من غوانتنامو إلى الإمارات: المحتجزون يخشون الترحيل إلى اليمن

22 أكتوبر 2020
الصورة
تخشى عائلاتهم من أن يواجهوا معاملة أسوأ (Getty)
+ الخط -

تلقى معتقلو غوانتنامو وعوداً بإرسالهم إلى دولة إسلامية لإعادة تأهيلهم ومساعدتهم في الاندماج داخل المجتمع وفتح الطريق أمامهم للحصول على الوظائف والمال والزواج، وفقًا لمحاميهم وعائلاتهم.

لكن ذلك كله لم يكن سوى كذبة. وعوضاً عن ذلك، يقبع المعتقلون - روسي واحد و18 يمنيًا، جرى ترحيلهم من أفغانستان وباكستان بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول - قيد الاحتجاز في دولة الإمارات منذ ما يقرب من خمس سنوات، وفقاً لروايات أسرهم ومحاميهم لوكالة "أسوشييتد برس".

وخلال المكالمات القصيرة والمتفرقة، التي جاءت من مواضع غير معلنة في الإمارات، بينها سجن سيئ السمعة يشتهر بالتعذيب، همس المعتقلون لأسرهم بأمنياتهم بالعودة إلى غوانتنامو على الرغم من سوء الأوضاع داخله، لما يواجهونه في الإمارات.

عندما اشتكى أحدهم من "الضغوط التي تمارس عليهم" قبل ثلاث سنوات، انقطعت المكالمة. ولم يسمع عنه شيء منذ ذلك الحين. وعندما بدأ الروسي إضراباً عن الطعام، وُضع في الحبس الانفرادي وتعرض للضرب.

الآن هناك خطط لإرسالهم إلى اليمن، حيث تخشى عائلاتهم من أن يواجهوا معاملة أسوأ. وقد أكد مسؤول حكومي يمني رفيع المستوى أن الخطط في انتظار الترتيبات الأمنية. وأشار مسؤول بوزارة الخارجية إلى أنّ الحكومة الأميركية كانت على علم بحدوث ذلك. تحدث المسؤولان شرط عدم الكشف عن هويتهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

ورفض المسؤولون في الإمارات الرد على أسئلة "أسوشييتد برس".

ووصف خبراء حقوقيون في الأمم المتحدة عودة الرجال المرتقبة إلى الوطن بأنها "عودة قسرية"، محذرين من أن مثل هذه الانتهاكات تشكل اعتداء صارخاً على القوانين الدولية، في الوقت الذي تدور فيه عملية إعادة التوطين الأميركية الإماراتية في إطار من "السرية".

وستكون وجهة المعتقلين دولة عربية فقيرة دمرتها حرب أهلية طاحنة على مدى السنوات الست الماضية، حيث ينتشر التعذيب والاحتجاز التعسفي في شبكات السجون السرية والرسمية التي تديرها فصائل مختلفة تسيطر على مناطق مختلفة من البلاد.

ويقول حسين، وهو شقيق أحد المعتقلين، إنّ "الحكومة الشرعية ذاتها هنا ليست آمنة. فمن سيكون مسؤولاً عنهم؟".

وقالت أسرة المعتقل الثاني سالم: "نخشى أن يُقتلوا بالرصاص أو يُقبض عليهم بمجرد أن تطأ أقدامهم أرض اليمن." وإذا نجوا، فهناك مخاوف من عودتهم للانضمام إلى صفوف الجماعات المسلحة، كما هو الحال مع إبراهيم القوصي، المعتقل السابق في غوانتنامو، الذي نُقل إلى السودان في 2012 قبل أن يظهر كزعيم لتنظيم "القاعدة" في اليمن بعد ذلك بعامين.

بقاء هؤلاء الرجال قيد الاحتجاز ينتهك الوعود التي قطعها المسؤولون الأميركيون عندما تم إرسال هؤلاء السجناء إلى الإمارات في 2015-2017، ويسلط الضوء على عيوب في برنامج النقل وفشل إدارة الرئيس دونالد ترامب في ضمان حصولهم على معاملة إنسانية.

ضغط الرئيس باراك أوباما لإغلاق معتقل غوانتنامو وسط معارضة من الكونغرس. كانت الخطة تتمثل في مقاضاة بعض المعتقلين والاستمرار في احتجاز آخرين دون توجيه تهم إليهم أثناء إجراء تقييمات مجلس المراجعة. فيما جرى نقل الأشخاص الذين لا يشكلون خطورة إلى أوطانهم أو إلى بلدان ثالثة.

لكن دونالد ترامب كانت لديه خطط أخرى. فقبل توليه منصبه، أعلن على صفحته على موقع "تويتر" أنه "لن يكون هناك إفراج عن معتقلين آخرين من غوانتنامو". وقامت إدارته بحل المكتب المكلف بإغلاق مرفق غوانتنامو، والإشراف على عمليات النقل، ومتابعة المحتجزين الذين أعيد توطينهم.

