فلسطينيون من غزة في رفح... لا مفر إلا السماء

فلسطينيون من غزة في رفح... لا مفر إلا السماء

12 فبراير 2024
أين يذهب جميع هؤلاء؟ (عبد زقوت/ الأناضول)
+ الخط -

على مدار اللحظة يتابع الفلسطينيون في غزة في مدينة رفح الأخبار بانتظار أي معلومات عن بدء العملية الإسرائيلية البرية فيها، وسط خوف من حمام دم لا مفر منه في ظل عدم وجود أي مكان يمكن للناس الهرب إليه.

خلال الأيام الأخيرة اشتدّ القصف على مدينة رفح، وقد طاول أهدافاً يوجد فيها المهجرون، منها على الحدود الفاصلة بين الجانبين الفلسطيني والمصري. وتوجه عدد من نازحي المناطق الشرقية إلى مدينة رفح هرباً من القصف الذي يستهدف يومياً عدداً من الأحياء فيها مع تصاعد التصريحات والتهديدات الإسرائيلية اليومية بالقيام بعملية عسكرية موسعة في المدينة الأكثر اكتظاظاً بالنازحين. ولا يجد النازحون أي مكان للفرار في ظل التقييد والحصار الإسرائيلي في الجانب الشمالي وسيطرة جيش الاحتلال على مدينة خانيونس، بالإضافة إلى الأسلاك الشائكة عند الحدود المصرية، علماً أن الخيام أصبحت ملاصقة للحدود المصرية. كما زاد الخطر عليهم بعد ضرب المنازل واستهداف دوريات للشرطة. 
استهدف الاحتلال الإسرائيلي دوريات شرطة مكلفة بحفظ الأمن وتأمين شاحنات المساعدات الإنسانية التي تنشط على مقربة من المدنيين النازحين والخيام، واستشهد يوم السبت، 10 يناير/ كانون الثاني، 12 من عناصر الشرطة والنازحين، في وقت كانت تقوم فيه الدورية بتأمين دخول شاحنات المساعدات. وزاد القلق أكثر وأكثر لدى النازحين.
لم ينم أسامة أبو نحل (35 عاماً)، منذ يومين إلا ساعات قليلة بسبب القلق وهو يفكر إلى أين سيفر عندما يدخل الاحتلال الإسرائيلي إلى رفح. ومع كل التهديدات التي تعطي مؤشرات إلى النوايا الإسرائيلية، ينظر لأطفاله ثم هاتفه وكأنه ينتظر خبراً سيئاً أو جيداً يفيد بهدنة أو وقف إطلاق النار. يقيم أبو نحل في الخيام الملاصقة لحدود غزة مع مصر، وينظر إلى السلك الفاصل الطويل من الجانب المصري ويأمل بألا يضطر للتوجه إلى سيناء لتصبح العودة إلى منزله وغزة مجرد حلم. يقول إنه لا يريد أن يخسر حلمين للعودة؛ حلم العودة إلى منزله في حي الشيخ رضوان، وحلم العودة الكبير إلى قرية البطاني الغربية المحتلة عام 1948.

الكثير من الفلسطينيين في غزة أعربوا عن قلقهم الحاد في ظل عدم القدرة على تحديد مكان للهرب في حال قيام جيش الاحتلال بعملية في مدينة رفح. يقول أبو نحل لـ"العربي الجديد": "عندما أمشي في الشارع العام لمدينة رفح الفاصل بينها وبين المخيم، لا أستطيع التنفس جراء شدة الازدحام. مجرد طلق ناري قادر على إصابة أكثر من شخص. إذاً، أين نذهب؟ لا توجد عدالة على كوكب الأرض. يقول الكثير من الناس إننا ننتظر الموت الذي سيأتي لا محال. الاحتلال حشرنا بناءً على أوامره العسكرية في رفح. بعدها لا مفر إلا السماء".
ورداً على ما تورده وسائل الإعلام الإسرائيلية عن نية الاحتلال ترحيل النازحين إلى شمال القطاع من أجل تحقيق أهدافه العسكرية في رفح بسبب الرفض المصري لدخول النازحين إلى سيناء، يقول إن "العودة إلى الشمال مع كل الدمار أمر غاية في الصعوبة. لا مدارس ولا مياه ولا كهرباء. ما شاهدناه غير إنساني وتجاوز انتهاكات حقوق الإنسان. ماذا بقي من كرامة الإنسان التي تنتهك كل يوم في غزة كأنهم ينقلوننا من زنزانة إلى أخرى أكثر عزلة عن العالم". 

من نزوح إلى آخر (مجدي فتحي/ Getty)
من نزوح إلى آخر (مجدي فتحي/ Getty)

