مأساة غزة... المطر والبرد يفاقمان معاناة النازحين

مأساة غزة... المطر والبرد يفاقمان معاناة النازحين

15 نوفمبر 2023
الخيام لا تقيهم البرد أو تحميهم من الأمطار (أشرف أبو عمرة/الأناضول)
+ الخط -

لم تتمكن النازحة أم إيهاب عمر من منع دموعها حين هطلت الأمطار فوق الخيمة التي تقبع فيها مع عائلتها، إذ لم تحضر ملابس الشتاء لأطفالها حين هروبها من القصف الإسرائيلي، وحالياً لا تعرف كيف سيواجهون البرد.
لم تكن السيدة الفلسطينية تتوقع أن تتوسع دائرة الاستهداف خلال العدوان الإسرائيلي، لتطاول البرج الذي كانت تقطن فيه عائلتها في حيّ تل الهوا، لكن القصف وصل إلى محيط المبنى، فقررت العائلة النزوح حاملة بعض ملابس أطفالها الثلاث، وأصغرهم عمره خمس سنوات والأكبر 13 سنة.
ويزداد قلق النازحين الغزيين مع استمرار العدوان، وخسارة المزيد منهم لمنازلهم، سواء التي تضررت كلياً أو تضررت جزئياً، فالشتاء على الأبواب، ومن المتوقع أن يكون أصعب في ظل تدمير الاحتلال لكل المرافق العامة والبنية التحتية، بينما الكثيرون منهم لا يعرفون مصيرهم، وهل سيبقون في الخيام أو المدارس، أم يعودون إلى منازلهم لترميمها إن كان ذلك ممكناً.
ويتفاقم القلق مع انخفاض درجات الحرارة، فالنازحون العاجزون عن توفير الطعام والماء لن يمكنهم مواجهة البرد، وأغلبهم يوجدون في المدارس، أو في المستشفيات، وآخرون يبيتون في محيط منازل بالمناطق التي نزحوا إليها، أو في بعض شوارع المخيمات بعد امتلاء المنازل بالنازحين، خصوصاً في مخيمات دير البلح وخانيونس ورفح.
تقول أم إيهاب عمر لـ"العربي الجديد": "نزحنا من منزلنا في 28 أكتوبر الماضي، وحملنا معنا ألبسة قليلة خفيفة لتغيير ملابسنا التي خرجنا بها، وبعض الأوراق الرسمية التي نحتاجها، ومنذ نزوحنا لم نحصل على أغطية ولا فرش ولا شيء، وحصلت بعد عناء من طريق أحد أقاربي المقيمين في مدينة خانيونس، على فرشتين وغطاء واحد، ونقوم بغسل ملابسنا كل يومين، وننتظر أن تجفّ حتى نبدل ملابسنا".

الصورة
غزة.. الأمطار تفاقم معاناة النازحين الفلسطينيين
يكافح الأهالي لتوفير الدفء لأطفالهم (أشرف أبو عمرة/الأناضول)

وقامت العديد من العائلات الغزية التي نزحت في بدايات العدوان الإسرائيلي بمغادرة منازلها إلى مناطق قريبة، وحملوا معهم ملابس قليلة وبعض الأغراض التي تكفي لاستخدامهم لبضعة أيام معدودة، فلم يتوقع أحد أن تمرّ كل هذه الفترة عليهم كنازحين، كذلك لم يتوقعوا حجم الدمار الذي حلّ بمنازلهم التي دُمِّر الكثير منها ليفقدوا كل ما يملكون من متاع الحياة.
من بين هؤلاء، محمد الهليس (40 سنة)، الذي دُمِّر منزله في حيّ النصر بمنطقة الفالوجا بالقرب من مخيم جباليا في شمال قطاع غزة، فنزح إلى خيمة نصبها داخل مدرسة تتبع وكالة أونروا بالقرب من مخيم خانيونس.
لدى الهليس تجارب مع العدوان الإسرائيلي في عامي 2008 و2009، وكذلك مع عدوان عام 2014 الذي استمر 51 يوماً، ونزح خلاله إلى منزل في منطقة السلاطين شماليّ القطاع، لكنه يعتبر العدوان الحالي أقسى منها جميعاً، إذ إن الدمار أضعاف أي عدوان سابق.
يواجه الهليس البرد منذ أيام مع ابنتيه يارا (11 سنة) وسجى (9 سنوات)، وهو لا يملك سوى جاكيت كبيرة أحضرها في اللحظات الأخيرة قبل مغادرة المنزل، ويستخدمها كغطاء لطفلتيه ليقيهما شدة البرد، مشيراً إلى أنه وجد في المدرسة عدداً من أكياس الدقيق الفارغة، فغسلها وجفّفها، وفرشها داخل خيمته التي لم تكن تحوي أي فرشة، وفي بعض الليالي يستخدمها كغطاء يقيه الشعور بالبرد.

