"وباء ثلاثي" ينهك أنظمة الصحة في أوروبا

"وباء ثلاثي" ينهك أنظمة الصحة في أوروبا

19 يناير 2023
الموسم المبكّر للأمراض التنفسية في أوروبا ضرب فرنسا وألمانيا وبريطانيا خصوصاً (فرانس برس)
+ الخط -

تشهد دول أوروبية عدّة شتاءً قاسياً مع زيادة الضغط على الأنظمة الصحية، وسط الإضرابات ونقص الأدوية وزيادة معدّلات إشغال الأسرّة في المستشفيات، في حين يُحكى عن "وباء ثلاثي".

وبينما تركّز أوروبا جهودها على القضايا السياسية والاقتصادية، من قبيل الحرب الروسية في أوكرانيا المستمرّة منذ فبراير/شباط 2022 وعدم اليقين بشأن أسعار الطاقة وتكلفة المعيشة، تحوّل قطاع الصحة عنصراً مهماً في أجندة عدد من الدول الأوروبية.

وأدى ارتفاع عدد الإصابات بكوفيد-19، إلى جانب إضرابات العاملين في مجال الرعاية الصحية، دوراً رئيسياً في زيادة الضغط على الأنظمة الصحية، التي ما لبثت أن انعكست طوابير طويلة أمام المستشفيات، فيما شُغلت الأسرّة بمعدّلات أكبر من المتوقّع.

وفي الوقت الحالي، تعاني الدول الأوروبية ممّا يُطلَق عليه اسم "الوباء الثلاثي"، وهو تزايد حالات الإصابة بثلاثة فيروسات كبرى تستهدف الجهاز التنفسي. وتتسبّب تلك الفيروسات في إصابات بكوفيد-19 والإنفلونزا الموسمية والتهاب القصيبات بصورة متزامنة.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذّرت، في الأوّل من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، من أنّ "موسم الإنفلونزا بدأ مبكراً في أوروبا".

وكشفت تقارير إعلامية أنّ الموسم المبكّر للأمراض التنفسية في أوروبا ضرب بشكل رئيسي كلّا من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، الأمر الذي دفع هذه البلدان لمحاولة تخفيف العبء عن الأنظمة الصحية المعرّضة لخطر ارتفاع الإصابات بفيروس كورونا الجديد (سارس-كوف-2) وفيروس الإنفلونزا والفيروس المخلوي التنفسي.

وفيات في طوارئ فرنسا

أزمة حقيقية يمّر بها النظام الصحيّ الفرنسي، على خلفية الإضرابات القائمة نتيجة عدم كفاية الأجور ونقص الموظفين والأسرّة والبنية التحتية، فضلاً عن الضغط الذي يولّده "الوباء الثلاثي".

وصارت الأزمة ملموسة أكثر مع فترات انتظار تصل إلى 10 ساعات في أقسام الطوارئ، وقد ظهر خلالها مرضى وهم راقدون في ممرّات المستشفيات، فيما لقي عدد منهم مصرعه قبل وصول دوره لتلقّي العلاج. وبحسب معلومات جمعتها وكالة "الأناضول" من مسؤولين ووسائل إعلام محلية، فقد توفي 31 مريضاً في ديسمبر/ كانون الأول 2022 في أقسام الطوارئ، لعدم تلقّيهم العلاج في الوقت المناسب.

وتُظهر أرقام الدائرة الفرنسية الرسمية التي تُعنى بالبحوث والدراسات والتقييم والإحصاء أنّ لدى فرنسا 697 قسماً للطوارئ تستجيب لـ22 مليون حالة سنوياً.

وفي هذا الإطار، أفادت "سامو-أورجانس فرانس" (خدمة الطوارئ والإنعاش المتنقلة في فرنسا) بأنّ "الإقبال على أقسام الطوارئ خلال ديسمبر الماضي ارتفع بنسبة 55 في المائة على أساس سنوي". وقد أتت بيانات هذه الهيئة على خلفية تقارير أشارت إلى أنّه كان يتعيّن على المرضى انتظار "19 ساعة قبل استشارة طبيب مختصّ" خلال عطلة نهاية العام.

