قصة الشاب محمد حميدة صانع اليرغول في غزة

قصة الشاب محمد حميدة صانع اليرغول في غزة

غزة
أمجد ياغي
17 مايو 2022
+ الخط -

لا تزال بعض المناطق في بلدة بيت حانون في أقصى شمال قطاع غزة تشهد نمو نبات البوص الكبير والعريض الذي يستغل سكان البلدة أغصانه لإنشاء أعشاش للحيوانات، أو وضعها على أسطح الخيم الصغيرة.

أما الشاب محمد حميدة (20 عاماً) فيصنع من هذا النبات آلة اليرغول الموسيقية التي يروجها من خلال استخدامها للعزف، ويبيعها كمصدر رزق.
بدأ حميدة في العزف حين كان في الصف السابع من المرحلة الإعدادية المدرسية. ولدى عودته إلى منزله من المدرسة القريبة من وادي عزبة في بيت حانون كان يلعب بأغصان نبات البوص الذي يرتفع أكثر من مترين، وحصل أن شاهد مرة شخصاً يعزف على آلة اليرغول بالصدفة، وعلم أن تصنع من النبات ذاته الذي يلهو به لدى عودته من المدرسة.
يعيش حميدة في منزل متواضع ببلدة بيت حانون، وتتألف عائلته من 8 أفراد يعيلهم من صنع آلات اليرغول من نبات البوص وبيعها، علماً أنه ترك المدرسة منذ سنوات، وعمل في الكثير من المهن لتأمين مستلزمات أسرته وسط الظروف الاقتصادية الصعبة السائدة في قطاع غزة، لكنه أحب آلة اليرغول وحلم في استخدامها للعزف.
يصنع حميدة اليرغول باستخدام أدوات بسيطة بينها منشار حاد وسيخ حديدي ولفة لاصق أسود، وذلك بعد انتقائه أغصان البوص القوية والرفيعة التي تسمح بتوفير فتحات هواء داخلية. ويحرص على نحت الفتحات في كل خانة صغيرة لإخراج الألحان، ويجعلها بملمس ناعم. 
يشبه كثيرون آلة اليرغول بالناي على صعيد الشكل، لكن حميدة يشرح الفرق بينهما بالقول لـ"العربي الجديد": "تنتج اليرغول ألحاناً أعلى من خلال النفخ القوي، وهي أقصر من الناي على صعيد الطول، وتختلف نغماتها عن الناي في السلم الموسيقي".

الصورة
تشبه آلة اليرغول الناي في الشكل (محمد الحجار)
تشبه آلة اليرغول الناي في الشكل (محمد الحجار)

يضيف: "أستيقظ كل صباح مع شروق الشمس، وأقصد مزارع في بيت حانون تضم نبات البوص، فأنتقي الأغصان القوية التي قد تجرح يدي، وهو أمر اعتدت عليه علماً أن قص البوص يحتاج إلى قوة كبيرة، لذا أستخدم آلة للقطع ثمنها 5 شيكلات (1.60 دولار). وهذا مصدر رزقي الوحيد لأنني لا أجد أي عمل آخر".
ويلجأ حميدة إلى طرق عدة لبيع آلات اليرغول، بينها تسويقها من خلال عرضها أمام الناس، لكن أفراداً كثيرين من الأجيال الجديدة لا يعرفون هذه الآلة.

نجوم وفن
التحديثات الحية

ويخبر أنه جرب مرة استخدام اليرغول للعزف على شاطئ البحر شمال قطاع غزة، فنجح في جذب اهتمام بعض الناس الذين استفسروا عن الآلة وكيفية العزف عليها، واشتروها، ما دفعه إلى تكرار السير بالتزامن مع العزف على اليرغول على شاطئ البحر المزدحم للفت الأنظار، ثم انطلق إلى المتنزهات والأسواق الشعبية حيث اكتشف أن كثيرين يحبون عزفه ونغماته رغم أن بعضها توحي بالحزن، وبادروا إلى شراء اليرغول. وبعدها انتقل إلى عزف ألحان تفرح الموجودين خصوصاً الأطفال في المتنزهات، وهو يقطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام للوصول إلى تجمعات الناس.
يضيف: "أعيش في ظروف صعبة مع أسرتي. الفقر شديد ومعاناتنا اليومية كبيرة مثل كل عائلات القطاع، وأجد أن آلة اليرغول تعبر عن الحزن في داخلي وهويتي الإنسانية، وكذلك عن الحزن الفلسطيني، لذا يشعر كثير من الناس أنها قريبة مما يدور حولهم وشخصياتهم ويومياتهم".

