موسيقيون أفغان: هربنا تاركين آلاتنا... لا بل أرواحنا

موسيقيون أفغان: هربنا تاركين آلاتنا... لا بل أرواحنا

16 سبتمبر 2021
حراسة مسلحة أمام المعهد الوطني للموسيقى في كابول (وكيل كوهسار/ فرانس برس)
+ الخط -

 

عندما استولت حركة طالبان على الحكم في أفغانستان وانتشر عناصرها في العاصمة كابول في منتصف أغسطس/ آب الماضي، وجدت بهار عازفة الفيولا وغيرها من موسيقيّي وموسيقيّات المعهد الوطني للموسيقى أنفسهم أمام معضلة شائكة: إمّا البقاء وتعريض حياتهم إلى الخطر وإمّا الفرار والتخلّي عن آلاتهم.

وتخبر بهار التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها الحقيقي، وكالة "فرانس برس": "لقد هربنا جميعاً. لذنا بالفرار تاركين الآلات الموسيقية في المعهد"، مشيرة إلى خوف كبير شعرت به. وتوضح ابنة الثامنة عشرة أنّها شعرت بأنّها مستهدفة من جهتَين؛ الأولى لأنّها امرأة والثانية لأنّها موسيقية. فخلال تولّي حركة طالبان الحكم للمرّة الأولى بين عامَي 1996 و2001، حظروا الموسيقى فيما كان تحصيل العلم ممنوعاً على النساء.

وعن اضطرارها إلى التخلّي عن آلتها الموسيقية، تقول بهار: "شعرت كأنّني فقدت أحد أفراد عائلتي". فالشابة التي انتقلت إلى معهد الموسيقى مباشرة من دار الأيتام حيث نشأت، كانت ترى في الآلة الوترية "أفضل صديق لها". وتتذكّر: "عندما دخلت (المعهد)، قلّ توتّري لأنّ الموسيقى غذاء للروح"، مضيفة "أشعر بهدوء شديد عندما أعزف على آلة الفيولا، خصوصاً من ضمن أوركسترا الفتيات والنساء (زهرة)".

وكانت موهبة بهار بمثابة جواز سفر لها كذلك، إذ أتاحت لها المشاركة في عروض وحفلات موسيقية في الهند والسويد وبريطانيا وأذربيجان. وتقرّ بأنّها باتت تشعر كأنّها فقدت الحياة عندما علمت أنّ حركة طالبان تحتلّ المعهد ويستخدم عناصرها قاعاته للنوم. وتقول باكية: "أنا على قيد الحياة جسدياً، لكنّ طالبان انتزعت منّي روحي".

الصورة
أفغانيات في المعهد الوطني للموسيقى في أفغانستان (ماركوس يام/ Getty)
عازفات من أوركسترا "زهرة" في المعهد الوطني للموسيقى قبل سيطرة "طالبان" (ماركوس يام/ Getty)

لم تعلن حركة طالبان بعد، منذ تشكيل حكومتها، عن أيّ توجّهات رسمية في شأن الموسيقى، لكنّها أكّدت عزمها على ممارسة الحكم وفقاً لتفسيرها الصارم للشريعة الإسلامية. وقال المتحدّث باسم الحركة ذبيح الله مجاهد لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في نهاية أغسطس إنّ "الإسلام يحرّم الموسيقى"، آملاً بالتمكّن من "إقناع الناس بعدم القيام بهذه الأمور، بدلاً من الضغط عليهم".

وفي خلال زيارة "فرانس برس" المعهد الوطني للموسيقى الذي كان يدرس فيه طلاب من الجنسين، وهو اختلاط تمنعه حركة طالبان كذلك، تبدو ثرثرة عناصر الحركة الشباب وشجاراتهم كأنّها حلّت محلّ الألحان الموسيقية التي كانت تصدح في أرجاء المكان، فيما يحمل الحرّاس رشاشات كلاشنيكوف في فناء المبنى الهادئ المظلّل بأشجار رُسمت على جذوعها أشكال نوتات موسيقية. ويُطلع أحد العناصر "فرانس برس" على مخزن يحوي مجموعة من الآلات الموسيقية التي تبدو سليمة، بعدما سرت شائعات عن تحطيمها، موضحاً أنّ قادة الحركة أمروه بحمايتها.

لكنّ ذلك لا يكفي لطمأنة آوا، عازف الغيتار البالغ من العمر 28 عاماً. وفي تصريح لـ"فرانس برس"، يؤكد الشاب الذي كانت الآلات الموسيقية تملأ كلّ زوايا غرفته في كابول، أنّه تخلّص من كلّ أثر تقريباً لمسيرته الموسيقية باستثناء غيتاره المفضّل. وقد توقّف خريج جامعة كابول الذي كان يدرّس في المعهد، عن نشر حصصه التعليمية عبر قناته على موقع "يوتيوب"، ولم يعد كذلك يستجيب للطلبات على شبكات التواصل الاجتماعي.

طلاب وشباب
التحديثات الحية

في سياق متصل، بات آوا الذي شارك في حفلات مع بعض أكبر نجوم أفغانستان، يشعر بالقلق على سلامة عائلته إذا تعرّفت إليهم حركة طالبان. ويقول أوا الذي فضّل بدوره عدم الكشف عن اسمه الحقيقي إنّه "من الطبيعي أن تشعر بالخوف إذا كنت تتعاطى الموسيقى في أفغانستان. فعاجلاً أم آجلاً ، سوف تتعرّض طالبان للموسيقيين". يُذكر أنّه في نهاية أغسطس، قُتل مغنّ شعبي في جنوب البلاد برصاصة في رأسه. وتدمّر الشائعات المرعبة كل يوم معنويات الفنانين الأفغان. ويلاحظ آوا أنّ "الحياة أصبحت أشبه بالجحيم منذ وصولهم" إلى السلطة، مضيفاً: "كانت لدينا أحلام كبيرة، لكنّ طموحاتنا الآن لم تعد موجودة".

من جهته، يرى مؤسس المعهد الوطني للموسيقى أحمد سارماست الذي لجأ إلى أستراليا، أنّ حركة طالبان "تمهّد الطريق نحو إخفاء تراث أفغانستان الموسيقي الغني"، من خلال إسكاتها الموسيقيين وحرمانها الأطفال فرصة العزف على آلات موسيقية. لكنّه ما زال يأمل بأن تكون الحركة قد تغيّرت. ويوجّه رسالة إلى قادة الحركة يدعوهم فيها إلى السماح بتعلّم الموسيقى خصوصاً للأطفال، قائلاً: "آمل بأن يسمحوا لنا بمواصلة القيام بعملنا لمصلحة الشعب الأفغاني".

(فرانس برس)

المساهمون