وأكّد رئيس الهيئة مارك نوازيه لوكالة "الأناضول" أنّ "قاعات المستشفيات مكتظة بالمرضى الذين لا يستطيعون الحصول على سرير، ويتعيّن عليهم الانتظار في أقسام الطوارئ". أضاف أنّ "الذين لقوا حتفهم بمعظمهم تجاوزوا الستّين أو السبعين من العمر".

من جهته، شكّك النائب في البرلمان الفرنسي فيليب جوفين، في تصريح صحافي، في الرقم الرسمي المعلن عن عدد الذين توفوا على خلفية عدم توفّر خدمات طبية. وجوفين الذي هو عضو في "سامو-أورجانس فرانس" لفت إلى أنّ "عدد المتوفين الدقيق هو 150 شخصاً، وليس 31 شخصاً فقط بحسب ما أُعلن رسمياً".

تدهور النظام الصحي الفرنسي

في مارس/ آذار 2022، نشر مجلس الشيوخ الفرنسي تقريراً، بيّن فيه أنّ الوضع في المستشفيات شهد تدهوراً ملحوظاً في الفترة التي تلت ظهور أزمة كورونا الوبائية.

ومنذ ديسمبر الماضي، بدأ الأطباء والعاملون في مجال الرعاية الصحية إضرابات احتجاجاً على ساعات العمل الطويلة والأجور غير الكافية. لكنّ وزير الصحة الفرنسي فرانسوا براون دان إضراب الأطباء، وقال إنّه "يأتي في وقت صعب جداً" في حين تكافح فرنسا "الوباء الثلاثي".

وتُظهر الأرقام أنّ هناك 220 ألف طبيب ممارس في فرنسا في عام 2022، إلا أنّ هذا العدد مرجّح للإنخفاض إلى 80 ألفاً في غضون السنوات الثلاث المقبلة، في حين تفتقر البلاد إلى نحو 60 ألف ممرّض.

وفي الوقت الراهن، ينشط العاملون في مجال الرعاية الصحية بفرنسا أكثر من 60 ساعة في الأسبوع، ويتجاوز بعضهم 70 ساعة، في محاولة لتغطية النقص في العدد.

نقص أدوية في ألمانيا

وتعاني ألمانيا، على الرغم من أنّها الاقتصاد الأكبر في الاتحاد الأوروبي، من نقص في الأدوية نتيجة "الاختناقات الخطرة في سلاسل التوريد والتأخّر في مواعيد التسليم". وقد أفادت الجمعية الألمانية الطبية لأمراض الدم والأورام، في هذا الإطار، بأنّ أدوية سرطان الثدي صارت نادرة بشكل متزايد.

بالإضافة إلى ذلك، يواجه الألمان نقصاً في بعض أدوية الحمّى والمضادات الحيوية التي صار من النادر توفّرها في الصيدليات، والتي تُعَدّ حاجة أساسية لعلاج "الوباء الثلاثي".

وفي ديسمبر الماضي، حذّر مسؤولو الصحة من موجة أمراض في الجهاز التنفسي "تدفع بنظام الرعاية الصحية الألماني إلى أقصى حدوده". وحينها قال رئيس مجلس إدارة جمعية المستشفيات الألمانية جيرالد جاس، في تصريح صحافي: "نواجه حالياً وصول كلّ مجالات الرعاية الصحية إلى أقصى قدرة لها".

وكما هي الحال في بلدان عديدة، أدّى ارتفاع عدد الإصابات بالفيروسات التي تتسبّب في أمراض تننفسية، في بداية فصل الشتاء الجاري، إلى معاناة وحدات العناية المركّزة من الإشغال عموماً.

