مخدرات الأردن... نشوة فدوّامة إدمان ثم معاملة مجرمين

مخدرات الأردن... نشوة فدوّامة إدمان ثم معاملة مجرمين

26 اغسطس 2022
+ الخط -

"مدمن المخدرات ليس مجرماً يستحق العقوبة، بل مريض يحتاج إلى علاج ورعاية واحتواء ومتابعة"، هذا ما يقوله لـ"العربي الجديد" أردنيان تعاطيا المخدرات سابقاً، ويضيفان: "لم يعد الأردن بين البلدان التي تشهد معدلات انتشار محدودة للمخدرات، أو منطقة عبور لها فقط، فالتغيّرات الإقليمية، أهمها الحرب في سورية، أوجدت مناطق نفوذ لعصابات المخدرات، ما جعل تعاطي المخدرات مشكلة تهدد أمن المجتمع، وتنعكس آثارها على كافة النواحي، ما يتطلب الاهتمام بكيفية الوقاية من المخدرات، مع الحفاظ على حقوق الإنسان، وعدم معاملة المتعاطين كمجرمين".
وتكشف إدارة مكافحة المخدرات في مديرية الأمن العام أنها تعاملت خلال النصف الأول من العام الحالي مع 8489 قضية مخدرات، منها 2490 قضية اتجار وترويج، و6000 قضية تعاطٍ. أما العام الماضي فبلغ عدد القضايا 19122، منها 4858 قضية اتجار، و14264 قضية تعاطٍ، ما رفع جرائم الاتجار بالمخدرات بنسبة 23.93 في المائة، وتلك للتعاطي بنسبة 175 في المائة مقارنة بعام 2020. 

السجن يسهّل الإدمان
يروي م. ع. المدان في قضيتين للتعاطي ويحمل شهادة جامعية أنه قصد دولة خليجية بعد تخرجه، وعمل فيها سنوات، ويقول: "اعتمدت على نفسي، وبدأت في مساعدة أهلي، لكن الشركة التي شغلتني أغلقت أبوابها، فعدت إلى الأردن عام 2017، وحاولت البحث عن عمل في تخصصي الذي أردت أن أضع خبرتي فيه، لكنني لم أوفق فالرواتب التي عرضت علي لم تزد عن 300 دينار (420 دولاراً) وهي لا تغطي مصاريفي الشخصية. وبسبب هذه الظروف وشعوري بأنني أصبحت عالة على أسرتي أصبت بإحباط قادني في أحد الأيام إلى تناول سيجارة حشيش زودني إياها صديق لي. وبعد شهر من التعاطي، اعتقلت للمرة الأولى، وسجنت فترة شهر واحد". 
يضيف: "اختلطت في السجن مع متهمين بارتكاب جرائم قتل وتعاط، وتجار مخدرات، وآخرين ارتكبوا جرائم صغيرة. وباعتبار أنه لا يمكن البقاء وحيداً في السجن، تعرفت إلى  سجناء واكتشفت عالماً آخر، وأن الحصول على المخدرات أسهل مما كنت اعتقد، وأقل ثمناً". 
يتابع: "بعد الخروج من السجن، لم أعد إلى تناول المخدرات. عملت في مشروع صغير، لكن جائحة كورونا حطمت أحلامي، وأعادتني الى حالة الإحباط السابقة، فعدت إلى تناول المواد المخدرة (الحشيش)، واعتقلت بطريقة قاسية بعد تفتيش بيتي فجراً مثل المجرمين الكبار، والتعامل معي بطريقة تجاوزت كل الاعتبارات الإنسانية. أيضاً، عندما دخلت السجن للمرة الثانية جرى التعامل معي بقساوة وصعوبة. وحتى عندما كنت أريد الصلاة، كان السجانون يتعاملون مع طلبي باستنكار واستهجان، ما انعكس سلباً على نفسيتي، وجعلني أغضب من المجتمع وكافة المؤسسات التي ترعى المواطنين وتحميهم". 
ويشير إلى أنه لا يرى جريمة كبيرة في تدخين "سيجارة حشيش"، ويقول: "شخصياً اعتبرها علاجاً. القوانين تجرمها، لكن وسائل الإعلام تجعل تناولها مادة للضحك والسخرية أحياناً وظاهرة طبيعية لدى شريحة واسعة من الناس، ما يجعل المدمن في هذه الحالة يشعر بأنّه على صواب". 
وحول تعامل أسرته معه، يقول المتعاطي السابق: "تفهمت أسرتي الأمر خاصة والدي الذي تعامل معي كمريض، لكن المجتمع نظر إلي كمجرم. وأنا أرى أنه يجب التعامل مع المتعاطين كمرضى وليس مجرمين، فهم يحتاجون إلى علاج وتأهيل، ومساعدة في العودة إلى المجتمع عبر توفير فرص عمل مناسبة، وعدم التعرض لملاحقة أمنية تتعلق بالمخدرات قد تفشل أي محاولة لعملهم في مؤسسات، وتحطم مستقبلهم". 
ويخبر أن أكثر ما ساعده في الابتعاد عن المواد المخدرة، هو التزام العبادات وتعزيز إيمانه، ما جعل وقع الأحداث والظروف الصعبة أقل قسوة عليه. ويرى ان مواجهة المخدرات في الأردن تبدأ بمواجهة البطالة، وخلق فرص عمل، مطالباً "بإيجاد مؤسسات رسمية وأهلية تهتم بالشباب ورعايتهم، علماً أن الأهم حالياً الاهتمام بالشبان خارج العاصمة عمان، خصوصاً في المناطق التي تنتشر فيها المخدرات مثل محافظات الشمال القريبة من الحدود السورية". 