يستخدم اليرغول في العزف (محمد الحجار)
يستخدم اليرغول في العزف (محمد الحجار)

ويعزف حميدة الألحان الفلسطينية والفولكلور الشعبي والأغاني الشامية والتركية. وقد لاحظ من خلال بحثه في الإنترنت عن أغانٍ وألحان تُعزف على اليرغول، أن شعوب منطقة بلاد الشام وتركيا هي الأكثر استخداماً لآلة اليرغول في العزف. ويؤكد أن مهاراته في العزف تطورت في شكل كبير لدرجة أن كثيرين أصبحوا يتعلمون العزف منه، ويتجمعون في بلدة حانون ليرافقوه في العزف. 
والواقع أن حميدة يحصل على تعليقات إيجابية كثيرة من الناس، ويرى أن عزفه يروح عن نفوس كثيرين خصوصاً عند شاطئ البحر، وخلال فصل الصيف ووقت الغروب، و"هي المواقع والفترات الأفضل للعزف". ويكشف أنه كان يرفض في البداية تلقي مال من الناس الذين يستمعون إلى عزفه، ويعتقدون بأنه يفعل ذلك للحصول على مال. وعندما تكرر هذا الموقف أصبح يضع الآلات إلى جانبه كي يفهم الناس أنه يريد بيعها.
ويقول: "أطمح دائماً في الحصول على دخل جيد من البيع. في فصل الشتاء يقل الدخل، أما في أيام الإجازات حيث يتواجد الناس فترات طويلة فأحرص على قضاء ساعات لتعويض البيع، وأطمح إلى احتراف عزف اليرغول، وأريد أن انضم يوماً إلى فرق معروفة في التراث الفلسطيني، حتى أعزف وأحسّن دخلي".

الصورة
صنع اليرغول مصدر رزق حميدة (محمد الحجار)
صنع اليرغول مصدر رزق حميدة (محمد الحجار)

ذات صلة

الصورة
مناقشة رسالة ماجستير الأسير زكريا الزبيدي (العربي الجديد)

مجتمع

نوقشت في "جامعة بيرزيت" الفلسطينية، السبت، رسالة الماجستير الخاصة بأحد أبطال عملية "نفق الحرية"، الأسير زكريا الزبيدي، بعد مرور نحو عشرة أشهر على العملية التي تمكن فيها ستة أسرى فلسطينيين من الفرار من سجن جلبوع الإسرائيلي عبر نفق حفروه أسفل السجن.
الصورة
محمد شعبان (محمد الحجار)

مجتمع

لم يتوقع الغزي مهدي شعبان العمل في مهنة حفر القبور، هو الذي يحمل شهادة الماجستير في اللغة العربية، لكن هذا حال شباب القطاع
الصورة
كان خويرة يغطّي مظاهرة لطلاب جامعة النجاح في نابلس (فيسبوك)

منوعات

اعتقلت قوات الأمن الفلسطينية مراسل "العربي الجديد"، الزميل سامر خويرة، في أثناء تغطيته الأحداث التي وقعت في جامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس شماليّ الضفة الغربية، التي شهدت اعتداء أمن الجامعة على عدد كبير من الطلاب، قبل أن تعود وتطلق سراحه.
الصورة
انخفاض التلوث في بحر غزة (عبد الحكيم أبو رياش)

مجتمع

يزدحم شاطئ قطاع غزة يومياً بالمصطافين، مع دخول موسم الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وإنهاء الطلاب عامهم الدراسي، وانحصار وباء كورونا الذي عصف بالقطاع على مدار العامين الماضيين.

المساهمون