نهاد البردويل.. بطلة "الخبز" تحت القصف في غزة

نهاد البردويل.. بطلة "الخبز" تحت القصف في غزة

22 نوفمبر 2023
تصنع خبزاً يكفي يومين أو ثلاثة لأسرتها والنازحين (العربي الجديد)
+ الخط -

"ثلاثون يوماً من النزوح لأكثر من 30 فرداً في منزلنا، أصنع الخبز وأوزعه دون ملل أو تعب، بل أسعى إلى توفير الدقيق. لا يهمّ إن نفدت الكمية. أعلم أن للخير رزقاً في السماء، وستمطر مطراً بارداً في وجه القصف وحمم الصواريخ التي تسقط فوق رؤوس الفلسطينيين في قطاع غزة حيث نقطن... نحن الناجون حتى هذه اللحظة"، تقول نهاد البردويل.
وصنع الخبز في الحرب ليس أمراً سهلاً بل مأساة. في الصور التي بثّت على الشاشات أمام مرأى العالم، ظهر مئات الأشخاص وهم يصطفون في طوابير طويلة للحصول على بضع أرغفة من الخبز لا تكفي لسد رمق الأسرة. ويستهدف الاحتلال الطوابير، ويحدث أن يغمّس الخبز بالدم. تُقتل الناس جوعى وعطشى. 
فَتَحت نهاد منزلها لاستقبال فلسطينيين نزحوا من الشمال الغربي لمدينة غزة، وتحديداً من منطقتي الأمن العام والشيخ رضوان. وصلوا بعد أيام عصيبة استهدفتهم فيها الطائرات الحربية الإسرائيلية ودمّرت منازلهم. كانوا منهكين ومتعبين، يتنفسّون بصعوبة، ووجوههم شاحبة. 
"بعضهم أقارب والبعض الآخر تعرفت إليه في الحرب. لا يهم، المهم أنهم بيننا"، تقول نهاد، مضيفة: "لم أتردد باستقبالهم. رحّب زوجي محمد بالفكرة فور وصولهم إلى بلدة القرارة التي نسكنها. فتح الباب وأخذ يناديهم للدخول وتهدئتهم بأن كلّ شيء سيكون على ما يرام. المهم أنهم أحياء وما دون ذلك يعوّض بالتأكيد". أعدّت لهم الطعام، وكان الخبز حينها متوفراً والأزمة تحت السيطرة، إلا أن المخابز لم تصمد كثيراً أمام الاستهداف الإسرائيلي المباشر. وبات من الأفضل ألا يذهب الأشخاص إلى المخبز في حال أرادوا النجاة. نعم، هذا ما يحدث تماماً".

وعملية صنع الخبز وسط الظروف التي يعيشها سكان القطاع حالياً ليست سهلة. فالوقود غير متوفر، والكهرباء مقطوعة، والمياه غير متوفرة. حتى الغاز. إسرائيل تُحاصر مليوني و300 ألف إنسان. كيف تتغلّب على ما سبق؟ هي أم لثلاثة أبناء وخمس فتيات. زوجها مدرّس متقاعد، يسكنون في منزل متواضع من الإسبست في بلدة القرارة في مدينة خانيونس جنوبي القطاع.  

الصورة
تشتهر بوجهها الباسم (العربي الجديد)
تشتهر بوجهها الباسم (العربي الجديد)

تعمل الأسرة كخلية نحل، وتوزّع المهام فيما بينها. يجمع البعض أوراق الأشجار والحطب، ويضعها إلى جانب الفرن المصنوع من الطين بطريقة بدائية، ويعتمد في إشعاله على الكرتون وأوراق الشجر والحطب وحتى الملابس المهترئة في أحلك الظروف. تساعد الفتيات الأم في صنع العجين، إذ إن الكميات كبيرة وتتجاوز الـ 120 رغيف خبز، تستهلك كل يومين أو ثلاثة، بعدما توزع على نازحين في منزل مجاور.
تقول إنها لم تتعب يوماً، بل أصبحت أكثر نشاطاً وحيوية. كذلك أبناؤها الذين يفخرون بأنفسهم، ويشعرون بالرضا حين يسمعون دعوات النازحين. وصار لديهم أصدقاء وأهل جدد. "لم يعد النازحون ضيوفاً بل هم أصحاب المنزل والسند عند الحاجة"، تضيف. 
وتوضح: "لو عشنا أمراً مماثلاً، كنا سنجد أيضاً من يستقبلنا. الخير في هذا الشعب عظيم. ربما يراعي العالم جائعاً بسبب قلة الغذاء. لكن ما لا يعرفونه أن هذا الشعب معطاء وأصيل وكريم وينتظر قدوم أي ضيف ليقدّم له كل ما يمكن تقديمه". ترى نهاد في استقبال النازحين فرصة لتحقيق الإنسانية التي تؤمن بها وأسرتها المتواضعة، وخصوصاً أن لديها مساحة في منزلها. قيل لها: "ربما المكان ليس آمناً". إلا أن وجود النازحين يبعث الأمان والراحة في قلبها، على الرغم من الإمكانات المادية البسيطة. تضيف: "لم أشعر بالثقل أو بالتكبيل. لم أندم يوماً، وتمنيت لو كان لدي مساحة أكبر لأستضيف المزيد من الناس".

الصورة
لم تشعر يوماً بالتعب (العربي الجديد)
لم تشعر يوماً بالتعب (العربي الجديد)

لا تخفي نهاد تأثيرات حرق الكرتون وأوراق الشجر في فرن الطين على صحتها، إذ تعاني من حساسية في الصدر. لكنها تتذكر مشهد اللهب المتصاعد بعد أي قصف إسرائيلي ورائحة الفسفور الأبيض الذي تمطر به طائرات الاحتلال سماء غزة، وسرعان ما تشعر بأن ما يحدث معها سهل أمام الجحيم الذي يعيشه الفلسطينيون في ظل هذه الحرب.

وترى أنها محاطة بالخطر، فقد تقصفها الطائرات الإسرائيلية حين تشعل النار. لذلك، تبتعد عن الفرن بمجرد أن تشعله، كاختبار قصير لمدى تقبّل طائرات الاستطلاع (الزنانات) للأمر. تقول: "بالتأكيد يعرفون أنه فرن يدوي والدخان طبيعي هنا. هل سيقصفوننا أم سيتركوننا وشأننا؟". وبعد نحو 10 دقائق، تعود لإنجاز المهمة تحت سقف من "الزينكو". وعلى الرغم من متعة الخبز، تراودها سيناريوهات مرعبة عن الموت المحيط بها. وما إن تنتهي المهمة، حتى تشعر بأنه كتب لها عُمر جديد. 
تعد أرغفة الخبز وتقسّمها بحسب عدد أفراد الأسر لديها، على أن تضمن لهم قوتاً يكفيهم يومين. يستقبلها الأطفال بحُب كبير ويسعدون بأطيب "ساندويش زعتر" لا يتوفّر غيره في ظل انقطاع المُعلبات والجبن والألبان وكل ما يمكن للمرء أن يعتمد عليه في فطوره. تُعرف نهاد بوجهها الباسم، ولا تتردد عادة في الأوقات الطبيعية بتقديم المساعدة لمن يحتاجها، كجار اشتهى طبق "المسخن" الذي تعده على فرن الطين، وآخر أراد صنع الخبز لانقطاع الغاز عنه، وامرأة طرقت بابها بعدما نفد رصيد منزلها من بطاقة الكهرباء.

المساهمون