وبحسب معلومات المكتب الإعلامي الحكومي، يوجد في مدينة رفح فقط حوالي مليون ونصف المليون غزي، منهم 250 ألفا هم سكان رفح، وحوالي مليون وربع المليون نازح موجودون فيها حالياً وسط قلق كبير. وداخل مراكز الإيواء التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ما يصل إلى 1.9 مليون نازح يقيمون إما في 154 ملجأ تابعاً للوكالة أو بالقرب من هذه الملاجئ. وقال المفوض العام لوكالة "أونروا" فيليب لازاريني إن "الكثيرين من أهالي رفح، البالغ عددهم 1.4 مليون شخص، يعيشون في ملاجئ بلاستيكية مؤقتة بالشوارع". 
من جهتها، ترفض والدة أبو نحل سعاد (66 عاماً)، التهجير، مشيرة إلى أنها شهدت الموت عندما نزحت في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، واستطاعت إخراج حفيدها مجد (9 سنوات)، من تحت الركام، قبل أن يلحق بها نجلها أسامة، تقول لـ"العربي الجديد": "الناس قلقون على أطفالهم. الاحتلال نقلنا إلى هنا من دون أي اكتراث للقوانين الدولية. يأمل الناس أن تنتهي الحرب. يومياً أدعو الله أن أموت بكرامتي في حال كان هذا قدراً. تحملت الجوع والعطش وكل شيء. بحكم سني، أعاني من مرضي السكري والضغط. لكن لا يهمني شيء سوى كرامتي. نحن هنا لأن رفح أملنا الأخير للنجاة، والاحتلال يريد اللحاق بنا عند النفس الأخير".

نزوح من شرق رفح 

في المناطق الشرقية من مدينة رفح، نزحت عائلات تضررت منازلها من القصف الإسرائيلي، واستهدف الاحتلال الإسرائيلي المنازل في الحي الذي يقيمون فيه مثل حي البرازيل والسلام وخربة العدس، وتوجه البعض إلى منازل أقاربهم على الرغم من الاكتظاظ. 

رفح (محمد عابد/ فرانس برس)
تعب النزوح في رفح (محمد عابد/ فرانس برس)

محمود حجازي (45 عاماً)، كان من الذين نزحوا من شرق رفح مع أسرته المكونة من 8 أفراد، وتوجه إلى منزل شقيقه بالقرب من منطقة البلد، وسط مدينة رفح. لكن بالنسبة إلى حجازي، فقد أصبح مستعداً أكثر من أي وقت مضى سواء للنزوح إلى سيناء أو مدينة غزة. حضر الحقائب وكل متعلقات أسرته، لأنه يعتبر نفسه فاقداً للأمل ولا مفر أمامه بعد قصف الاحتلال الإسرائيلي منزلاً لأقاربه وسقوط 7 شهداء من عائلته خلال الأسبوع الأول من الشهر الحالي فبراير". 
يقول حجازي لـ"العربي الجديد": "رفح مدينة فيها نازحون منذ أكثر من أربعة أشهر أي منذ بدء العدوان. ولا يوجد ما يشكل خطراً على الاحتلال في مدينة رفح سوى أننا فلسطينيون غزيون. ولا حجة للاحتلال سوى تدمير حياتنا كلها وتدمير البنى التحتية وتنغيص معيشتنا وتدمير غزة بالكامل". يضيف حجازي: "مرت أربعة أشهر من دون أي تدخل حقيقي لوقف إطلاق النار أو تدخل قوي من المحاكم الدولية أو الأممية ولا حتى من جيوش العالم. لذلك، أنا شخص فاقد للأمل. نزوحي إلى أي مكان ليس هرباً وخوفاً إنما لأنني أب لدي أبناء يريدون الحياة. سألت ابنتي الأكبر ريهام التي تدرس الطب إن كنا سنبقى أو نغادر. تريد أن تكون طبيبة وتريد الحياة".

بحر رفح 

يخرج الكثير من فلسطينيي غزة للمشي في شارع البحر الذي أصبح الشارع الأساسي الثاني للنازحين في مدينة رفح. يجلسون أمام شاطئ البحر، وهو المساحة الوحيدة المتاحة أمامهم لرؤية البحر ومشهد الغروب قبل أن يرجعوا إلى الخيام والمدارس على وقع أصوات القصف وطائرات الاستطلاع التي لم تغب عن سماء القطاع منذ بدء العدوان. الغزيون في مدينة رفح يتابعون نشرات الأخبار خلال الأيام الأخيرة أكثر من أي وقت مضى، كما يشير وجيه الهمص (59 عاماً)، وهم يلاحقون التصريحات العربية والأممية التي تحذر من الدخول إلى رفح. تصريحات تشعرهم بالقليل من الأمل، ويوهمون أنفسهم بأن الاجتياح البري لن يحصل، إذ يمكن أن يتحول الأمر إلى حمام دم، إذ لا يوجد متر واحد يمكن للناس الذهاب إليه أو الاحتماء فيه، ويُشدّد على أن رفح تعاني كثيراً خلال الأيام الأخيرة بسبب الاكتظاظ ودمار البنى التحتية وعدم توفر المياه والخبز والكثير من السلع، بالإضافة إلى قلة المساعدات، ويشير إلى أن النازحين وحركتهم المستمرة أدت إلى تفاقم الأزمات بشكل كارثي، وأصبح الحصول على الخبز والمياه يتطلب ساعات طويلة ومشاكل وشجارات يومية بسبب الاكتظاظ، وستحدث أزمة أكبر في حال بدء العملية البرية الإسرائيلية.
ويقول الهمص لـ"العربي الجديد": "يريد الاحتلال الدخول إلى رفح ليقول إنه أسقط غزة بالكامل، حتى لو قتلنا وارتكب حمام دم في حقنا، هناك أجيال ستبقى لتحصل لنا على حقنا. نحن أمام كارثة إنسانية كبيرة وكل المنظمات الدولية تقول وتحذر، وفي النهاية تحصل كل المجازر بحق الإنسانية أمام العالم".

المساهمون