"التصويت الذكي" لأنصار نافالني يهزّ عرش حزب بوتين

"التصويت الذكي" لأنصار نافالني يهزّ عرش حزب بوتين

13 سبتمبر 2020
الصورة
مواطن روسي يقترع في كوستروما (Getty)
+ الخط -

في اختبار جديد لمدى قدرة المعارضة على الوقوف في وجه مرشحي الكرملين وحزب "روسيا الموحدة" الحاكم، بدأ نحو 44 مليون روسي التصويت بدءاً من أول من أمس الجمعة، على أن يستكمل اليوم الأحد، في انتخابات محلية لاختيار حكام 18 مقاطعة ومحافظة وجمهورية ضمن الاتحاد الروسي. وتنظم الانتخابات لاختيار برلمانات محلية في 11 مقاطعة، ومجالس في 22 مدينة، إضافة إلى انتخاب أربعة نواب لمجلس الدوما (البرلمان) الروسي، لملء شواغر بسبب انتقال بعضهم للعمل في مواقع أخرى أو استقالتهم. وتنظم الانتخابات في ظل تراجع شعبية حزب "روسيا الموحدة" ومخاوف جدية لدى صنّاع السياسة الداخلية في الكرملين من هزيمة أخرى تضاف إلى النتائج السيئة في العامين الأخيرين في الانتخابات المحلية، التي أضعفت تمثيل حزب السلطة في إقليم خاباروفسك شرقي البلاد، إضافة إلى مدينتي موسكو وسانت بطرسبرغ. وعلى الرغم من توظيف الكرملين كل إمكاناته من أجل ضمان فوز مرشحيه لحكام المناطق، إلا أن المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، لم يستبعد أول من أمس الجمعة، اللجوء إلى جولة ثانية في مقاطعتي إيركوتسك (شرق) وأرخانغلسك (شمالي غرب) لحسم النتائج. في المقابل، تأمل المعارضة في تحقيق اختراقات في أربع مقاطعات على صعيد الحكام، وتراهن على نتائج طيبة في انتخابات المجالس في نوفوسيبيرسك، ثالث أكبر مدينة روسية.


تأمل المعارضة في تحقيق اختراقات في أربع مقاطعات

وتمثل الانتخابات "بروفة" ثالثة وأخيرة قبل انتخابات عامة مفصلية في مجلس الدوما العام المقبل، لاختبار البرامج والتقنيات السياسية الأفضل للفوز. واللافت أن الانتخابات تُنظّم في غياب المعارض الأبرز للكرملين أليكسي نافالني، بعد تعرّضه للتسميم في 20 أغسطس/آب الماضي، بحسب أنصاره والسلطات الألمانية، أثناء عودته من رحلة للتحضير للانتخابات في سيبيريا. وفي مقابل الإمكانات الحكومية والمالية الضخمة المخصصة للانتخابات من قبل "روسيا الموحدة"، يسعى أنصار نافالني إلى "تصفير" تمثيل حزب السلطة في المجالس والبرلمانات المحلية، على حد تعبير كيرا يارميش، المتحدثة باسم "صندوق مكافحة الفساد" الذي يديره نافالني.

التصويت الذكي
تعتمد خطة أنصار نافالني على "التصويت الذكي"، وهي استراتيجية أطلقها فريق المعارض الليبرالي خريف 2018، بهدف حرمان حزب "روسيا الموحدة" من الفوز بالانتخابات والاستفادة من تشتت الأصوات المعارضة. وبدأ العمل عملياً وفق مبدأ "التصويت الذكي" في انتخابات 2018، وحينها وضع نافالني هدفاً يكمن في توحيد الأصوات الاحتجاجية في انتخابات حاكم سانت بطرسبرغ، وإلحاق الهزيمة بمرشح السلطة في خاباروفسك وبريمورسك لمنصب الحاكم، وإبعاد مرشحي "روسيا الموحدة" من المجلس المحلي وبرلمان خاباروفسك. وفي حين أخفق في المهمة الأولى بفارق ضئيل، فإنه نجح بشكل لافت في المهمتين الأخريين، ما شجعه على المضي في خطته، وإلحاق الهزيمة بمرشحي "روسيا الموحدة" في مجلس العاصمة موسكو العام الماضي، ففقد الحزب الأغلبية المطلقة في المجلس، وفازت المعارضة بنحو 20 مقعداً من أصل 45، بعدما كان "روسيا الموحدة" مهيمناً منذ عام 2014 على 40 مقعداً.

