مجمع الشفاء... تهجير قسري جديد واعتقالات وإعدامات

غزة

أمجد ياغي

avata
أمجد ياغي
19 مارس 2024
+ الخط -
اظهر الملخص
- جيش الاحتلال الإسرائيلي قصف مجمع الشفاء الطبي الذي كان يأوي نازحين ومرضى، مما أسفر عن سقوط شهداء ومصابين خلال استعدادهم لوجبة السحور.
- النازحون والمرضى واجهوا صعوبات في الخروج بسبب القصف المستمر واستهداف الطواقم الطبية، مما دفعهم للنزوح مجددًا بحثًا عن الأمان.
- محاولات إعادة تشغيل المجمع بمساعدة الأطباء والممرضين تعرضت للفشل بسبب استمرار الاحتلال في استهداف المجمع والمناطق المحيطة، مما يعكس الوضع الإنساني المتدهور في غزة.

بينما كان المئات من النازحين والمرضى يتحضرون في مجمع الشفاء الطبي، فجر الاثنين الماضي، لتناول وجبة السحور بالتحايل على كميات الطعام الشحيحة التي حصلوا عليها من المساعدات الإنسانية الأخيرة، انقلبت الأجواء مع تفجر قنابل الإضاءة الإسرائيلية في كل مكان من حولهم، قبل أن يبدأ جيش الاحتلال قصف المجمع الطبي.
أوقع الهجوم المفاجئ العديد من الشهداء والمصابين في مجمع الشفاء الطبي، ومعظمهم كانوا موجودين أمام البوابة الشرقية التي أحرقها جيش الاحتلال. وحسب الشهادات، فإن الكثير من الجثث ظلت ملقاة على الأرض، كما عجزت الطواقم الطبية عن إسعاف المصابين، فطائرات الاستطلاع الإسرائيلية كانت تستهدف كل من يتحرك داخل المجمع وفي محيطه.
لم يستطع الموجودون في المجمع الطبي المغادرة أثناء الهجوم، لكن جيش الاحتلال ظل يطلب منهم عبر مكبرات الصوت إخلاء المكان. يقول هايل أبو رملة، والذي كان أحد الموجودين في المجمع عند اقتحامه: "أصبنا بالذعر، ولم يكن أي منا مستعداً للنزوح، لكن مكبرات الصوت كانت تكرر مطالبتنا بالمغادرة فوراً. قتل الاحتلال بعض الشبان الذين توافدوا إلى البوابة الغربية للخروج، ما دفع الباقين للبقاء في الداخل، ثم اقتحم جنود الاحتلال المجمع وأجبرونا على الخروج حاملين القليل من أغراضنا، وتركنا الفرش والأغطية، حتى الخيام لم نتمكن من اصطحابها في رحلة النزوح الجديدة".

طلب الاحتلال من الموجودين عبر مكبرات الصوت إخلاء مجمع الشفاء

يضيف أبو رملة، متحدثاً لـ"العربي الجديد": "نزحنا إلى مخيم النصيرات، فالوضع في مجمع الشفاء الطبي كان خطيراً، وكنا نعاني من قلة الطعام والشراب، وحتى العلاج، لكننا كنا نحاول البقاء على قيد الحياة. الكثير من المرضى والجرحى كانوا موجودين في المجمع، وعشرات العائلات التي سويت منازلها بالأرض خلال القصف مثلنا، وقد غادرنا بعد الاقتحام الأول، ثم عدنا إلى المجمع مجدداً لأننا لم نجد مكاناً آخر، وكانت الطواقم الطبية تعود تدريجياً، لذا أردنا أن نكون جماعة علنا نشعر ببعض الأمان، لكن الاحتلال قتل واعتقل كثيرين أمام عيني من دون رحمة".
وقبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، كان يعمل في المجمع أكثر من 1500 موظف، من بينهم نحو 500 طبيب، و760 ممرضاً، و32 صيدلانياً، إضافة إلى نحو 200 موظف إداري، وزاد العدد نظراً لخطة الطوارئ إثر العدوان إلى قرابة 2000، من بينهم متطوعون.
واقتحم جيش الاحتلال مجمع الشفاء الطبي في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وأجبر آلاف النازحين في داخل المجمع وفي محيطه على المغادرة، كما دمر أجزاء منه، واعتقل عدداً من أفراد الطواقم الطبية والنازحين، وسرق جثامين شهداء.
وعقب انتهاء عملية الاقتحام جرت محاولات لإعادة المجمع إلى العمل عبر أطباء وممرضين وموظفين ومتطوعين، وكوادر طبية كانوا يعملون في مستشفيات ومراكز صحية أخرى جرى تدميرها، فانتقلوا إلى مجمع الشفاء.

