"الاستثنائية" الأميركية بعد حربين على "الإرهاب"

"الاستثنائية" الأميركية بعد حربين على "الإرهاب"

28 سبتمبر 2014

قاومت المجتمعات ذات التاريخ الطويل النموذج الأميركي (Getty)

+ الخط -

لم يكن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ليجد مناسبة أفضل من الذكرى الثالثة عشرة لأحداث "11 سبتمبر"، ليعلن استراتيجيته ضد "داعش" والجماعات المتطرفة الأخرى، إذ تحمل الذكرى في مستوى الرمز ما يخدم حرباً أميركية جديدة على "الإرهاب". ومجدداً، يصبح حلف دولي تقوده الولايات المتحدة أحد أهم العوامل التي ترى فيها إدارة أوباما ضمانا لنجاح استراتيجيتها المعلنة.

أحداث "11 سبتمبر" التي هزت في العام 2001 نيويورك وواشنطن، كانت قد هزت معهما وجدان الشعب الأميركي. ولم ير الأميركيون، في ذلك اليوم المشؤوم، اعتداء على حياتهم وأمنهم واستقرارهم واقتصادهم وحسب، بل استشعروا فيه، أيضاً، اعتداء على قيمهم الأميركية نفسها. وبدا حينها أن ثقة الأميركيين في "استثنائيتهم" تزعزعت.

تلك "الاستثنائية" التي طالما اعتبروها سمة ميزت الطابع الأميركي منذ العام 1620، لحظة وصول نساك سفينة ماي فلور الفارين من الاضطهاد الديني إلى العالم الجديد، الممنوح لهم من الرب، ليحتفلوا، في عامهم التالي، بعيد شكرهم الأول، مروراً بعهد الآباء المؤسسين، وصولاً إلى اليوم الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة قوة فوق عظمى. حتى فرنسيس فوكوياما، أحد المنظرين للخطاب المعاصر حول "نهاية التاريخ"، رأى في استثنائية أحداث "11 سبتمبر" خطرا على "الاستثنائية" الأميركية نفسها، باحثاً عن ملامح انبعاث أميركي جديد.

صحيح أن الإرهاب، هذه المرة، لم يطل عمق الأراضي الأميركية، لكنه مرشح لذلك، بعد أن جز رقاب مدنييْن أميركيين بكل وحشية. لكن تلك الوحشية "الداعشية" لم تقل همجية عن قتل وإحراق أكثر من 700 هندي أحمر من قبيلة بيكووت، وتدمير قريتهم على يد المستوطنين المتطرفين الذين رست بهم أولاً، في خليج ماساشوسيتس في العام 1630، السفينة أرابيلا التي حملت، على متنها، كل استعلاء أوروبي ممكن، حضاري وديني، اختصرته عبارة "الرب سيمجدنا".

وأمام إرهاب "القاعدة" بالأمس، وإرهاب "داعش" اليوم، يسيطر على الأميركيين عدم القدرة على فهم ما يعتقدونه اعتداءً على الحرية والديمقراطية وقيم العالم الحر التي حملوا على عاتقهم، كما يعتقدون، مهمة التبشير بها، وتصديرها من خلال النموذج الأميركي.

الولايات المتحدة الأميركية التي تأسست بدايةً عبر التطرف الديني الهارب من "فساد" المجتمع الأوروبي، والباحث عن النور الإلهي في العالم الجديد، حاولت تصدير نموذجها، كما فعلت روما في القرنين الأول والثاني الميلاديين، عبر ما بات يعرف بالسلام الروماني، فكانت القوة صفة ملازمة للسياسة الخارجية الأميركية بعد أن أصر المجتمع السياسي الأميركي على لفظ أي واقعية أخلاقية. وإذا كان رينولد نيبور قد أعتقد أن ممارسة الإنسان العدالة تجعل من الديمقراطية أمراً ممكناً، وأن ممارسته الظلم تجعل منها ضرورة، فالمفارقة أن استراتيجيات الولايات المتحدة أسهمت، إلى حد بعيد، في جعل الديمقراطية لدى شعوبٍ كثيرة ضرورةً تحتاج إلى دفع أثمان باهظة. لم يفلح الأميركيون في لعب دور المخلص، ولم يكونوا كما أرادوا، حراساً جيدين لمفهومهم عن الحكم الجيد.

غير أن النموذج الأميركي ما فتئ يلقى المقاومة، وبالقدر الذي يحاول فيه الأميركيون تصديره، ترفضه المجتمعات ذات التاريخ الطويل، والتي تُعتبر ذاكرتها الجمعية أساسا لهويتها. وكان عسيراً على الأميركيين أن يفهموا التناقض الناشئ بين منطقي الذاكرة والاختيار، أسلوبين مختلفين لحياة الجماعة/الأمة. فالولايات المتحدة تعتبر نفسها جماعةً اختارت نفسها بنفسها أكثر من اعتبارها أمةً ذات ذاكرة مشتركة، والحديث هنا يدور عن "العقد"، أي قواعد التفاهم التي توصلت إليها الجماعات التي توافدت على أميركا في خمسة قرون خلت، من دون الاعتماد على تراث واحد بعينه. وربما لهذا السبب، تلقى فكرةُ "التحالف الدولي" الذي نجحت الولايات المتحدة، مراتٍ، في حشده وراء حملاتها العسكرية، حماسًا من الأميركيين، باعتباره ينسجم مع ثقافتهم السياسية عن قيام المجتمع السياسي على "عقد"، يقبله طوعاً كل مواطن، ومع مفهومهم عن مجتمع الاختيار الحر.