الصورة
يتصدى الجيش الأردني لعصابات المخدرات على الحدود مع سورية (خليل مزرعاوي/ فرانس برس)
يتصدى الجيش الأردني لعصابات المخدرات على الحدود مع سورية (خليل مزرعاوي/ فرانس برس)

النشوة المدمرة
بدوره يقول أ. ص. الذي سجن 3 مرات بتهمة تعاطي المخدرات، وهو على مشارف التخرج من الجامعة: "كنت شاباً صغيراً أبحث عن النشوة، بدأت في تناول الكحول لأنه متاح ويسهل الحصول عليه، ثم شعرت بأنه لا يناسبني، فدفعني فضولي إلى الحصول على الحشيش الذي كنت سمعت عنه في الأفلام، وتردد ذكره كثيراً في الدعابات. وحين عرضت سيجارة حشيش عليّ جربتها، واعتبرتها أفضل من الكحول، لكنني لم أكن أعرف أنني أدخل الى دوامة كبيرة جداً، ومليئة بالعواقب القانونية والإجراءات القاسية". 
يضيف: "يواجه المتعاطي عقبات اجتماعية كثيرة في معاملة أفراد أسرته له وكذلك المجتمع، وهي لا تنحصر في إجراءات الاعتقال والمثول أمام المدعي العام، إذ يشارك الجميع بقسوة وبلا رأفة في العقاب، ما يخلق في كثير من الأحيان ردود فعل عكسية. والحقيقة أنني أصبحت منبوذاً داخل أسرتي. أخي الكبير لا يتقبلني، ولا يسمح لي بالصعود في سيارته، وأمي تخبرني يومياً أنها لم تعد تستطيع رفع رأسها بين الناس حين تسير إلى جانبي. أما أبي فيحتضنني وحده بقدر ما يستطيع، ويحاول إخراجي من الواقع الصعب". 
ويشدد على أنه طالب جامعي متفوق يملك إحساساً بالمسؤولية ويعمل ويحب أسرته ولا يستحق المعاملة السيئة والأذى النفسي اللذين يلحقان به. ويقول: "ينبذني المجتمع ويعتبرني مجرماً كبيراً بسبب التعاطي. ولا يقبل أحد مشاركتي في رحلة أو سهرة عامة، وربما لو كانت لي أخت عزباء لما تقدم أحد للزواج منها".
ويصف تعامل سلطات تنفيذ القانون معه بأنه "حصل بطريقة قاسية، وباستخدام ألفاظ غير متوقعة من رجال واجبهم حماية المواطنين، لكنهم يتعاملون مع المتعاطين كأصحاب سوابق جرمية كبيرة وبشعة، وفي شكل غير جيد، علماً أن أماكن الاحتجاز مكتظة، وعند الخروج لا يتابع أحد المتعاطين على الصعيدين النفسي والعلاجي، أو يسعى للاطمئنان على أوضاعهم، وقطع الطريق أمام احتمال عودتهم إلى التعاطي". 
ويخبر أنه عندما دخل السجن للمرة الأولى كان يعرف تاجر مخدرات واحدا، ثم بات يعرف عدداً أكبر عندما خرج إلى جانب قتلة وسارقين ومدانين بالاحتيال والاغتصاب والتحرش. 
ويلفت إلى أن "الإحصاءات السنوية الخاصة بالمخدرات تكشف زيادة الحالات، ما يعني أن الاجراءات الحالية غير ناجحة، وأنه يجب التعامل في شكل مختلف مع قضية انتشار المخدرات عبر إجراء دراسات علمية ومعمقة للحدّ من الانتشار". ويؤكد أهمية مواجهة المشكلة عبر الأساليب التربوية وليس الأمنية، والاعتماد على اختصاصيين في القطاع المدني، سواء أطباء أو مرشدون نفسيون أو اجتماعيون للتعامل مع المتعاطين، ومحاولة توجيه رسالة مناسبة لهم. 
كذلك يشدد المتعاطي السابق على أهمية تحسين القوانين الخاصة بالمخدرات، وتغيير أسلوب التعامل مع المتعاطين، "فتناول الحشيش لا يعتبر جريمة في بعض الدول، كما أن مناقشة مسائل المخدرات من المحرمات في الأردن، في وقت تجب التوعية  بأنواعها واشكالها وآثارها ومخاطرها في المدارس كي يتجنبها الشبان". 
من جهتها، تقول أستاذة علم الجريمة عضو التحالف الوطني لتعزيز مكافحة المخدرات في الأردن، خولة الحسن، لـ "العربي الجديد" إن "الجهود المتعلقة بالتوعية والعلاج في الأردن لا تتناسب مع الظاهرة التي تتنامى في المجتمع. يدرك الجميع الوضع في سورية وانعكاسه على الأردن، والجهود التي تنفذها الأجهزة الأمنية، لكن التنامي يكشف وجود عدد غير قليل من المروجين وتجار المخدرات في البلاد، ما يحتم التعامل مع انتشار المخدرات في شكل علمي، وتطبيق معادلة وقاية وعلاج". 
وتلفت إلى أن "برامج التوعية الحالية باتت لا تناسب الجيل الجديد، فغالبية الرسائل تعتمد على الطريقة التقليدية القديمة في التوعية، مثل المحاضرات التي لم يتغير مضمونها منذ سنوات، في وقت شهد العالم ثورة تكنولوجية اثرّت على كل نواحي الحياة، وباتت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لترويج المواد المخدرة، كما يجري توزيعها عبر شركات التوصيل". 