الصورة
غزة.. الأمطار تفاقم معاناة النازحين الفلسطينيين
لا يملك النازحون ما يقيهم من البرد (الأناضول)

يقول الهليس لـ"العربي الجديد": "نزحنا تاركين الفرش والأغطية، وخرجنا بملابس قليلة لكوننا من الأسر التي نزحت بعد أسبوع من العدوان. نزحت في البداية إلى حيّ الشيح رضوان، ثم إلى أحد مدارس أونروا في حيّ النصر، ثم نزحنا مجدداً إلى مخيم النصيرات، ثم إلى مدرسة تتبع أونروا في مخيم خانيونس، وحين وصلنا وجدنا جميع الفصول ممتلئة بالناس، فمنحونا خيمة صغيرة، واليوم دخلتها مياه الأمطار، ولا نعرف متى ستنتهي الحرب، ومتى نعود إلى منزلنا، إن كان لا يزال المنزل قائماً".
وبينما يواجه النازحون البرد المتزايد منذ أيام، يطالبون المنظمات الدولية والمحلية بتوفير الفرش والأغطية، لكن الاستجابة محدودة أو منعدمة كما يؤكد الكثير منهم، حتى إن بعضهم بحث عن أماكن تبيع الأغطية، لكن الواقع يشير إلى أنها نفدت من من المحالّ القليلة التي ما زالت تعمل في وسط القطاع وجنوبه.
تقيم كريمان الترتوري (45 سنة) مع عائلتها في خيمة داخل ساحة إحدى مدارس وكالة أونروا، وتقول إن "أقسى شيء في واقعنا الحالي أننا مضطرون إلى مواجهة البرد والخوف والجوع في آنٍ واحد. يمكننا التغلب على الجوع في بعض الأحيان بتأمين القليل من الطعام، لكن الخوف والبرد أحاسيس خارجة عن إرادة الإنسان، ولا يمكننا التحكم فيها، وفي الوقت الحالي نعيش الوضع نفسه الذي واجه أجدادنا في نكبة عام 1948، لأنهم هُجِّروا في فصل الصيف، وقضوا الشتاء في خيام كما سمعت من جدي".

الصورة
غزة.. الأمطار تفاقم معاناة النازحين الفلسطينيين
أغرقت الأمطار النازحين داخل مدرسة وكالة "أونروا" (أشرف أبو عمرة/الأناضول)

