قصة تضامن شعبي مصري مع عائلة فرت من السودان

02 مايو 2023
عائلة سودانية وصلت إلى أسوان في جنوب مصر (آدم عبد الفتاح/الأناضول)
+ الخط -

حين ارتدى الطفل السوداني عمر ملابس عيد الفطر، لم يكن يدري أنه سيكرهها للأبد، لأنه ظل يلبسها لعدة أيام ملطخة بدماء أحد رفقاء رحلة الهرب من الخرطوم إلى القاهرة. جفت الدماء على ملابس الطفل بعد أن امتزجت بعرقه، فيما تجلس أمه إلى جواره في إحدى شقق مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، والتي تنازل صاحبها متطوعاً عن قيمة إيجارها.
تجد الأم السودانية إخلاص حسن، التي وصلت قبل ساعات إلى القاهرة مشقة بالغة في تذكر قسوة الأيام الماضية، وتتبدى على ملامحها متاعب الرحلة عبر الحدود المصرية السودانية. تقول: "نجونا بأعجوبة، ولم نكن لنصل إلا بمساعدة المحسنين من المصريين والسودانيين".
تتحامل على نفسها لتحكي لـ"العربي الجديد": "خرجنا من الخرطوم مشياً على الأقدام، وظللنا نمشي لأيام تظللنا طائرات الجيش بأزيزها المفزع، فيما يتحصن أفراد الدعم السريع بالبنايات، ويطلقون الرصاص في كل الاتجاهات. علق الجميع بالشوارع الدامية، ولم يكن ثمة مفر إلا الهروب من الموت المؤكد إلى الموت المحتمل. كنا مجموعة من الجيران، مع آخرين لا نعرفهم. فجأة أصيب رجل مسن كان يمشي بجوار ابني عمر بالرصاص، ولطخت دماءه رفاق الهرب الذين أصيب بعضهم، لكنهم ظلوا قادرين على مواصلة الرحلة، فيما سقط الرجل أرضاً، ولم نجد شيئاً نفعله لإنقاذه، فلا مستلزمات علاج، ولا تعمل الهواتف لنطلب الإسعاف".
تضيف: "مضينا باتجاه موقف الحافلات الذي كان يعج بالهاربين من جحيم الحرب، وقد منحنا موظفو المحطة أولوية كوننا سيدات ومعنا أطفال. أتذكر جيداً اسم سائق الحافلة المصري ياسين، والذي يعمل على خط أم درمان أسوان، ثم يسلم زميلاً له الحافلة لتكمل الطريق إلى وجهات أخرى في داخل مصر، لم تنس إخلاص الاسم لأنه حين وجد البعض قد نفدت أموالهم، وهي من بينهم، فأوصى زميله أن لا يأخذ منهم الأجرة التي وصلت إلى نحو 300 دولار، بعد أن كانت 40 دولاراً فقط قبل الأزمة".
عند المعبر، وبعد ساعات من فرز القادمين، قرر ضباط الجوازات عدم دخول من لا يحمل جواز سفر أو تأشيرة إلا إذا كان عمره أقل من 18 سنة، أو فوق الخمسين، فعاد نحو نصف الركاب إلى الجانب السوداني من المعبر محبطين. أما من عبروا الحدود، فسارع متطوعون لتقديم الإسعافات الأولية والطعام لهم، حتى أن أفراد الهلال الأحمر المصري وفروا مستلزمات للنظافة الشخصية، وحفاضات للأطفال.

قدم الهلال الأحمر المصري مساعدات للاجئين السودانيين (فرانس برس)
قدم الهلال الأحمر المصري مساعدات للاجئين السودانيين (فرانس برس)

مضت الحافلة نحو الشمال، حتى وصلت إلى وسط القاهرة، وهناك كان في الانتظار عشرات السودانيين لاستقبال أقارب أو أصدقاء، أما إخلاص، فلم يكن ينتظرها أحد. حين انفض غالبية المنتظرين، عرض سودانيون عليها اصطحابها بأطفالها للإقامة مع أسرهم حتى تتدبر أمرها، فرفضت، ودس شاب مصري كان بانتظار شقيقه في يدها خمسين جنيهاً مصريا "دولارا ونصف الدولار تقريباً"، وحين حاولت الرفض ترك النقود ومضى.
كانت السيدة السودانية لا تدري ماذا تفعل، فنصحها أحد السودانيين بالذهاب إلى منطقة "أرض اللواء"، حيث "السودانيون بالآلاف هناك"، ومنحها رقم هاتف شخص للاتصال به، مؤكداً أنه سيدبر لهم الأمور. استقلت حافلة ركاب جماعية صغيرة إلى "أرض اللواء"، وهاتفت الشخص المذكور عندما وصلت إلى المنطقة. لكنه لم يرد. جلست على الأرض تواصل المحاولة، فيما العابرون من السودانيين والمصريين يلقون في حجرها وحجر طفليها أوراقاً نقدية، وهي تحاول أن تردها بلا جدوى، فيما جاء آخرون بأطعمة ومشروبات. في وقت لاحق، استسلمت للإرهاق الذي أفقدها القدرة على الرفض، بينما شرع الطفلان في التهام الطعام.

تضم غالبية العائلات السودانية التي غادرت أطفالاً (آدم عبد الفتاح/الأناضول)
تضم غالبية العائلات السودانية التي غادرت أطفالاً (آدم عبد الفتاح/الأناضول)

بعدها منحها شاب مصري ورقة فيها رقم هاتف مفوضية اللاجئين، ورقم هاتف جمعية تساعد اللاجئين، كان هاتفها قد ماتت بطاريته، فدفع إليها بهاتفه لتتصل بالأرقام. ردت موظفة المفوضية بالقول إنها لا تملك حالياً إلا تسجيل البيانات. أغلقت إخلاص الهاتف في يأس، فطلب الشاب منها أن تتصل بمجموعة تقدم العون للسودانيين والسوريين. اتصلت، وعندها تهللت أساريرها حينما طلبوا منها أن تستقل سيارة أجرة إلى مدينة 6 أكتوبر، وإنهم سيتولون دفع الأجرة، فقامت تجر طفليها وراءها للمغادرة.
في الطريق، سمع السائق حكايتها، فأظهر تعاطفاً كبيراً جسده في تقليص الأجرة إلى الربع تقريباً. وصلت، فوجدت المتطوع السوداني محجوب آدم، في استقبالها، ونقلها إلى الشقة، لتفترش فيها حصيراً، وتلتحف بغطاء تبرع بهما أهل الخير.

يقول محجوب آدم إنه منخرط ضمن مبادرة لتجمع السودانيين في مصر، تحاول بشكل تطوعي المساعدة، وإن المبادرة كثفت مؤخراً نشاطها لمساعدة القادمين من السودان، وخصوصاً السيدات والأطفال والمرضى، إذ توفر المأوى والأدوية وبعض مستلزمات المعيشة، وتعتمد في ذلك على جهود متطوعين ومتبرعين مصريين وسودانيين، ويوضح لـ"العربي الجديد": "ندرك صعوبة الأوضاع المعيشية للأشقاء المصريين، لكنهم لا يدخرون جهداً أو مالاً رغم ذلك، ويهرعون لتقديم العون، كما نتعاون مع منظمات شريكة لمفوضية اللاجئين في توفير المأوى".

المساهمون