مجمّع الشفاء الطبي: الوضع أصعب من الموت وتكدّس الجثث ينذر بكارثة

مجمّع الشفاء الطبي: الوضع أصعب من الموت وتكدّس الجثث ينذر بكارثة

13 نوفمبر 2023
واحدة من الصور الأخيرة الواردة إلى وكالات الأنباء من مجمّع الشفاء الطبي المحاصر (الأناضول)
+ الخط -

لليوم الثالث على التوالي، يتعرّض مجمّع الشفاء الطبي الواقع غربي مدينة غزة، كما محيطه، لقصف إسرائيلي متواصل وقنص، في ظلّ حصار يطبق على أنفاس العالقين فيه من طواقم طبية وصحية ومرضى وجرحى ونازحين. يأتي ذلك وسط نفاد الوقود وبالتالي انقطاع التيار الكهربائي، الأمر الذي أدّى إلى فصل الأطفال الخدج عن أجهزة الدعم الطبي، كذلك الأمر بالنسبة إلى المرضى والمصابين في قسم العناية المركّزة، في حين تتحلّل الجثث حوله.

وقد أدّى نفاد احتياطي الوقود إلى ارتفاع مجموع الوفيات في مجمّع الشفاء الطبي إلى 27 مريضاً في العناية المركّزة وسبعة أطفال خدج، بعدما خسر هؤلاء الإسناد الذي كانت توفّره الأجهزة لهم، بحسب ما أفاد وكيل الوزارة يوسف أبو الريش في أكثر من تصريح صحافي اليوم الاثنين.

وبعد وفاة الأطفال الخدج السبعة من أصل 39، فإنّ ثمّة 32 من الصغار حديثي الولادة ما زالوا مهدّدين، وقد تُعلَن وفاة أيّ منهم في أيّ لحظة، لا سيّما أنّ الوضع يتدهور أكثر فأكثر مع إمعان الاحتلال في إطباق حصاره على المستشفى، وسط الحرب الإسرائيلية المستمرّة على قطاع غزة لليوم الثامن والثلاثين.

ولا يُعرَف إن كان هؤلاء الذين توفوا في مجمّع الشفاء الطبي قد أُضيفوا أم لا إلى الحصيلة الأخيرة للشهداء في قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. ومساء اليوم الاثنين، أفاد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بأنّ عدد الشهداء وصل إلى 11 ألفاً و240 شهيداً، من بينهم 4630 طفلاً و3130 امرأة.

ولفت أبو الريش، في حديث إلى وكالة الأناضول، إلى أنّ مئات من جثث الشهداء تتكّدس في ساحات مجمّع الشفاء الطبي المحاصر من قبل القوات الإسرائيلية، الأمر الذي ينذر بـ"وباء وكارثة حقيقية". أضاف أنّ "الوضع خطر جداً في مجمّع الشفاء الطبي، أكبر مستشفيات القطاع"، مبيّناً أنّ "المرضى يُجبَرون على الخروج من المستشفى على الرغم من إصاباتهم، وقد طالبنا مراراً بضرورة تأمين مرضانا أثناء إخلائهم المستشفى".

بدوره، أعلن مدير مجمّع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية، اليوم الاثنين، ارتفاع عدد الوفيات من جرّاء انقطاع الخدمات والتيار الكهربائي عن الأجهزة الحيوية التي كانت تبقي المرضى والجرحى وحديثي الولادة على قيد الحياة.

تجدر الإشارة إلى أنّ القوات الإسرائيلية استهدفت، في الأيام الأخيرة، أكثر من مجموعة من الأشخاص حاولت الخروج من المستشفى. وقد أكّد الأمر منسّق منظمة أطباء بلا حدود في مجمّع الشفاء الطبي محمد الحواجري، الذي قال في تصريحات إعلامية، اليوم الاثنين، إنّ أيّ شخص يتحرّك في الشوارع المحيطة بالمستشفى يُستهدَف من قبل قوات الاحتلال.

وأوضح الحواجري الذي خرج من المستشفى أنّه لم يعد قادراً على العودة إليه بسبب إطلاق النار، على الرغم من أنّه في مكتب المنظمة الواقع على بعد نحو 200 متر فقط من مجمّع الشفاء الطبي.

ووصف الحواجري الوضع في مجمّع الشفاء الطبي بأنّه "كارثي جداً"، مشدّداً "جداً كارثي"، إذ إنّ الكهرباء مقطوعة بالكامل ولا تتوفّر فيه مياه للشرب ولا غذاء ولا دواء ولا مستلزمات طبية. وتحدّث عن "ساحة حرب، الجميع فيها مهدّد والجميع عرضة للاستهداف"، مشيراً إلى أنّ جنود الاحتلال يطلقون النار على كلّ من يحاول إسعاف مصابين عند مدخل المستشفى. أضاف الحواجري أنّ الجثث تملأ الطرقات المحيطة بالمستشفى.

وكانت منظمة أطباء بلا حدود قد أعلنت، أمس الأحد، أنّها فقدت الاتصال بكلّ أفراد طاقمها داخل مجمّع الشفاء الطبي منذ ليل السبت-الأحد. ومساء اليوم الاثنين، نشرت تدوينات متتالية على منصّة "إكس"، تنقل فيها ما أفاد به طبيب جرّاح من المنظمة في مجمّع الشفاء الطبي صباح اليوم.

