هجرة عكسية... جزائريون يعودون إلى بلادهم

27 يناير 2021
الصورة
يختار البعض العودة إلى وطنه لصعوبة الاغتراب (فتحي بلعيد/ فرانس برس)
+ الخط -

ما إن يتحقّق حلم الجزائريين بالهجرة إلى أوروبا، حتى يفضل بعضهم العودة إلى بلادهم وبدء مشاريع جديدة فيها، بعد أن يجمعوا المال اللازم، وذلك بهدف العيش بين عائلاتهم وبحسب تقاليدهم. تحدثت "العربي الجديد" إلى عدد من هؤلاء العائدين

لا تنقطع الأخبار المتعلّقة بهجرة الشباب من الجزائر بحثاً عن حياة أفضل في القارة الأوروبية أو دول الخليج أو غيرها، سواء أكانت شرعية أو سرية. في المقابل، يختار بعضهم إنهاء غربتهم والعودة إلى بلادهم وبدء مشاريع جديدة فيها، بعد أن يقضوا سنوات طويلة في الغربة بهدف جمع المال وتأمين المستقبل وفي بالهم العودة إلى بلادهم يوماً ما. في هذا الإطار، أعلنت الحكومة الجزائرية عن منحها تسهيلات للشباب للاستثمار في بعض المجالات التي ما زالت تحتاج إلى تطوير في الجزائر.  

لجوء واغتراب
التحديثات الحية

علي أمقران (38 عاماً) يتحدر من ولاية تيزي وزو شرقي الجزائر، وقرر العودة إلى بلاده بعدما قضى سنوات في أوروبا كانت كافية لتطوير مهاراته في القطاع التكنولوجي. وخلال متابعته للأوضاع في الجزائر، وجد أنه يمكن له الاستثمار في هذا القطاع، وخصوصاً في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها البلاد. 
بعد عودته، واجه أمقران صعوبات نتيجة للبيروقراطية في اتخاذ القرارات في البلاد، وغياب التفكير الاستراتيجي بعيد المدى، وخصوصاً في ما يتعلق بالانتقال إلى الرقمنة في المؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة. ومع عودة عدد من زملائه الجزائريين إلى بلادهم، وخصوصاً من الذين كان قد عمل معهم في المجال نفسه، عملوا معاً لبدء الاستثمار في هذا القطاع. يقول لـ "العربي الجديد": "أنشأت مع بعض المهندسين مؤسسة رائدة متخصصة في التكوين عن بعد عبر الإنترنت في مجال التسيير والإدارة والإعلام الإلكتروني وإنشاء المواقع والتسويق وغير ذلك"، لافتاً إلى أنه قطاع جديد في البلاد. ونجحت الشركة في كسب ثقة العديد من الشركات التي أصبحت تطلب خدماتها نظراً لقدراتها وخبرتها في هذا القطاع، وخصوصاً أنهم تضمّ مجموعة من الكفاءات.  
ويشير أمقران إلى أنّ "توجه الجزائر إلى الاقتصاد الرقمي جعل الشركات والمؤسسات الحكومية والخاصة تطلب خدماتنا بعد اقتناعها بضرورة مواكبة التطور التكنولوجي". ويشير إلى عقد اتفاقيات مع جامعات لتطوير قدرات الطلاب في هذا المجال، في إطار برنامج الحاضنات الإلكترونية التي استحدثت لها الدولة وزارة متخصصة، "ولمسنا اهتماماً من قبل هذه الأخيرة. وإذا فكرت في العودة إلى فرنسا، فسأعود كسائح أو طالب فقط". 
لا يبدي أمقران أي ندم بعدما اختار الهجرة العكسية وقرر العودة إلى بلاده. يقول: "أنا لم أندم على عودتي. بالعكس تماماً. أملك اليوم مؤسسة خاصة بي وأعمل مدة 16 ساعة يومياً وأقدم خدماتي لمؤسسات مختلفة وشركات اقتصادية وإدارات حكومية". يضيف: "أعتقد أنني أقدم مساهمة مهمة في مجال تطوير النظام المعلوماتي، خصوصاً أن الجزائر كانت متأخرة نوعاً ما في هذا المجال". 
من جهة أخرى، يرغب البعض في العودة إلى بلادهم للعيش وسط عائلاتهم، عدا عن الخوف على أطفالهم من نمط الحياة الغربية. هؤلاء يفضلون تربية أبنائهم بحسب تقاليد مجتمعهم. في عام 2005، حصل سيد أحمد عباس (43 عاماً)، الذي يتحدر من ولاية تيبازة قرب العاصمة الجزائرية، على تأشيرة قصيرة الأمد وتوجه إلى فرنسا. وقرر البقاء هناك حتى بعد انتهاء مدة التأشيرة من دون أوراق قانونية. ثم تزوج من فتاة مغربية وتمكن من تسوية أوضاعه القانونية في فرنسا، وافتتح في مدينة أورلي محلاً كبيراً للحلاقة، هو الذي كان يعمل في هذا المجال قبل أن يهاجر. وذاع صيته وكان زبائنه من الجزائريين والفرنسيين، واستطاع توظيف 5 حلاقين آخرين، وجمع مبلغاً كبيراً من المال، ما جعله يفكر في إنشاء مشروع في مسقط رأسه، وبدأ الاستثمار في قطاع العقارات. اشترى قطع أرض وبنى شققاً سياحية فخمة يؤجرها للعائلات على مدار العام. ويقبل عليها كثيرون خلال فصل الصيف بسبب قربها من البحر. 
يقول عباس إنه يقضي معظم وقته في الجزائر، باستثناء بعض الأيام التي يسافر فيها إلى فرنسا لمتابعة عمله. يضيف: "زوجتي، وهي مغربية، أحبت الأجواء العائلية والعادات والتقاليد التي لا تختلف عن تلك المغربية، وفضّلت البقاء معي في الجزائر. كذلك، يتابع ابني تعليمه في البلاد، ونودّ أن يربى في أجواء محافظة". يضيف أن الحياة في أوروبا ليست سهلة كما قد يتوقع البعض، لافتاً إلى أنه واجه ظروفاً قاسية ومطاردة من قبل الشرطة، قبل تسوية أوضاعه وحصوله على إقامة. "في كل مرة، كنت أخشى ترحيلي بواسطة باخرة أو طائرة من فرنسا إلى الجزائر، كما حدث مع كثيرين. فإذا كنت لا تملك أية حرفة أو شهادة، لا يمكنك العيش بكرامة في أوروبا، والأفضل أن تعود إلى الجزائر وتبدأ مشروعاً يضمن لك مستقبلاً جيداً، وأن يكون مناسباً من الناحية المهنية".  
قبل أكثر من عقد، هاجر سفيان بومعزة (53 عاماً) من مدينته شرشال غرب العاصمة الجزائرية، وتنقل ما بين إسبانيا وفرنسا، وعمل في القطاع الزراعي، وتعلّم تقنيات جديدة فكّر في نقلها إلى بلاده. واتخذ خطوات أكثر عملية وكلّف مكتب دراسات متخصّصاً في دراسة السوق والقطاع الزراعي في بلاده لإعداد دراسة جدوى لمشروعه الزراعي المتعلق ببعض الفاكهة والخضار التي عرفت ازدهاراً خلال السنوات الأخيرة في الجلفة وبسكرة ووادي سوف في وسط وجنوبي الجزائر، قبل أن تشهد البلاد نقصاً كبيراً، وخصوصاً في الولايات الداخلية.   