ولم يتم الإعلان عن بنود الاتفاقيات التي أبرمتها الولايات المتحدة مع الإمارات وعشرات الدول الأخرى التي استقبلت معتقلي غوانتنامو. لكن إيان موس، كبير موظفي مكتب مبعوث وزارة الخارجية في غوانتنامو، أصر على القول "أردنا لهؤلاء الأفراد بدء حياة جديدة عقب إطلاق سراحهم. لم يكن اعتقالهم جزءًا من الاتفاق. لم يكن ذلك أبدًا جزءًا من الاتفاق."

وألقى موس اللوم على الإدارة الحالية، قائلاً إن "الإماراتيين يعرفون أن إدارة ترامب لم تكترث لما يفعلونه بهؤلاء الأشخاص أو كيف يعاملونهم. هذا مشين."

لي ولوسكي، المبعوث الخاص لإغلاق غوانتنامو في الفترة من 2015 إلى 2017، وهي الفترة التي تم فيها نقل اليمنيين إلى الإمارات، قال في رسالة بريد إلكتروني: "يمكنني أن أنفي بشكل قاطع وجود خطة لإبقاء الرجال رهن الاحتجاز بعد نقلهم من السجون في الولايات المتحدة."

خلال ولاية ترامب، تم نقل سجين واحد فقط، سعودي الجنسية، إلى بلاده ليقضي ما تبقى من عقوبته بعدما أقنعته لجنة عسكرية باتفاق إقرار بالذنب.

وخلال إدارة أوباما، تم نقل إجمالي 197 سجيناً إلى دول أخرى، بينما نقلت إدارة جورج دبليو بوش 500 سجين. فيما تضم القاعدة الأميركية في الوقت الراهن 40 معتقلاً. معظمهم محتجزون بدون تهم وثلثهم يمنيون.

وأوضحت كاتي تايلور، نائبة مدير منظمة "ربرايف"، ومقرها المملكة المتحدة، ومنسقة مشروع "الحياة بعد غوانتنامو" ضمن المنظمة، لـ"أسوشييتد برس"، إنه بعد توثيق حياة ما يقرب من 60 معتقلاً سابقاً في 25 دولة، "يجب أن أقول إن الوضع الذي يواجهه الأفراد الذين أعيد توطينهم في الإمارات هو من بين الأسوأ والأكثر إثارة للقلق."

ولم يتضح ما إذا كان هناك الآن 17 أو 18 معتقلاً في الإمارات، حيث تشير تقارير غير مؤكدة إلى مغادرة يمني أحد السجون بسبب مضاعفات طبية.

وتمثل المحامية باتريشيا برونتي أحد المحتجزين، (تم حجب اسمه والأسماء الكاملة لجميع المعتقلين اليمنيين كي لا يتعرضوا للعقاب). وأشارت إلى أن مسؤولي وزارة الخارجية أخبروها هي والمعتقلين بأنهم سيحتجزون من 6 إلى 12 شهرًا في منشأة لإعادة التأهيل، ثم سيسمح لهم بالانضمام إلى عائلاتهم في الإمارات. وقالت: "منذ البداية، لم يتم الوفاء بأي من هذه التعهدات."

لم يتسن لبرونتي الاتصال بموكلها منذ وصوله إلى الإمارات في عام 2016. وتقول عائلات المحتجزين إن تواصلها مع أبنائها كان نادرًا ومثيرًا للقلق: عبده (41 عاما)، قال لشقيقه إنه أمضى 70 يوما في الحبس الانفرادي - معصوب العينين ومقيّد اليدين والقدمين بالسلاسل على الأرض - عند وصوله إلى الإمارات.

ونفى شقيقه أحمد لوكالة "أسوشييتد برس"، تلقي السجناء أي جلسات إعادة تأهيل. وانتقل عبده ومعتقلون آخرون إلى "سجن قذر ومظلم" لمدة 16 شهرًا.

وينقل الأخ عن عبده قوله: "كان الوضع مروعًا هناك". ليتم نقله في وقت لاحق إلى سجن الرزين، الذي يبعد 200 كيلومتر عن دبي، حيث وثقت جماعات حقوق الإنسان وقوع حالات انتهاكات وتعذيب.

في ربيع عام 2019، أعيد عبده إلى السجن "القذر" حيث لا يزال هناك.

ونقل الأخ عن عبده قوله: "ليس هذا ما كنت أعتقده. أتمنى أن أعود إلى غوانتنامو ... الوضع أسوأ ألف مرة هنا". ثم انقطعت المكالمة الهاتفية.

