عشرات الآلاف يقفون في طوابير يومية بقطاع غزة

عشرات الآلاف يقفون في طوابير يومية بقطاع غزة

24 فبراير 2024
طوابير الخبز طويلة دائماً في غزة (ياسر قديح/الأناضول)
+ الخط -

تسبب التهجير الإسرائيلي القسري للفلسطينيين من محافظتي غزة وشمال القطاع نحو المحافظات الجنوبية، إلى جانب تهجير سكان بعض المناطق في المحافظات الوسطى والجنوبية نحو مدينة رفح في أقصى الجنوب، في حالة من التكدس الشديد التي باتت تشكل عائقاً أمام حصول المواطنين على المتطلبات المعيشية، ما يضطرهم إلى الوقوف في طوابير طويلة.
يبدأ التوافد على أماكن الطوابير مبكراً أملاً في الحصول على المتطلبات الأساسية، ومن بينها الماء، والخبز، والمواد الغذائية، والأدوية، وغيرها. ولا تقتصر الطوابير على مراكز توزيع المساعدات الإنسانية أو محال بيع المواد الغذائية، بل تطاول خدمات مثل الإنترنت، أو شحن بطاريات الإضاءة، أو شحن الجوالات والأجهزة الكهربائية في ظل انقطاع التيار الكهربائي، فضلاً عن الطوابير أمام محال الصرافة والبنوك للحصول على الرواتب أو الحوالات المالية.
يبدأ يوم الأربعيني الفلسطيني محمود أبو سنينة مبكراً لتوفير المُتطلبات المعيشية لأسرته في ظل النقص الحاد في كل المستلزمات الأساسية في مُحافظات قطاع غزة الخمس من جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل للشهر الخامس على التوالي، ونفاد معظم السلع نتيجة إغلاق المعابر.
ويقول النازح الفلسطيني لـ"العربي الجديد"، إنه يضطر إلى ترك فراشه في مركز الإيواء فجراً رغم البرد القارس، للوقوف في طابور طويل لتأمين الخبز لأسرته المكونة من خمسة أفراد، وإنه رغم الاستيقاظ مبكراً يجد أن العشرات قد سبقوه 
إلى الطابور. يتابع: "البعض يبيتون أمام المخبز لحجز مكان في الصف، إذ يصطحبون الفراش والأغطية إلى المكان حتى يضمنوا الحصول على الخبز عند بدء التوزيع".
وصل أبو سنينة من مدينة غزة إلى مدينة رفح عبر رحلة نزوح طويلة وشاقة مروراً بالمناطق الوسطى والجنوبية، ويشير إلى أن الاستيقاظ المبكر، أو حتى المبيت أمام المخبز، لا يضمن الحصول على الخبز بشكل يومي، إذ تشهد الطوابير حالة من التدافع الشديد لحظة فتح المخبز أبوابه، ما يفقد البعض أدوارهم رغم الحواجز الحديدية التي تضعها المخابز للتنظيم وضمان الحصول على الخبز وفق أحقية الالتزام بالدور في الطابور.
ويستطرد: "شعور الوقوف في طابور طويل للحصول على بضعة أرغفة من الخبز مُهين، وخاصة أنني اعتدت على شراء الخبز قبل الحرب من أفضل مخابز غزة، وإلى جانبه بعض أصناف الحلويات. نقف في طابور لمدة تصل إلى أكثر من ست ساعات للحصول على الخبز الذي كنا نحصل عليه في نصف دقيقة، ويتلوه طابور آخر طويل لشراء وجبة من الفلافل الشعبية البسيطة".
لا يقتصر الزحام على المخابز الآلية فقط، وإنما يمتد إلى المخابز البلدية وأفران الطين اليدوية، والتي يقوم أصحابها بخبز العجين بمقابل مادي، إذ يصطف المواطنون في طوابير وهم يحملون المفارش الخشبية التي صفت عليها أقراص العجين بفعل عدم قدرتهم على خبزه داخل البيوت نظراً لانقطاع التيار الكهربائي عن أفرانهم المنزلية، إلى جانب غلاء أسعار الحطب والفحم، واللذين تضاعف سعرهما عدة مرات.

الصورة
طفل غزي سعيد بالحصول على المياه (ياسر قديح/الأناضول)
سعيد بالحصول على المياه (ياسر قديح/الأناضول)

ويصف النازح الفلسطيني عبد العزيز نصار الوقوف في الطوابير الطويلة بأنه "أسوأ شيء حصل في حياتي، وبات يصيبني بحالة من الإرهاق والإحباط"، ويوضح لـ"العربي الجديد"، أنه تلقى "كوبون" من إحدى المؤسسات الدولية العاملة في قطاع غزة يتيح له الحصول على شادر لخيمته، وأغطية، وسلة غذائية، لكنه لم يتمكن من صرف الكوبون على مدار أكثر من أسبوع رغم التزامه بالدور، بسبب حالة التدافع، أو بسبب انتهاء دوام الموظفين، أو نفاد الكميات.
يضيف نصار: "المداومة على طابور صرف الكوبون أصابتني بحالة من التشتت، إذ أصبحت مضطراً لإرسال شقيقي للوقوف في طابور الخبز، وشقيقي الثاني لمتابعة وصول الماء المخصص للاستخدام اليومي، وفي حال لم أتمكن من شحن الهاتف، أو بطارية الإضاءة، يستوجب علي الوقوف في طابور لإتمام الشحن".
بدوره، يقول الفلسطيني حسام الدريملي إن أسرته باتت توزع المهام يومياً حتى تتمكن من توفير المتطلبات الأساسية، وإنه يقف في طابور الماء المخصص للاستخدام اليومي المأخوذ من أحد الآبار القريبة من حي تل السلطان، إلى الغرب من مدينة رفح، ثم الانتقال بعدها إلى طابور شراء الماء الصالح للشرب من صهريج قريب.

يضيف الدريملي، متحدثاً لـ"العربي الجديد": "يذهب شقيقي الأكبر صباح كل يوم إلى أحد المستشفيات التي يتوفر فيها الكهرباء عبر ألواح الطاقة الشمسية لشحن بطاريات الإضاءة وأجهزة الجوال، فيما يختص شقيقي الأصغر بالوقوف في طابور الخبز، ويذهب والدي للتسوق وشراء بطاقات الإنترنت. الاصطفاف في طوابير أمر مرهق ومزعج في ظل التكدس والتدافع، ونقضي نهارنا كله في الطوابير رغم شعورنا بالخطر الشديد الناتج عن تكرار استهداف الطائرات الحربية الإسرائيلية للتجمعات".
وتمتد الطوابير أمام المخابز والمحال التجارية والمستوصفات والعيادات وأمام صنابير المياه ومحطات تعبئة الغاز لعشرات الأمتار، ما يدفع البعض إلى تخصيص وقت طويل للحصول على الأساسيات، وبمقابل مادي يصل إلى أضعاف ثمنها الأصلي.

المساهمون