"التراث غير المادي": خارطة طريق أردنية

26 فبراير 2018
الصورة
(صناعة خبز "الطابون" في الأردن، موقع مديرية التراث الأردنية)
منذ مطلع الألفية الثالثة ومع مصادقة الدول العربية على "اتفاقية صون التراث غير المادي" التي اعتمدتها "اليونسكو"، ازداد الاهتمام بكلّ ما يندرج تحت إطار هذا المفهوم بغية توثيقه والحفاظ عليه، لكن الالتباس ظلّ قائماً حوله في مستويات متعدّدة.

بدا مفترضاً أن تسجيل تعبيرات هذا التراث من عادات وتقاليد، وفنون شعبية، وممارسات اجتماعية، ومعارف متعلّقة بالطبيعة والكون، وحرف تقليدية، كما حدّدتها المنظّمة الأممية، من أجل ضمان استدامته التي تتأتى في جانب مهمّ منها عبر تأصيله وفق منهجية علمية.

الرعاية الرسمية اتّخذت منذ بدايتها بعداً دعائياً تمثّل في ذلك التنافس المحموم بين الحكومات العربية لتوثيق تراثها غير المادي، وما يرافق ذلك من عملية تعبئة للمشاعر والذاكرة الوطنية، وإبراز دورها في حمايته، من دون الانتباه إلى خطورة التعامل مع التراث باعتباره تركة من الماضي لا تستعاد إلا كـ"فولكلور"، وهو يتطابق مع نظرتنا إلى تراثنا المادي أيضاً.

انطلقت مسوحات التراث غير المادي في أكثر من بلد عربي، وتمّ تدوين مخرجاتها في كتبٍ تمثّل "متاحف" افتراضية بموازاة المتاحف التي تضمّ ما بقي من آثار المنطقة، وبالطريقة نفسها فإن تلقّي هذه المعرفة ينحصر بمن سيصل إليه الكتاب، تماماً مثل المتحف الذي لا يعني شيئاً لغير زوّاره، بينما تغيب الوظيفة الأساسية التي تربط الإرث الحضاري للأمم بالمدرسة والجامعة والبحث العلمي وتنمية المجتمع المحلي.

ليس بعيداً عن هذه التوجّهات، صدرت عن وزارة الثقافة الأردنية مؤخّراً نتائج البحث الميداني في ثلاث محافظات؛ الكرك والبلقاء والزرقاء، ضمن "المشروع الوطني لحصر التراث غير المادي"، في ثلاثة مؤلّفات تحتوي على "المطبخ التراثي والأزياء وفنون الأداء، والألعاب التراثية، وسبل العيش الحر كتربية الأغنام وخلافه، أو حرف يدوية تقليدية؛ لتشكل أرشيفاً وطنياً يفيد منه الدارسون ويظلّ حكاية الإنسان الأردني على مرّ عقود من الزمان"، بحسب مقدّمته.

لم تتضمن الكتب إشارة إلى منهجية البحث التي استخدمت في عملية المسح، وفرضيته وخطته وكيفية تحليل نتائجه وتحديد تعريفات للمصطلحات المستخدمة، والتي ربما سار عليها الباحثون في عملهم لكن لم يجر تثبيتها، أو أنها لم تُوضع أساساً.

لكن ذلك لا يحجب كم البيانات والمعطيات التي تمّ استخلاصها، حيث سنجد في كلّ كتاب منها خمسة فصول؛ يتناول الأول شروحات للعادات المرتبطة بالولادة والزواج والموت والأعياد الدينية الإسلامية والمسيحية وآداب السلوك والصناعات الغذائية والحلويات الشعبية والقهوة والقضاء العشائري، وأشكال التعبير الشفهي متمثلة في الأساطير والحكايات الخرافية والأمثال الشعبية والألغاز والقصائد والأشعار والتعويذات والأدعية، ويتناول الثاني الفنون بما تضمّه من أغانٍ وآلات موسيقية وألعاب شعبية وملابس وأزياء ومجوهرات وحلي.

ويتطرّق الفصل الثالث إلى الطقوس متجسدة في الممارسات الاجتماعية والأدوات والمعدّات، ويناقش الرابع المعارف والممارسات المتعلّقة بالطبيعة والكون مثل الكائنات فوق الطبيعية (الجن والأرواح) والمعتقدات الشعبية والعلاج الديني والتشاؤم والتفاؤل والسحر والحسد، والمعارف المتعلّقة بالحيوانات وأمراضها وعلاجها، وتلك المرتبطة بالنباتات، والطب الشعبي، ومواسم وفصول السنة.

في الفصل الأخير عرض للمهارات المرتبطة بالفنون الحرفية والمهن التقليدية، حيث الصناعات والحرف اليدوية وبناء البيوت والمهن التقليدية مثل الحلاق والدواج (التاجر المتجول) والمختار (مكلّف من الدولة بتسيير معاملات الناس قديماً) والجابي والبقال والعطار.

رغم غياب الجانب المتعلّق بوصف التطوّر الذي طرأ على كلّ مكوّن تراثي وقراءته في سياق السلوك اليومي الجمعي، لكن ما جرى مسحه يشكّل مادة أولية يستطيع الباحث أن يستند إليها ضمن مجالات عدة في الدراسات الثقافية واللغوية والتاريخية.

دلالات