"الأرض المرتفعة": الوجه القبيح للاستعمار

01 ابريل 2020
الصورة
"الأرض المرتفعة": من أعمال العنف الاستعماري (الملف الصحافي للفيلم)
بعد أفلام وثائقية وحلقات تلفزيونية عدّة، وفيلم روائي واحد حقّقه قبل 20 عاماً، أنجز الأسترالي ستيفن ماكسويل جونسون "الأرض المرتفعة". أحداث الأول، "الصبي يولنغو" (2001)، دارت حول حياة وأحلام ومستقبل 3 صبيان من السكّان الأصليين في أستراليا. "الأرض المرتفعة" عاد مُجدّداً إلى السكّان الأصليين (يولنغو)، سارداً أحد الفصول القبيحة من التاريخ الاستعماري ضدهم.

الاستعمار، بقبحه وتطهيره العرقي المُمنهج ضد السكّان الأصليين في بقاع الأرض، مادة ثرية وصادمة في أفلام سينمائية كثيرة. يصعب القول إنّ ما صُنع كَشَف الحقائق كلّها، أو أهمّها، فتنتفي الحاجة إلى المزيد. العكس صحيح. ما أُنجز غير كافٍ. لكنّ له، على الأقلّ، إسهاما ثقافيا في التعريف بما فعله الاستعمار في تلك البقاع، بفضحه ممارسات كثيرة أدّت إلى إبادة أعراق عدّة في العالم، وطَمْس هوياتها وثقافاتها وتراثها.

الأفلام المصنوعة عن الاستعمار البشع، والممارسات العنيفة ضدّ السكان الأصليين في أستراليا، قليلة جداً، بما في ذلك تلك التي تناولت حياتهم وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، في ظلّ وجود المستوطن الأبيض وهيمنته. النزاعات الدموية العنيفة بينهم وبين المستوطنين البيض استمرّت نحو 150 عاماً. لذا، تبرز أهمية أفلام كـ"الأرض المرتفعة"، لتسليطها ضوءاً على تاريخ منسي، وتذكيرها بثقافات ولغات وعادات وتقاليد اندثرت، أو ستندثر.



في "الأرض المرتفعة" ـ المُشارك في برنامج "عروض خاصة" في الدورة الـ70 (20 فبراير/ شباط ـ 1 مارس/ آذار 2020) لـ"مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله)" ـ وظّف ماكسويل جونسون البيئة المحيطة خير توظيف. منذ المشهد الافتتاحي، تظهر لقطات علوية خلابة للجمال الساحر لمناطق شاسعة، تتقاطع فيها الصحراء مع الغابة، والجبال الشاهقة مع التكوينات الصخرية الحمراء، والوهاد مع الأنهار والبحيرات الفيروزية التي تمرّ بها. 
يبدو أنْ ستيفن ماكسويل جونسون لم يُغرم بأماكن التصوير وروعة المناظر. فما يظهر أكثر من غيره كامنٌ في اهتمامه الشديد بأصالة فيلمه ومصداقيته، الذي لا تُلمَس فيه أبداً أيّ نظرة إكزوتيكية لثقافة السكّان الأصليين وتقاليدهم. هذا عائدٌ إلى نشأته بينهم، وتبنّيه قضاياهم منذ صغره، وعلاقته الوثيقة بهم، وانغماسه في ثقافتهم وتقاليدهم وحبّه لها. لذا، استعان بعدد كبير منهم، وبينهم زعماء قبائل، كممثلين أساسيين وثانويين، فاكتسب الفيلم مصداقية كبيرة، وصُبغت أحداثه بواقعية ملموسة.

لا يسرد سيناريو كريس أناستاسيادس أحداثاً تاريخية محدّدة، لكنّه مستوحى من وقائع حقيقية. السيناريو مقنع للغاية، نظراً إلى جودة البناء وتوازن الشخصيات. ليست هناك شيطنة كلية للأبيض دائماً، ولا إسباغ طابع ملائكي على السكّان الأصليين. فالسيناريست ترك الأحداث تتدفّق وتتطوّر بواقعية شديدة، وبذكاء ترك مساحة ضخمة من الحرية للمُشاهِد، لإعمال عقله وإطلاق أحكامه.

تدور الأحداث في شمال أستراليا، عام 1931. مجموعة ضباط شرطة بيض يطاردون قطّاع طرق فارّين. كان يُفترض بالعملية أنْ تُنفَّذ بسلام ومن دون دماء، وفقًا لخطّة الضابط ترافيس (سيمون بيكر)، المسؤول عن العملية. خدم ترافيس كقنّاص أثناء الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918). إنّه الأكثر استقامة ونزاهة وأخلاقية بين معظم البيض في الفيلم، والأكثر تعاطفاً بين زملائه مع السكّان الأصليين، ومع حقوقهم كبشر.

يشترك في العملية ضابط سيئ السمعة، يُدعى أمبروز (كالاّن مولفي). في مكان المطاردة، هناك قبيلة من السكّان الأصليين. بسرعة، يتعقّد الأمر بسبب إيدي، فيتحوّل المكان إلى بركة دماء، بسبب إبادة قبيلة كاملة آمنة، من دون ذنب. مشهد المذبحة أحد أجمل مَشاهد الفيلم تنفيذاً وفنّية. دقائق متوترة تشدّ الأعصاب، وتنقل بشكلٍ مُرَوِّع ودمويّ بشاعة الحدث.

بعد المذبحة، يرفض ترافيس إكمال عمله ضابط شرطة، خاصة بعد الرغبة المُلحّة للبيض في تجنّب الحديث عمّا جرى، والتستّر عليه، وعدم محاسبة أحد. غوتْجوك (جايكوب جونيور نايينغول) طفل يتيم ووحيد، نجا من المذبحة. من حسن حظه أنْ ترافيس عثر عليه، وأودعه لدى بعض المبشّرين البيض، الذين قاموا برعايته وتربيته. مع مرور الزمن، بات غوتْجوك يُعاني بسبب تربيته القائمة على الغفران والسلام والتسامح، وبسبب دوافع الكراهية والرغبة في الانتقام، بعد رؤيته ما حدث لقبيلته، وتحديداً بعد مقتل والديه أمام عينيه.

إلى ذلك، في 12 عاماً تقريباً، قاد بايْوارّا (شون مونونغور)، عمّ غوتْجوك، هجمات دموية عدّة مع فرقته ضد البيض وممتلكاتهم، انتقاماً لما حدث مع قبيلته. تتعقّد الأمور عندما يَقتُل بايْوارّا امرأة بيضاء خطأ، أثناء إحدى العمليات. هناك ثقة كبيرة بين غوتْجوك وترافيس، الذي يُقنع غوتْجوك بضرورة إحضار بايْوارّا للمحاكمة، أو للدفاع عن نفسه أمام العدالة. عندئذٍ، يشكّ إيدي في ولاء ترافيس، وفي عدائه للبيض، مُقارنة بحبّه الظاهر للسكّان الأصليين.

أما جماعة بايْوارّا، فيعارضون تسليم نفسه، أو الموافقة على هدنة أو تفاوض مع البيض المحتلين، فيتعقّد الأمر بشكلٍ خطر، وتكون النتيجة دماء كثيرة. أي مذبحة أخرى.

دلالات