الكردي السلفي.

وفي القصص الحزينة التي تشهدها تلك المناطق، فقدَ فيليت باتر (73 عاماً من بينغول) الملقب بـ"العم تسبيحجي" (أي بائع السبح)، ابنه موسى فاتر (19 عاماً) بعد أن قُتل خلال مشاركته إلى جانب "داعش" في معارك سورية.

لا يتوقف العم تسبيحجي عن البكاء كلما تذكّر ابنه، قائلاً في تقارير تلفزيونية عديدة لوسائل إعلام تركية: "لقد قتلوا ابني وقتلوني. لن أسامحهم ما حييت"، قبل أن يوجّه اتهامه للحكومة التركية التي يقول بأنها "قصّرت في وضع سياسات واضحة لمنع انضمام الشباب إلى التنظيمات الجهادية". وكشف أن "الدولة تعرف بهم، وبأماكن تجمعهم، ولكنها تقول فليذهبوا إلى داعش وليموتوا هناك، لنتخلص منهم قبل أن يصيروا بلاءً علينا".

تُعتبر بينغول منطقة كردية محافِظة عموماً، ذات غالبية زازية، وإحدى أهم الخزانات التصويتية للأحزاب الإسلامية المحافظة التركية. كما أن أبناءها انخرطوا بقوة في قتال حزب العمال الكردستاني منذ ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. وخرج من صفوفهم عناصر وقيادات "حزب الله" الكردي السلفي، مثل حاجي بايانجوك، الذي حُكم عليه بالسجن مدى الحياة عام 2011، لإدانته في أعمال عنف دموية خلال حقبة التسعينات، والذي خَلَفَه في الحزب ابنه خالص بيانجوك، المعروف بـ"أبو حنظلة".

لكن رغم ذلك، فإن مشاركة بينغول كانت كبيرة في الثورات الكردية، مثل ثورة الشيخ سعيد بداية القرن الماضي، وأيضاً كان من بينغول بعض القيادات المؤسسة لـ"العمال" ومنهم محمد خيري دورموش ومحمد كاراسونغور ورسول ألتن أوك.

لا ينتمي جميع المنضمين للتنظيمات الجهادية إلى الطبقات الفقيرة، كحال العم تسبيحجي، فبعض المجاهدين الأكراد ينتمون إلى عائلات غنية ومن طبقات اجتماعية مثقفة، ومنهم أحد الأساتذة الليبراليين في جامعة دجلة في مدينة دياربكر، والذي رفض الكشف عن هويته، إذ خسر ثلاثة من أبنائه الذين انضموا إلى "داعش" في سورية.

وبلغ انقسام المجتمع الكردي التركي أوجه في التقارير الإعلامية التركية، التي تحدثت عن إحدى العائلات الكردية المتواجدة في مدينة أضنة الساحلية، التي خسرت اثنين من أبنائها، فأحد الأبناء قُتل وهو يقاتل في صفوف "وحدات حماية الشعب" التابعة لـ"العمال"، والثاني قُتل وهو يقاتل في صفوف "داعش" العام الماضي.

وتختلف الأسباب التي يسوقها الباحثون الأتراك والأكراد عن أسباب انضمام الشباب الكردي إلى التنظيمات الجهادية، فمنهم من يعيدها إلى "أزمة الهوية"، ومنهم من يعيدها إلى الفقر والتهميش كما هو الحال في بينغول، أو إلى سوء التعليم الديني.
كما يعيدها البعض إلى ردّات الفعل على "الإفراط في التركيز على المظلومية القومية الكردية والنزعات الأتاتوركية العلمانية، التي تسيطر على التيارات السياسية الكردية، والتي تسعى لتأصيل الهوية الثقافية القومية على حساب إنكار العامل الديني الإسلامي، الذي كان الأساس في تكوين هذه الهوية على مدى قرون".

ويعتبر البعض أن ما يجري هو "أمر طبيعي في إطار حصة الأكراد التي عليهم دفعها لصالح التنظيمات الجهادية، في ظلّ سوء إدارة الأحزاب الكردية لنفسها، وافتقادها للأطر الديمقراطية التي تتيح للشباب ممارسة دور فاعل في العملية السياسية وبالذات في كردستان العراق".

ويؤكد الأستاذ المساعد في جامعة بينغول، والذي درّس التطرّف في جنوب شرق تركيا خلال رسالة الدكتوراة، محمد كورت، لـ"العربي الجديد"، بأن "هناك خليطا من الديناميات الاجتماعية والتاريخية التي تغذي التطرف في بينغول". وأضاف أن "هناك عاملا لا يمكن إهماله وهو أزمة الهوية لدى الأكراد الزازا، والتي تعززت الفترة الماضية بدفع من الدولة، إذ يختلف الزازا على كونهم أكرادا أم لا، وفي نهاية الأمر، تنتصر الهوية الدينية على الهوية القومية بل ويتم العمل على تهميش الأخيرة". وتابع أن "إحساس الانتماء عند الأكراد مشوّش بين الانتماء القومي والديني، وبينما يبدو أمراً سهلاً بالنسبة للأتراك أن يعرّفوا أنفسهم على أنهم أتراك ومسلمون في آنٍ معاً من دون أي أزمات، إلا أنه بالنسبة للأكراد يكون تعريف أنفسهم على أنهم مسلمين، عقبة في وجه انتمائهم القومي، لعوامل تاريخية، وبسبب إصرارهم على مقاومة سياسات الاستيعاب التي تقودها الدولة التركية، المبنية على أساس الاشتراك في العامل الديني".

من جانبه، يؤكد مدير معهد العلوم الإسلامية في دهوك، محسن دوسكي بأن "الأزمة في كردستان العراق لا تتعلق بمناهج التعليم الديني في الأكاديميات، بل في قلّة معرفة وفهم بعض الأساتذة للقرآن وتفسيره، مما يفسح المجال أمام الأفكار المتطرفة".


اقرأ أيضاً: "داعش" يوصل بثّه الإذاعي إلى... كردستان