ولجأ مرشحو الحزب الحاكم إلى الترشح فردياً في محاولة للفوز، لكنهم فشلوا بسبب استراتيجية "التصويت الذكي"، التي لاقت استحساناً عند الناخبين ذوي المزاج الاحتجاجي. وانطلق نافالني من فكرة أن "الأحزاب لا تستطيع التوافق على مرشح موحد ضد روسيا الموحدة، وفي المقابل نحن مختلفون لكننا نتّبع سياسة واحدة: نحن ضد احتكار روسيا الموحدة، والباقي هو عبارة عن حسابات رياضية، وإذا صوتنا جميعاً للمرشح الأقوى من مرشحي المعارضة فسوف يربح، ويخسر مرشح حزب روسيا الموحدة".


يسعى أنصار نافالني إلى "تصفير" تمثيل حزب السلطة في المجالس والبرلمانات المحلية

وبعد نجاح التجربة أغلقت هيئة الرقابة على الإعلام موقع "التصويت الذكي" بسبب اتهامات بخرق حق استخدام البيانات الشخصية، وحينها عزت الهيئة القرار إلى عدم تحديد سياسة واضحة للخصوصية واستخدام البيانات. وحسب الموقع الرسمي للتسجيل، فإن "التصويت الذكي هو أفضل جواب على تصفير عداد الرئاسة بالنسبة للرئيس فلاديمير بوتين. وبتجميع الأصوات الاحتجاجية، يمكن أن ننتصر في الانتخابات على مرشحي روسيا الموحدة ونحرمه من أهم نقاط قوته". وبمجرد التسجيل في موقع "التصويت الذكي" أو أي من التطبيقات التابعة له على أنظمة تشغيل الهواتف الذكية ومنصة "تلغرام"، يكفي تحديد العنوان من أجل معرفة الشخصية الأوفر حظاً في مواجهة مرشح حزب "روسيا الموحدة" الحاكم، ثم يقوم الفريق بتوجيه النصيحة بالتصويت لهذا المرشح بغض النظر عن توجهاته الحزبية، بهدف منع تشتيت الأصوات بين المتنافسين الآخرين.

وفي مقال نشره على موقع "في تايمز" الإلكتروني، أكد العالم في السياسة عباس غاليموف أن "التصويت الذكي هو الأداة الأكثر فاعلية لمواجهة أهم أداة سياسية بيد السلطات وهي التحكم بنظام تسجيل المرشحين، ومبدأ التصويت الذكي ينطلق من أن الناخبين أصحاب المزاج الاحتجاجي لا يجلسون في البيت، بل يقصدون المركز الانتخابي للتصويت لمرشح واحد هو الأكثر إزعاجاً للسلطات". ومع إشارته إلى أن فكرة نافالني أرّقت السلطات وأن استمرار نجاحها يشكل خطراً على الانتخابات البرلمانية العامة في 2021، خلص غاليموف إلى أن للسلطات مصلحة كبرى في تسميم المعارض الليبرالي لأنه "عملياً السياسي الوحيد الذي يمكن أن يعطل على الكرملين مخططاته بالفوز بانتخابات 2021".

الانتصار من أدنى إلى أعلى
معلوم أن نافالني كان في جولة في نوفوسيبيرسك منتصف الشهر الماضي، بهدف الترويج لفكرة "التصويت الذكي" في ثالث أكبر مدينة في روسيا، وأعد تقريراً ميدانياً عن الفساد المستشري في المدينة، وأكمله رفاقه في "صندوق مكافحة الفساد"، بعد نقله إلى مستشفى في مدينة أومسك في 20 من الشهر الماضي، في حالة إغماء ناتجة حسب السلطات الألمانية ومقربين منه عن تسميمه بمادة مطورة من غاز "نوفيتشوك" للأعصاب. وفي التقرير الذي أكملته كيرا يارميش، وعُرض نهاية الشهر الماضي، يظهر نافالني وهو يشرح كيفية الفوز بمقاعد البرلمان والمجلس المحلي في عاصمة سيبيريا، عبر كسب أصوات نحو 122 ألف ناخب وهو رقم من السهل الوصول له، حسب المعارض، في حال تم توجيه الأصوات المتفرقة بين مرشحي المعارضة للاتفاق ضمن قائمة واحدة، ودعم مرشحين مستقلين وجذب قسم قليل ممن لا يصوتون عادة. مع العلم أن عدد الناخبين الإجمالي يصل إلى 1.2 مليون ناخب، يعاني معظمهم من فساد السلطة ويرغب بالتخلص من ممثليها.