بير، ممرض يبلغ من العمر 41 عامًا، وصف من قبل مجلس المراجعة الدورية في غوانتنامو في عام 2015 بأنه "يمني غير متشدد بشكل كبير"، تم اعتقاله في غارة باكستانية في سبتمبر/ أيلول 2002 ونقل إلى غوانتنامو.

قال شقيقه حسين لوكالة "أسوشييتد برس"، إنه على الرغم من الوعود السابقة بحياة جديدة، انتهى الأمر بشقيقه في "ظروف غامضة. نحن لا نعلم عنه شيئاً."

وأضاف حسين: "لا يزال يعيش خلف القضبان مع معتقلين يمنيين آخرين، يواجهون أبشع أشكال الظلم في التاريخ. وخلال مكالماته الهاتفية كل 10 أيام، لا يقول شيئًا سوى: (كيف حالكم؟)، لا يستطيع الكلام. إنهم ممنوعون من الكلام."

ريفال مينغازوف، راقص باليه ومجند سابق في الجيش، كان الروسي الوحيد المتبقي في غوانتنامو عندما تم إرساله إلى الإمارات، واتهم بالقتال في صفوف طالبان. كما زعم ملف شخصي في البنتاغون أن له صلات بجماعة إسلامية في أوزبكستان لها صلات بالقاعدة. اعتقل في باكستان في منزل آمن تابع لأبي زبيدة، أحد أبرز قادة تنظيم "القاعدة".

لم يلتق مينغازوف قط بابنه يوسف، البالغ من العمر 19 عامًا والذي يعيش في لندن، لكنهما يتحدثان عبر الهاتف. قال يوسف إن والده اشتكى من تعرضه للإذلال والحرمان من الطعام والدواء في السجون.

وقالت والدته زوريا فاليولينا إن ابنها يريد العودة إلى غوانتنامو، فـ"الوضع أفضل هناك."

عائلة عبد الرب، (44 سنة)، قالت إنه اختفى قبل ثلاث سنوات بعد مكالمتين هاتفيتين اشتكى خلالهما من الأوضاع داخل السجن، عندما شكا في إحدى المكالمات قائلا: "أنا تحت ضغط ... غوانتنامو كان أفضل بكثير. مليار مرة."

انقطعت المكالمة، ولم يتصل مرة أخرى. وقال أفراد عائلته إنهم لا يعرفون ما إذا كان على قيد الحياة.

وطبقاً للسجلات، فقد أخبر عبد الرب المحققين بأنه كان يعمل رسام منازل في اليمن قبل أن يغادر إلى أفغانستان عام 2000 لدراسة القرآن وتعليمه. وتم إلقاء القبض عليه خلال حملة لاعتقال المشتبه في صلاتهم بزعيم القاعدة أسامة بن لادن، ووصل إلى غوانتنامو عام 2002.

في يونيو/ حزيران، حاول رجل التظاهر بأنه عبد الرب وأجرى اتصالا بالعائلة، لكن شقيقه أكد أنه "لم يكن هو نفسه."

حميد الله، معتقل آخر، عاش ليخبرنا عن ظروف سجنه في الإمارات، فقد أمضى ثلاث سنوات ونصف في سجون الإمارات قبل إعادته إلى أفغانستان في ديسمبر/ كانون الأول.

وكتب مستشار حميد الله الخاص أن موكله كان "معتقلًا نموذجيًا" و"رجلًا مسالمًا" ولم يكن أبدًا عضوًا في طالبان، و"حقيقة الأمر أنه سجن من قبل طالبان في أواخر التسعينيات."

بعدما ظل لنحو عشر سنوات في غوانتنامو، تظهر صور الوثائق الرسمية رجلاً مرحاً بشعره المجعد. أُرسل حميد الله والمعتقلون الأفغان الآخرون إلى الإمارات في عام 2015. ويذكر ابنه أحمد أنه عندما زار والده هناك لأول مرة، "تم إحضاره مكبل اليدين والقدمين بالسلاسل، وعيناه معصوبتان بقطعة قماش سوداء، وكان مربوطاً أيضاً بالسلاسل في المقعد."

بعد عودته إلى أفغانستان، أدلى حميد الله بمزيد من التفاصيل حول سجنه. قال إن الحراس كانوا يجبرونه على خلع ملابسه في كل مرة يذهب فيها إلى الحمام. كانوا يمسكون بكتفيه بقسوة ويضعون رأسه للأسفل بينما يخرجونه من الزنزانة. وأضاف: "لقد كان تعذيباً نفسياً."

توفي حميد الله في مايو/ أيار، بعد أربعة أشهر فقط من الحرية وقرابة 20 عامًا من الاحتجاز. تعتقد أسرته أن الظروف التي عانى منها في سجون الإمارات كانت سبباً في وفاته.

(أسوشييتد برس)

المساهمون