كتب الفيلسوف جون لوك، مرة، "في البدء كان العالم أميركا"، معلنا بذلك "استثنائية" أميركية، كرسها لاحقاً مفكرون ارتحلوا الى العالم الجديد، من ألكسي دي تكتوفيل إلى اللورد برايس، استمدت عناصرها من الاستقلال، مرورا بالأمن الذي وفرته الجغرافيا، حيث دول جوار ضعيفة ومحيطان عظيمان، مع مساحة شاسعة بموارد غنية، وانتهاء بنظامٍ سياسيٍّ، يلح على أهمية الأفراد، وأن بمقدورهم التقدم بفضل امتيازاتهم. حتى أوروبا لم تستطع انتخاب رجل أسود كي يقود العالم. لكن ما يثير حفيظة الأميركيين أن الثورة الأميركية التي ألهمت أوروبا القرن الثامن عشر لم يكن لها صدى يذكر في ثورات القرن العشرين، بل استلهمت غالبيتها قيمها من تعاليم ماركس وأنجلز ولينين، وكانت أبعد عن التعاليم الليبرالية الأميركية، بقدر ابتعاد الأميركيين أنفسهم عن مبادئ ثورتهم، وحتى ما يعرف اليوم بـ "ثورات الربيع العربي"، فهي وإن فقدت ذلك الطابع اليساري، فإنها لا تمثل توجهات ليبرالية حقيقة.

ومع أن بروز الولايات المتحدة قوة عظمى، بعد الحرب العالمية الثانية، ترافق مع تشكل الكيانات فوق القومية وتعزيزها، ممثلة بالأمم المتحدة والهيئات الدولية الأخرى، فإن المشاركة الدولية للولايات المتحدة في شؤون العالم لم تعد منسجمة مع المعايير الدولية، لا سيما بعد انهيار المعسكر الشيوعي. والتعارض، اليوم، على أشده، طالما أن هذه الكيانات تقتضي التخلي جزئياً عن أساس مهم للهوية الوطنية، وهو السيادة، ما لا ينسجم مع المنطق الأميركي. وقد بررت الولايات المتحدة، مراتٍ، عدم التزامها بالمواثيق الدولية، مثل بروتوكول "كيوتو" أو "المحكمة الجنائية الدولية"، بداعي حاجة تلك المواثيق إلى التطوير، أو بحجة متطلبات وضعها العالمي، وما يترتب عليه من "مسؤوليات". داخلياً، تبدو الولايات المتحدة دولة مليئة بالمتناقضات، فمهما حاول المرء التوصل إلى خاصية أميركية حقيقية، فسرعان ما يكتشف أن نقيضها، أيضاً، خاصية أميركية، بحسب تعبير عالم النفس إريك إريكسون.

بالإضافة إلى ما تلقاه سياسة "الحلف الدولي" في المجتمع الأميركي من ترحيب، بفضل قيم المجتمع الأميركي نفسه، فإنها، أيضاً، باتت تكتيكاً أميركياً، لتجنب خسارة مماثلة للخسارة في فيتنام. هناك، حيث كان كل تفصيل قد رسم بدقة، لكن النتيجة النهائية كانت قد صدمت الأميركيين: خسرنا الحرب! هكذا كانت التجارب الأميركية تكتيكاً ناجحاً واستراتيجية فاشلة. ويعود ذلك، في أحد أهم جوانبه، إلى النزعة البراغماتية المسيطرة على السياسة الأميركية، وكانت قادرة على رؤية التفاصيل، لكنها كانت عاجزة عن رؤية الصورة الكلية. ولهذا، أخفقت الولايات المتحدة في القضاء على "القاعدة"، فالنجاح التكتيكي في القضاء على قواعد التنظيم في أفغانستان لم يؤد إلى نجاح استراتيجي في تفكيكه نهائياً، بل انتشرت "القاعدة" كالوباء، لتضع بيوضها شرقاً وغرباً، فتتكاثر فروعاً جديدة، وتعلن الولاء لها جماعات متشددة، وتنشق عنها جماعات أكثر تطرفاً. واليوم، لا توجد ضمانات حقيقية لنجاح استراتيجية الولايات المتحدة في حربها ضد "داعش"، مهما بدت تكتيكاتها ناجحة.

للحيلولة دون زعزعة الثقة بـ "الاستثنائية" الأميركية، يندفع الأميركيون وراء منطق إظهار القوة. أمس، وراء المحافظين الجدد، واليوم، خلف باراك أوباما الأكثر تردداً، والذي انتخب على أساس وعوده التي كان منها ألا حروب أميركية جديدة. وفي الحالين، فإنها المغامرة الاقتصادية ذاتها التي توازي تلك المغامرة العسكرية، والتي ستجعل أميركا أكثر فقراً، طالما كانت مدفوعات الديون الأميركية (كما رأى باراج خانا) تتخطى مقدار الاستثمار الذي تتلقاه، ما يعني استنفادها الثروة المدخرة للجيل الأميركي القادم، لا سيما مع حربٍ جديدة، قد تستمر ثلاث سنوات قابلة للتجديد.

ليس هدفنا التشكيك في "الاستثنائية" الأميركية، فمن حق الأميركيين أن يشعروا بها دائماً. لكن، عليهم فقط أن يدركوا أنها غير معدة للتصدير، مهما رأوا في نموذجهم سعادة الجنس البشري. إن أي انبعاث أميركي جديد، بعد حربين دوليتين على "الإرهاب"، بات رهناً بالاختيار بين قيادة عالم أكثر عدالة، وبالتالي أكثر أمناً واستقراراً، وقيادة عالم محكوم بسياسة الفوضى وفوضى السياسة. وما يجعل حسم الاختيار ممكناً، أن تستطيع الولايات المتحدة حل التناقض بين ديمقراطيتها الداخلية و"مسؤولياتها" الإمبريالية.