"الجمهوريون" الفرنسي أمام معركة انتخابية مصيرية: احتواء موجة ماكرون

"الجمهوريون" الفرنسي أمام معركة انتخابية مصيرية: احتواء موجة ماكرون

11 مايو 2017
الصورة
يريد "الجمهوريون" استعادة مناصريه الذين صوتوا للوبان(ريمي غابلدا/فرانس برس)
+ الخط -


بعد وصول إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه ونهاية مسلسل الاقتراع الرئاسي الذي كان فيه حزب "الجمهوريون" مجرد متفرج بعد إقصاء مرشحه فرانسوا فيون في الدورة الأولى، يحاول اليمين الفرنسي المحافظ تجاوز هزيمة الانتخابات الرئاسية المرّة ولملمة صفوفه استعداداً للانتخابات التشريعية المقبلة. وتشكّل هذه الانتخابات الأمل الوحيد المتبقي لكي يبقى اليمين المحافظ حاضراً في المشهد السياسي وتشكيل فريق برلماني قادر على الضغط والقيام بدور المعارضة. وأكد فرانسوا باروان، الذي عيّنته قيادة حزب "الجمهوريون" مسؤولاً عن إدارة دفة الانتخابات التشريعية، أن الاستحقاق المقبل "معركة سياسية مصيرية يجب ربحها بأي ثمن حتى لا تبقى الساحة حكراً على حركة إلى الأمام، وحزب الجبهة الوطنية".
وتبنّى المكتب السياسي لحزب "الجمهوريون" في اجتماع حضرته كل القيادات اليمينية والوسطية الثلاثاء الماضي، برنامجاً سياسياً جديداً للانتخابات التشريعية. واحتوى هذا البرنامج الذي أشرف عليه ايريك فورت، على خلاصة لأهم النقاط التي وردت في البرامج الانتخابية لفرانسوا فيون وللمرشحين المقصيين في الانتخابات التمهيدية ألان جوبيه ونيكولا ساركوزي، من أجل خلق إجماع واسع بين مختلف تيارات الحزب. ويشبه البرنامج الحالي وثيقة مصالحة سياسية، إذ إن مختلف أعضاء العائلة السياسية اليمينية يجدون فيه اقتراحات تناسبهم. ولم يهمل البرنامج الجديد حتى الوسطيين اليمينيين، وأدرج تعديلاً لمقترح فيون القاضي بإلغاء 500 ألف وظيفة في القطاع العام، يؤكد تنفيذ هذا المشروع خلال مدة سبع سنوات بدل تطبيقه بشكل فوري. ومن أجل استعادة ثقة الناخبين الفرنسيين بعد هزيمة الرئاسيات، تم التركيز على مقترح بخفض الضرائب على العائلات والشركات ورفع القدرة الشرائية.
ويأمل اليمين المحافظ في استرجاع ثقة شريحة كبيرة من ناخبي اليمين الذين صوّتوا لصالح مرشحة "الجبهة الوطنية" مارين لوبان بعد الفراغ السياسي الذي تركه غياب فيون عن الجولة الثانية من الرئاسيات، وأيضاً استرجاع الناخبين الذين نصحهم الحزب بالتصويت لصالح ماكرون من أجل قطع الطريق على لوبان. غير أن أكبر التحديات التي يواجهها اليمين حالياً هو احتواء "الزلزال الماكروني" ومحاولات الرئيس الفرنسي الجديد زعزعة الحزب باستقطاب عدد من شخصياته إلى الغالبية الرئاسية التي ينوي تشكيلها بعد الانتخابات التشريعية. وكان باروان قد وجّه تحذيراً الثلاثاء الماضي إلى كل الذين قد تستحوذ عليهم الرغبة في الالتحاق بمعسكر ماكرون، وأكد أن الحزب سيتخذ إجراءات طرد في حق كل عضو يلتحق بحركة سياسية أخرى.