ولإقناع الناخبين بأهمية صوتهم وتحفيزهم على المشاركة، أشار نافالني إلى أن السلطات عمدت منذ 20 عاماً إلى الإيحاء بأن من يدير الأوضاع هو الكرملين ومجلس الدوما (البرلمان)، وأن الانتخابات المحلية ليست مهمة، ما جعل الناخبين يعزفون عن المشاركة. وشدّد على أن هذه الفكرة خاطئة وأن "أساس النظام الذي بناه بوتين يعتمد كثيراً على السيطرة على برلمانات ومجالس المقاطعات والمناطق، وحكامها من أجل تزوير نتائج الانتخابات، وتنفيذ سياسات الكرملين". ورأى أن أكبر خطر يكمن في سيطرة المعارضة على المجالس والبرلمانات المحلية، ما يعني منع سيطرة الكرملين على اللجان الانتخابية المحلية وبالتالي عدم حصول تزوير في الاستحقاقات المقبلة. واستشهد المعارض بأنه بعد إخراج "روسيا الموحدة" عملياً من مجلس وبرلمان مقاطعة خاباروفسك في 2018 بسبب "التصويت الذكي"، فإن نسبة تأييد التعديلات الدستورية كانت منخفضة جداً.


أساس النظام الذي بناه بوتين يعتمد كثيراً على السيطرة على برلمانات ومجالس المقاطعات والمناطق

يُذكر أن الانتخابات المحلية الحالية هي الأخيرة قبل انتخابات الدوما في خريف العام المقبل، وهي انتخابات مفصلية مهمة بالنسبة للكرملين، نظراً لرغبته في المحافظة على الأغلبية الدستورية لإقرار أي قوانين أثناء انتقال السلطة في 2024، وضمان فوز بوتين بنسبة مرتفعة، في حال قرر البقاء أو تحقيق فوز مقنع لأي خليفة محتمل في حال قرر مغادرة منصبه، إضافة إلى تجريب عمل النظام السياسي بعد التعديلات الدستورية الأخيرة.

وفي تصريحات سابقة منذ نحو شهرين، أكد نافالني أن حجم المشاركين في نظام "التصويت الذكي" يقدر بمئات الألوف، مشدداً على أنه في حال انضمام ملايين عدة، فإن التوجيه الصحيح للأصوات سيؤدي إلى كسر هيمنة "روسيا الموحدة" على كثير من المجالس والبرلمانات المحلية، وإبعاد حكام المقاطعات المدعومين من الكرملين.

وعلى الرغم من أنه أثبت فاعليته، لا يحظى "التصويت الذكي" بتأييد واسع من قبل المعارضين. ورأى المعارض، الملياردير السابق ميخائيل خودروكوفسكي أنه "من الأفضل التصويت فقط للمرشحين الذين يستحقون ممن يعلنون بوضوح موقفهم ضد القمع وتلفيق تهم جنائية لأغراض سياسية". وحدد موقفه في أكثر من مرة بأنه "في حال عدم وجود مرشحين تنطبق عليهم هذه المواصفات، فيجب إبطال البطاقة الانتخابية والكتابة عليها: الحرية للمعتقلين السياسيين". كما عارض المعارض المهاجر، بطل العالم السابق في الشطرنج غاري كاسباروف الدعوة إلى التصويت لأحزاب المعارضة "المدجنة"، وقال إنهم لن يتصرفوا ضد الكرملين. لكن نافالني أشار في أحد مقاطع الفيديو منذ أشهر إلى أن الشيوعيين في الدوما على سبيل المثال عارضوا موضوع إصلاحات التقاعد، وموضوع تعديل الدستور.

من الواضح أن الكرملين استعد للانتخابات الحالية، عبر ضخ ثلاثة أحزاب جديدة سجلت بداية العام الحالي، وطرح عدداً من مرشحيه كمستقلين في سابقة في المقاطعات، إضافة إلى تنظيم جولات للوزراء، بمن فيهم رئيس الحكومة للمقاطعات في الشهر الأخير من أجل دعم مرشحي السلطة في المنافسة على منصب حكام المقاطعات والمجالس والبرلمانات المحلية. ومن المؤكد أن نتائج الانتخابات الحالية سوف تشكل محطة مهمة لمراجعة البرامج والتقنيات الواجب استخدامها العام المقبل في انتخابات الدوما، فالانتخاب الذكي أمام اختبار البرامج والتقنيات السياسية التي طورها خبراء السياسة في الكرملين للمحافظة على النظام القائم، ومنع المعارضة من زيادة تاثيرها، وسط تحذيرات منظمة "غولوس" من التزوير، ومطالب بتشديد العقوبات على القائمين به.

المساهمون