الصورة
حبوب مخدرات مضبوطة في الأردن (خليل مزرعاوي/ فرانس برس)
حبوب مخدرات مضبوطة في الأردن (خليل مزرعاوي/ فرانس برس)

لا مراكز لعلاج المدمنات
وتعتبر الحسن أن "مشكلة المخدرات في الأردن لم تعد تنحصر في الذكور، ما يعني أن توجيه مناهج الوقاية لهذه الفئة لا يراعي التغيّرات في المجتمع". وتحذر بالتالي من مخاطر انتشار المخدرات بين الفتيات والسيدات في ظل عدم وجود مراكز لعلاج المدمنات. وتشرح أن "مخاطر زيادة النساء اللواتي يتعاطين المخدرات كبيرة جداً، خصوصاً أن الفتيات أكثر قدرة على الترويج، لذا نطالب بوضع منهج وقائي شامل للإناث والذكور، والمروجين والمتعاطين ضمن مسارات ترتبط بالفرد والأسرة والمجتمع والمؤسسات التعليمية بطريقة متكاملة". وتتابع أن "برامج العلاج تستهدف المحكومين فقط وليس الموقوفين، وذلك بعد تخييرهم الخضوع لها أو عدمه. وهنا يجب تكثيف العمل لمحاولة إقناع المدمنين بأهمية العلاج من الإدمان، عبر تقديم حوافز وميزات للمتقدمين". 
وتنتقد الحسن عدم تناسب القدرات الاستيعابية لمراكز علاج الإدمان في الأردن مع أعداد المدمنين، وغياب الدراسات العميقة التي تعتمد على أدلة علمية لأسباب الإدمان في البلاد، من أجل استخدامها كنقطة انطلاق لمواجهة الظاهرة. وتعلّق: "لا يمكن الاستمرار بالقول إن التعاطي هو نتيجة الفقر، في وقت يجزم بأن التعاطي سبب ومحفز لجرائم أخرى كثيرة، تتعلق بالجنس والقتل والسرقة وغيرها، فالحقيقة أن البعض يبيع أهله وأسرته للحصول على مخدرات".  

وتطالب بأن تضع المؤسسات الرسمية والخاصة خطة عمل وطنية لمواجهة المخدرات وقائياً وعلاجياً وفق إجراءات واضحة، مشيرة إلى  الحاجة الماسة إلى برامج الرعاية اللاحقة لضمان عدم عودة المتعافين من الإدمان إلى تعاطي المخدرات، وتعرضهم لانتكاسة جديدة.