الصورة
لا تملك العائلات المهجرة مكاناً تذهب إليه (داود أبو القص/الأناضول)
لا تملك العائلات المهجرة مكاناً تذهب إليه (داود أبو القص/الأناضول)

كان بلال سهمود (32 سنة)، يعمل ممرضاً في مجمع الشفاء، وكانت زوجته وابنته ووالدته المسنة يرافقونه داخل المجمع بعد تدمير منزلهم في حي الجلاء، لكنه نزح إلى وسط قطاع غزة، ويقول: "كانت الامدادات الطبية محدودة، وكنا نحاول الحصول على إمدادات من مخازن بعض المراكز الصحية المتضررة، ومن المستشفيات الأخرى من أجل مواصلة العمل. الاقتحام الأول للمجمع في الشهر الثاني من العدوان الإسرائيلي أفقده صفته الطبية، وكونه المجمع الطبي الأكبر في قطاع غزة، لكنه عاد إلى العمل رغم حصاره من جميع الجهات، وعاد لاستقبال النازحين والمصابين، ويبدو أن ذلك أزعج الاحتلال، فعاد إلى استخدام حججه الواهية لإعادة اقتحامه".

اقتحم جيش الاحتلال مجمع الشفاء للمرة الأولى في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي

وصل سهمود وأسرته، مساء الاثنين الماضي، إلى قرية الزوايدة الواقعة بين مخيم النصيرات ومدينة دير البلح، ويؤكد لـ"العربي الجديد"، أنه "بعد القصف، سمعنا أصوات مركبات تتحرك من الناحية الغربية باتجاه شاطئ البحر القريب من منطقة الميناء، فاعتقدنا أنها شاحنات مساعدات، لكننا فوجئنا بانتشار جنود الاحتلال في محيط المجمع. الاحتلال اعتقل عدداً من النازحين والطواقم الطبية الذين كانوا داخل المدرسة الأميركية الدولية القريبة من مجمع الشفاء، كما اعتقل عشرات من النازحين والكوادر الطبية والصحافيين من داخل المستشفى، وأجبرهم على خلع ملابسهم، وقد نجوت من الاعتقال لأنني كنت قد بدلت ملابسي، وكنت أحمل طفلتي بسمة (ثلاث سنوات)، وحين خرجنا رأينا جثثاً على الأرض، وأحد المرضى نظر إلي بينما كنت أغادر، لكنه لم يتحدث، فالجنود في كل مكان، وإن عرفوا أنني ممرض سيتم اعتقالي".
يتابع: "يضم المجمع مرضى في العناية المركزة بالطابق الأول من المبنى الرئيسي، وإخراجه من الخدمة يعني وفاة هؤلاء كما حدث في الاقتحام الأول، والذي راح ضحيته قرابة 20 شهيداً من أصحاب الإصابات الخطرة، لكن الاحتلال لا يكترث بأي شيء ويواصل القتل والقصف".

الصورة
تهجير قسري جديد من مجمع الشفاء ومحيطه (فرانس برس)
تهجير قسري جديد من مجمع الشفاء ومحيطه (فرانس برس)