وفي إحدى التدوينات، نقلت المنظمة عن الطبيب: "نحن في حاجة إلى ضمان توفّر ممرّ آمن، لأنّنا رأينا أشخاصاً يحاولون مغادرة مجمّع الشفاء الطبي، فقتلوهم. قصفوهم. قتلهم القناص". وفي أخرى، أكد الطبيب نفسه أنّهم مستعدّون لإجلاء المرضى من المستشفى في حال توفّر ضمانات لذلك.

وإذ رأى الحواجري أنّ لا طرق آمنة لإجلاء المرضى من مجمّع الشفاء الطبي ولا النازحين الذين لجأوا إليه بعدما هُجّروا من بيوتهم، حذّر من أنّ "المصابين سوف يموتون متأثّرين بجروحهم" وسط الوضع الحالي.

وفي الإطار نفسه، قال المدير العام للمستشفيات في غزة محمد زقوت، اليوم الاثنين، إنّ لا "مكان آمناً متوفّر" لإجلاء الجرحى وحديثي الولادة من مجمّع الشفاء الطبي الذي تحاصره القوات الإسرائيلية. وأشار زقوت، في مؤتمر صحافي، إلى أنّ "مئات من الجرحى لا يستطيعون مغادرة المستشفى".

أضاف زقوت أنّهم طالبوا، أمس الأحد، بإدخال سيارات إسعاف مصرية لإجلاء الجرحى والمرضى وحديثي الولادة العالقين في مجمّع الشفاء الطبي ونقلهم إلى مصر من أجل تلقّي العلاج.

يُذكر أنّ عشرات الأطباء الإسرائيليين وقّعوا، قبل أيام من محاصرة مجمّع الشفاء الطبي، عريضة وجّهوها إلى القوات الإسرائيلية يطالبونه فيها بقصف المستشفى، زاعمين أنّه "يضمّ مقرّاً للمسلحين الفلسطينيين". كذلك أجاز عشرات الحاخامات الإسرائيليين قصف المستشفى في حال "اختباء" عناصر من حركة حماس داخله.

ويدّعي الاحتلال الإسرائيلي أنّ حركة حماس "تقيم قاعدة عسكرية" أسفل مجمّع الشفاء الطبي، الأمر الذي نفته مراراً الحركة وطالبت بلجنة دولية أو أممية للتحقق من ذلك.

في سياق متصل، نجح جودت المدهون، أحد النازحين الذين كانوا قد لجأوا إلى مجمّع الشفاء الطبي، في الخروج منه مع عدد من الأشخاص مساء اليوم الاثنين. وقد وصف الوضع فيه بأنّه "أصعب من الموت نفسه"، مؤكداً غياب "أدنى مقومات الحياة فيه".

وتحدّث المدهون لوكالة الأناضول عن "استهدافنا ثلاث مرّات من قبل الدبابات الإسرائيلية"، على الرغم من سلكوهم ما يُسمّى بـ"الممرّات الآمنة"، الأمر الذي أدّى إلى "سقوط جرحى" بينهم. وأوضح أنّهم خرجوا من بوابة المستشفى في اتّجاه شارع الوحدة، ثمّ إلى شارع اليرموك، وسط حالة من الهلع من جرّاء استهدافهم عسكرياً.

وأكد المدهون أنّ "لا حياة ولا مياه ولا كهرباء" في مجمّع الشفاء الطبي، مضيفاً: "كنّا نأكل من بضعة أكياس طحين خلّفها من سبقنا". وأشار إلى أنّه تناول الطعام "للتوّ، بعد 24 ساعة من الجوع. وهذه هي حال كلّ النازحين في المستشفى".

من جهة أخرى، علّق أبو سلمية على مزاعم القوات الإسرائيلية بشأن رفض استلام 300 ليتر من الوقود قائلاً إنّ الأمر "كذب وافتراء". وأوضح أنّ الكمية المعروضة تقديمها لا تشغّل مولدات المستشفى إلا لمدّة ربع ساعة فقط.

وأخبر أبو سلمية وكالة فرانس برس أنّ "الجيش (الإسرائيلي) اتّصل بي مرّتَين مدّعياً أنّه سيوفّر الوقود للمستشفى في محطة عكيلة التي تبعد 500 متر.. أبلغني في البداية أنّه سيوفر 2000 ليتر، ثمّ تراجع وقال 300 ليتر فقط شريطة ألا تصل إلى حركة حماس".

أضاف أبو سلمية أنّه ردّ قائلاً: "إذا أردتم تقديم المساعدة، فنحن نحتاج إلى 8000 ليتر على الأقلّ لتشغيل المولدات الرئيسية وإنقاذ مئات المرضى والمصابين. رفضوا، ولا نعرف ما هو الوضع.. ونناشد توفير الوقود لإنقاذ المستشفى".

ولفت أبو سلمية في تصريح لوكالة الأناضول إلى أنّه أبلغ الجانب الإسرائيلي بإيصال الوقود إلى المستشفى عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو منظمة دولية أخرى. ولم يخفِ أنّ "الطاقمَين الإداري والطبي في المستشفى خشيا من الاستهداف أثناء استلام الكمية الضئيلة من الوقود".

وكان المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري قد أفاد، مساء أمس الأحد، بأنّه "عرض تقديم بعض من الوقود لدى الجيش لتلبية الاحتياجات العاجلة لمجمّع الشفاء الطبي"، لكنّ "قيادة حماس تمنع المستشفى من تسلّم الوقود".

المساهمون