والواقع أن حزب "الجمهوريون" يواجه مثل بقية الأحزاب الفرنسية الأخرى معضلة أساسية تتمثل في تحديد طريقة التعامل مع الرئيس الجديد وحكومته المقبلة. فإذا كان باروان وقسم من القيادة الحالية يدعون للتشبث بهوية الحزب المحافظة وتأدية دور المعارضة بالاقتصار على النظر إلى "الجانب الاشتراكي" من مشروع ماكرون السياسي، فهناك قسم آخر يريد دعم الجانب اليميني في أفكار ماكرون. وكان ألان جوبيه أعلن أنه لا يحبذ انتهاج الحزب لمعارضة "شرسة" ضد ماكرون، قائلاً: "لست متفقاً مع أولئك الذين يدعون إلى مواجهة مباشرة مع ماكرون وعرقلة منظّمة لولايته الرئاسية. فرنسا في حاجة لإصلاحات جوهرية ويجب العمل من أجل إنجاحها". التوجّه نفسه أعرب عنه زعيم الوسط اليميني جوفري ديديه الذي قال إن "ماكرون ليس هو (الرئيس المنتهية ولايته فرانسوا) هولاند كما يروج لذلك كثيرون. وعلى اليمين أن يبحث عن دور سياسي قوي ووازن قبل أن يبحث عن دور المُعارض. إذا كانت هناك اقتراحات حكومية إيجابية علينا ألا نتردد في دعمها". وهذا ما يعني أن قسماً من اليمين المحافظ واليمين الوسطي يرغب في مد يد المساعدة للغالبية الرئاسية في البرلمان، وعدم عرقلة مشاريع القوانين التي ستتقدّم بها حكومة ماكرون لتطبيق الإصلاحات التي وعد بها الرئيس الجديد في حملته الانتخابية.
وينتظر الحزب بترقب كبير إعلان ماكرون عن هوية رئيس الحكومة المقبل، وكل أمله ألا يكون شخصية يمينية معروفة، لأن تعييناً كهذا سيؤدي إلى مزيد من التقسيم ويهدد وحدة الحزب. وكان كزافييه برتران الذي حضر اجتماع المكتب السياسي الثلاثاء الماضي، نفى الشائعات التي راجت بقوة في اليومين الأخيرين حول اعتزام ماكرون تعيينه رئيساً لحكومته المقبلة. وكان من اللافت غياب برونو لومير المرشح السابق للانتخابات التمهيدية لليمين عن هذا الاجتماع وقيامه بترؤس اجتماع آخر في اليوم نفسه مع حوالي 40 نائباً يمينياً من المقربين إليه. وكان لومير قد أعلن في أكثر من مناسبة استعداده للعمل إلى جانب ماكرون، وهو يأمل في أن يقود الحكومة المقبلة. لكن ماكرون ما يزال حتى الآن يرفض الإفصاح عن هوية رئيس الوزراء المقبل، ويعمل بتكتم شديد حول تشكيلة حكومته التي يُفترض ان تضم 15 وزيراً وعدداً غير محدد من الوزراء المنتدبين، على أن يعلنها الاثنين المقبل غداة مراسم تسلّم السلطة من هولاند.
يُذكر أن اليمين المحافظ والوسط اليميني فازا بـ225 مقعداً برلمانية خلال الانتخابات التشريعية عام 2012، على الرغم من فوز هولاند آنذاك بالانتخابات الرئاسية، وشكّلا القوة السياسية الثانية بعد "الاشتراكي". ويصبو اليمين الآن إلى تحقيق هذه النتيجة على الأقل لأن الرهان في السباق الحالي هو المحافظة على وحدة الحزب والصمود أمام الزلزال الذي أحدثه فوز ماكرون بالرئاسيات، وعزم هذا الأخير على إعادة تشكيل الحياة السياسية الفرنسية حول غالبية رئاسية جديدة. كما أن الرهان مالي أيضاً، لأن عدد الأصوات التي سيحصل عليها مرشحو الحزب في الدورة الأولى من التشريعيات في يونيو/حزيران المقبل، هي التي ستحدد سقف التمويل الذي تمنحه الدولة للأحزاب، علماً أن حزب "الجمهوريون" يعاني من عجز مالي يبلغ 55 مليون يورو.

المساهمون