تضيف الترتوري لـ"العربي الجديد": "أشعر ببرودة لم أشعر بها منذ أيام الطفولة عندما كنت أذهب إلى المدرسة في صباحات الشتاء المبكرة بينما أرتدي قميص المدرسة الأزرق، ولا نستطيع مقاومة البرد حالياً لأننا بلا خيارات، فنحن نعيش داخل خيمة، ولا نملك إعداد كأس شاي ساخن حتى، ولا نملك ألبسة أو أغطية كافية لتدفئتنا، وخرجت قبل أيام للبحث عن أية ملابس، ولو كانت مستعملة، لتدفئة أبنائي الأربعة، لكن المتوافر قليل، والبرد يزداد، والخيمة لا تقينا أو تدفئنا، وأذهب للاستحمام في منزل أقاربنا مع أبنائي".
ومن داخل مدرسة بنات رفح الإعدادية التابعة لوكالة أونروا في منطقة تل السلطان غربيّ مدينة رفح، يعبّر النازحون عن غضبهم الشديد، إذ لم تتوافر لهم أية خدمات، حتى إنهم يحصلون على مياه الاستحمام والغسيل بشكلٍ متقطع، ولفترات قصيرة، فالماء شحيح، وهم ينتظرون سماع أصوات الصنابير عندما تتوافر المياه، كما لا تتوافر الكهرباء منذ ثلاثة أسابيع داخل المدرسة.
يقول أبو زينة شاهين (46 سنة)، وهو نازح من مدينة غزة، إنهم يبحثون عن محل لشراء الفرش والأغطية منذ أيام بعد أن طلبوا الأغطية من إدارة مدارس أونروا، فلم تجبهم، لكونها لا تمتلك شيئاً، وإن مياه الأمطار أغرقت الخيام وفناء المدرسة، بينما هم يصفون في طابور لتعبئة الخزانات الفارغة منذ يومين.
يضيف شاهين لـ"العربي الجديد": "هربنا من القصف، فحاصرتنا الأمطار، ويطاردنا البرد، وأصبحت كل الشوارع المحيطة موحلة، وكذا داخل المدرسة، والبرد يضرب أجساد أطفالنا منذ أيام، وكنا في البداية نكذب على الأطفال قائلين إنه لا يوجد برد، لكن حالياً لا يمكننا مواصلة ذلك، ولا نعرف إلى متى يمكننا تحمّل قسوة البرد. الخيام لا تحمينا، ولا يوجد طعام كافٍ، ولم تسلّمنا أي جهة دولية، ولا الأونروا، أية مساعدات عينية منذ أسبوعين، وفي الأيام الأولى بعد وصولنا سمعنا من بعض النازحين أنهم تلقوا طعاماً ومياهاً، لكن لم يصل إلينا أي شيء، والناس أصبحوا يستخدمون الطناجر الكبيرة لتخزين مياه الأمطار، عسى أن توفر المياه للشرب مؤقتاً".

يجلس عشرة أفراد من عائلة أبو الطرابيش داخل خيمة بجوار مستشفى النصر في جنوب غزة، ويعيشون على قليل من الطعام الباقي لديهم، وهو كسرات خبز وأعشاب مجففة حفظوها في كيس بلاستيكي. تقول نرمين أبو الطرابيش إنها تشعر أنها محظوظة لبقائها على قيد الحياة، بعد أن نجت من القصف العنيف على محيط مجمع الشفاء في مدينة غزة. وتضيف: "استشهد البعض، وأصيب آخرون، وكنت أركض مع آخرين. كان يوماً مأساوياً، ولم يسبق لي أن واجهت يوماً مثل هذا في حياتي".
وحسب بيانات وكالة أونروا، بلغت أعداد النازحين في قطاع غزة ما يقرب من 1.6 مليون شخص منذ بداية العدوان الإسرائيلي في السابع من شهر أكتوبر الماضي، وافتُتِحَت ثلاثة ملاجئ إضافية في رفح، ويقيم ما يقرب من 778 ألف نازح في 154 منشأة تابعة لأونروا في محافظات قطاع غزة الخمس.
ويتركز إيواء النازحين في مناطق وسط غزة وخانيونس ورفح منذ بدء العدوان الإسرائيلي، وكان ما يقرب من 160 ألف نازح يقيمون في 57 مدرسة تابعة لأونروا في المناطق الشمالية ومناطق مدينة غزة حتى 12 أكتوبر، لكن أعداداً كبيرة منهم نزحت باتجاه مناطق الوسط والجنوب، وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" أن أكثر من 700 ألف طفل نزحوا في قطاع غزة، وأجبروا على ترك كل شيء وراءهم.

المساهمون