الصورة
عائلة جزائرية اختارت الهجرة غير الشرعية (جيسوس ميريدا/ Getty)
عائلة جزائرية اختارت الهجرة السرية (جيسوس ميريدا/ Getty)

وتمكن بومعزة من الحصول على رخصة حفر بئر ارتوازية بعد شرائه قطعة أرض مساحتها نحو 10 هكتارات، ونجح في استيراد بيوت بلاستيكية متطورة من إيطاليا، لتربية شتلات من البذور وريها والاعتناء بها حتى تنمو. يضيف: "تمكنا في العام الماضي من إنتاج أكثر من مليون شتلة. وفي بعض الأحيان، لا يمكننا تلبية طلب زبائننا بسبب كثرة الإقبال عليها بسبب مصداقيتنا في السوق". ونجح بومعزة في مشروعه الذي يوظّف حالياً عشرات الشبان والنساء.
وعلى الرغم من محدودية ظاهرة الهجرة العكسية إلى الجزائر في الوقت الحالي، إلا أن بعض التحليلات والأرقام تتحدث عن احتمال ارتفاع نسبة المهاجرين العائدين إلى بلادهم بسبب عوامل كثيرة ومتغيرات اجتماعية وثقافية ودينية واقتصادية في أوروبا من جهة، والجزائر من جهة ثانية، وخصوصاً إذا نجحت السياسات في الجزائر في وضع أرضية حقيقية للتطوير الاقتصادي.
في هذا الإطار، يقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة المدية عيط حسان لـ "العربي الجديد" إن "بعض الشباب المهاجر إلى الدول الأوروبية وأميركا يصطدم بالواقع المختلف هناك، ليعيش هؤلاء حياة صعبة قبل أن يتمكنوا من التأقلم، فيما يقرر آخرون العودة إلى قيمهم وعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية والدينية التي يحرمون منها في بعض الدول، خصوصاً مع ارتفاع نسبة الإسلاموفوبيا في بلاد المهجر والشعور بالتهميش والتمييز العنصري وعدم الانتماء إلى الوطن الجديد". ويوضح أن "بعض الشباب يفكر في استثمار أمواله في الجزائر بدلاً من البقاء في أوروبا بسبب انخفاض قيمة العملة الوطنية. فصرف العملة الأجنبية يمكن له أن يفسح له المجال لبدء مشروع ناجح في ظل الاستقرار الاقتصادي الذي تعرفه البلاد خلال السنوات الأخيرة، على عكس المرحلة الصعبة التي تعيشها أوروبا وانخفاض معدلات فرص العمل، فضلاً عن القوانين الصارمة والرقابة الكبيرة على الأنشطة التجارية والخوف من تأثر الأبناء بالثقافة الغربية".

يُذكر أن الجالية الجزائرية في فرنسا تعدّ أكبر جالية أجنبية تعيش في فرنسا، إذ تتجاوز نسبة 12 في المائة من السكان على أراضيها، وتقدّر الدراسات العدد الإجمالي للمهاجرين الجزائريين في فرنسا بنحو ستة ملايين مهاجر جزائري.

المساهمون