نظام صحي معطّل في بريطانيا

أظهرت دراسة أعدّتها مؤسسة "نافيلد تراست" الصحية المستقلة تسجيل تسعة آلاف و517 وفاة في الأسبوع المنتهي في 30 ديسمبر 2022، مقارنة بمتوسّط 1592 وفاة على مدى خمس سنوات في الوقت ذاته من العام.

كذلك، أشارت الدراسة إلى استقالة عامل واحد من بين كلّ 10 عاملين في مجال الرعاية الصحية من وظيفته خلال 12 شهراً قبل يونيو/ حزيران 2022. أضافت أنّ استطلاعاتها الحديثة وجدت أنّ "عاملاً واحداً من بين كلّ أربعة يعملون في القطاع الصحي سوف يترك وظيفته الحالية بمجرّد العثور على وظيفة أخرى".

ويوصَف الوضع في نظام الرعاية الصحية ببريطانيا بأنّه "معطّل"، لا سيّما أنّ آلاف العاملين الطبيّين في أقسام الطوارئ في إنكلترا وويلز أضربوا للمرّة الثانية خلال شهر بسبب نزاع حول الأجور.

وشارك نحو 25 ألفاً من المسعفين والسائقين والفنيين في إضرابات متداخلة على مدى 24 ساعة في 11 يناير/ كانون الثاني الجاري، علماً أنّ الإضراب الأوّل أقيم في 21 ديسمبر 2022.

قالت أنطونيا جوسنيل، التي تعمل في خدمة الإسعاف بالعاصمة البريطانية لندن، لوكالة "الأناضول" إنّ "الحكومة لا تجتمع مع النقابات لتقييم مطالب العاملين الصحيين". أضافت أنّ "الراتب لا يساعد موظفينا على العيش. إنّه ليس كافياً والظروف تزداد سوءاً بالنسبة إلينا". ولفتت جوسنيل إلى أنّ "ثمّة مرضى يموتون كلّ يوم لأنّنا لا نملك الموارد والموظفين لخدمتهم".

أمّا إميلي سناشال، وهي مسعفة أخرى، فقالت لوكالة "الأناضول" إنّ "البريطانيين يكافحون مع هيئة الخدمات الصحية الوطنية"، مشيرة إلى أنّ "المشكلة الكبرى في هذه الهيئة أنّها تُركت وهي تعاني من نقص التمويل، الأمر الذي أدّى إلى نقص الخدمات الصحية المقدّمة للناس".

وتابعت سناشال أنّ "الناس يكافحون وينتظرون ساعات طويلة للحصول على المساعدة. لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك. لقد شاهدت أنا وزملائي الناس وهم يلقون حتفهم بسبب فترات الانتظار الطويلة".

بدورها، ندّدت رئيسة قسم الصحة في نقابة "يونيسون" سارة غورتون بالوضع المتردّي للخدمات الصحية في بريطانيا. وقالت في تصريح صحافي سابق إنّ "المشكلة لن تحلّ حتى يبدأ الوزراء في اتّخاذ مبادرة في هذا الشأن، ويجتمعوا بهدف التفاوض والتوصّل إلى صفقة فضلى تخدم الموظفين والمرضى".

وبحسب غورتون، فإنّ "الناس يعرفون أنّ استجابة سيارات الإسعاف تزداد سوءاً، وأنّ قوائم انتظار المستشفيات تتزايد، لأنّ هيئة الخدمات الصحية الوطنية لم تعد تملك الموظفين اللازمين لتلبية الطلب ولا لتوفير رعاية آمنة للمرضى".

وتواجه الخدمات الصحية في بريطانيا صعوبات متزايدة بسبب الإضرابات المستمرّة من قبل العاملين فيها، تزامناً مع الارتفاع المقلق في عدد الإصابات بالإنفلونزا الموسمية.

وفي أواخر العام الماضي، نقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، عن مسؤولين في جامة لندن الملكية لطبّ الطوارئ قولهم، إنّ "نحو 300 إلى 500 شخص يموتون أسبوعياً بسبب التأخّر في الحصول على رعاية الطوارئ".

(الأناضول)

المساهمون