دفع جيش الاحتلال الغزيين الموجودين في مجمع الشفاء إلى التهجير القسري باتجاه الجنوب، وتحديداً إلى دير البلح، أو منطقة المواصي في مدينة خانيونس، والتي يدعي أنها مناطق آمنة، رغم أنها جميعاً تعرضت لعمليات عسكرية متكررة، وشهدت قنص واعتقال المئات منذ يناير/ كانون الثاني الماضي.
ويتذرع الاحتلال بوجود عناصر مطلوبين في مجمع الشفاء، لكنه يقوم للمرة الثانية باعتقال النازحين والكوادر الطبية، كما تم الإعلان عن اغتيال العميد فايق المبحوح، الذي يتولى عملية التنسيق مع العشائر ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، لإدخال وتأمين المساعدات الإنسانية إلى شمالي غزة، خصوصاً في الفترة الأخيرة التي شهدت إدخال بعض شاحنات المساعدات إلى شمالي القطاع بشكلٍ منتظم.
ووصف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة اغتيال المبحوح بالجريمة الغادرة، مؤكداً في بيان أن المبحوح كان يمارس عملاً مدنياً إنسانياً بحتاً، وكان يجب حمايته وعدم التعرض له بموجب القانون الدولي، مضيفاً أن التقديرات تشير إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى، ولا تتوفر طواقم طبية لإنقاذ المرضى والمصابين، فبعض الطواقم جرى اعتقالهم والآخرون محاصرون لا يمكنهم الحركة.
واستشهد اثنان من سكان مخيم النصيرات، وأصيب العشرات ممن كانوا يتجمعون بانتظار النازحين من مجمع الشفاء الطبي، بعدما استهدفتهم مدفعية الاحتلال بالقرب من منطقة البيدر، وهي المنطقة التي تجري إقامة رصيف بحري مؤقت فيها، وجرى تنزيل حمولة أول سفينة مساعدات تصل إلى شمال غزة فيها، وهي السفينة التي انطلقت من قبرص بدعم من الاتحاد الأوروبي، ويتحكم جيش الاحتلال تماماً في منطقة الرصيف البحري، كما احتل المنطقة المحيطة، ويحاول فرض رقابة على تصميم الرصيف.

كان سليمان أبو عاذرة (40 سنة)، أحد النازحين من مجمع الشفاء الطبي، والذي كان يتلقى فيه العلاج منذ إصابته بخلع في الكتف ونزيف حاد على أثر إصابته أثناء قصف إسرائيلي على غربي مدينة غزة قبل أسبوعين، وقد نجا بأعجوبة من قصف المجمع، بينما استشهد عدد من المصابين الذين كانوا بالقرب منه أثناء قيامهم بالمشي قبيل السحور بالقرب من البوابة الغربية، وقد ظلوا محاصرين حتى الصباح في المكان، ثم قرر المغادرة إلى مدينة دير البلح بعدما شاهد اعتقال شبان ورجال من المجمع.
يقول أبو عاذرة لـ"العربي الجديد": "أحاطت بنا قوة كبيرة من جيش الاحتلال مدعمة بالدبابات والطائرات المسيرة التي كانت تستهدف الجميع، وكان هناك إطلاق نار مباشر باتجاه النازحين والطواقم الطبية، وكان الأمر مفاجئاً لأنه لم تكن هناك أسباب تدعو إليه، فلم يكن هناك أي دليل على وجود عمل عسكري في المنطقة، ولم يكن أحد يرتدي الزي العسكري، ولم يكن يوجد مع أي أحد سلاح بالمطلق".
يتابع: "لم يكن أمامنا سوى المغادرة، وسلكنا الطريق إلى دوار النابلسي، ثم تابعنا السير مع الأطفال والنساء وكبار السن حتى وقفنا على حاجز عسكري، واعتقل الاحتلال عدداً من النازحين، وكان يستجوب آخرين، من بينهم مرضى، وسألوني عن اسمي فقط، ثم تركونا نتابع السير إلى دير البلح".

ذات صلة

الصورة
عشرات الشهداء في مجزرة مخيم النصيرات (محمد الحجار)

مجتمع

خلفت مجزرة مخيم النصيرات عشرات من الشهداء والجرحى الذين كانوا من بين الناجين من مجازر إسرائيلية سابقة، وآخرين عاشوا مرارة النزوح المتكرر والجوع.
الصورة
تظاهرات الدعم لغزة/من التظاهرة التي خرجت أمس في عمّان دعماً لغزة (العربي الجديد)

سياسة

خرجت اليوم الجمعة، تظاهرات الدعم لغزة وفلسطين في عدد من العواصم والمدن العربية، وتحديداً في الأردن والمغرب واليمن، ولا سيما بعد صلاة الجمعة.
الصورة
حفلات لبنان، عمرو دياب/فرانس برس

منوعات

وجدت الممثلة الباكستانية الشهيرة مايا علي نفسها وسط جدل بعد أن أبدت تضامنها مع الغزيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي وظهرت في إعلان بيبسي.
الصورة
الرباع الفلسطيني حمادة روى طريقة خروجه من القطاع (العربي الجديد/Getty)

رياضة

تتواصل قصص الإبداع في فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، رغم أنه يتعرض لحرب إبادة جماعية بآلة القتل الإسرائيلية، إذ لم تُفرّق نار الظلم بين صغير وكبير

المساهمون