صقل القصب... مورد رزق تونسيات في القيروان

03 ابريل 2021
الصورة
مضنية مهنتها هذه (العربي الجديد)
+ الخط -

ساعات طويلة تقضيها تونسيات من القيروان، وسط غربي البلاد، وهنّ يفرزنَ القصب ويصقلنَه بأيديهنّ الملأة بالجروح والمتعبة من جرّاء العمل اليومي الشاق بهدف تأمين لقمة العيش. فالقصب يمثّل مورد رزق عدد كبير من التونسيات في محافظة القيروان. ومن مجرّد أجذاع يابسة مهملة من بين مخلفات نباتية أخرى، توجّهت النساء نحو مهنة لا تشبه بقيّة المهن.
وسط غياب فرص العمل في محافظتهنّ المنسيّة، وارتفاع نسب الفقر في معظم المعتمديات التي ما زالت تعاني التهميش، يجذبك مشهد النساء الجالسات على طول طريق القيروان واللواتي يصقلنَ القصب ويبعنَه للمارة. آسيا امرأة خمسينيّة من بين هؤلاء، تجلس وسط كومة من القصب بالقرب من الطريق وإلى جانبها أطفالها الذين كانوا يلهون مطلقين العنان لعفويّتهم ومتّخذين من الأعواد اليابسة المنتشرة في المكان سلوى لهم.
تخبر آسيا "العربي الجديد": "نستيقظ باكراً ونعمل لساعات عدّة هنا، فننظّف العيدان من الأعشاب العالقة بها، ثمّ نقسمها لتكون متساوية ومتناسقة في الشكل والطول. من خلال تلك العيدان اليابسة نؤمّن رزقنا، وما من بديل لها، إذ لا تتوفّر لنا فرص أخرى للعمل". ومن تقصده آسيا بكلامها هنّ ربّات البيوت والأمهات اللواتي تتراوح أعمارهنّ بين الأربعينيات والخمسينيات، لافتة إلى أنّهنّ يجنينَ نحو 10 دنانير تونسية (نحو أربعة دولارات أميركية) في اليوم، وهو ما يكفي لمصروف يوم واحد فقط. وتوضح أنّ "منطقة القيروان معروفة ببيع القصب والراغبين في اقتنائه يزوروننا من مختلف المحافظات من قبيل صفاقس وتونس العاصمة وبنزرت وسيدي بوزيد".

من جهتها، تشير أحلام، التي تعمل مع والدتها في تنظيف القصب على جانب الطريق، إلى أنّه "في الأيام الممطرة، يُسمح لنا بنقل الكميات التي نعمل عليها إلى بيوتنا، ثمّ يستلمها صاحب العمل منّا هناك"، مضيفة لـ"العربي الجديد" أنّ "أشقائي ووالدي يشاركوننا في تنظيف القصب، ليتحوّل ذلك إلى عمل جماعي للأسرة". وتؤكد أحلام، وهي في الثلاثينيات من عمرها، أنّه "لولا القصب لكانت ظروفنا أصعب. فهذه المهنة، على بساطتها، تشكل مورد رزق العائلة، ومنها نفقات الطعام والدراسة لأشقائي، ومن خلالها نسدد ديوننا لدى المتاجر".

الصورة
صقل قصب في تونس 2 (العربي الجديد)
(العربي الجديد)

في هذه المهنة، نجد الأم وبناتها، الحماة وزوجات أبنائها، الزوجة وزوجها. وثمّة من ينظّف القصب من الشوائب، وثمّة من يرصفه، وثمّة من يجمعه في أكوام متناسقة قبل عرضه على الطريق بهدف بيعه لعابري السبيل وأصحاب الضيع الزراعية وأصحاب المطاعم الراغبين في ديكور معيّن لمؤسساتهم. وتشير صابرة، وهي من النساء العاملات في هذا المجال، إلى أنّ "ثمّة أشخاصاً يقتنون القصب للاستفادة منه في الديكور، فينصبون بواسطته جدران فصل بين مساحة وأخرى. وعلى الشواطئ، ثمّة من يبني فيها أكواخاً صغيرة من القصب"، مؤكدة لـ"العربي الجديد" أنّ "استخدامات القصب متعددة وأسعاره في متناول الجميع. فهو يُعَدّ أقلّ كلفة من مواد أخرى، خصوصاً المعدنية منها". تضيف صابرة، وهي في الخمسينيات من عمرها، "بحثت كثيراً عن عمل في مصانع ومحلات، لكن من دون جدوى، الأمر الذي دفعني إلى العمل في تنظيف القصب. هي مهنة تبدو بسيطة، لكنّها تعتمد على اليدين للتنظيف وإزالة الشوائب، ما يتسبّب في آلام بسبب عيدان يابسة قد تؤذيهما. لكنّنا تعوّدنا على ما تخلّفه من جروح وألفنا حتى منظر الجروح في اليدين ولم نعد نكترث لها".

الصورة
صقل قصب في تونس 3 (العربي الجديد)
(العربي الجديد)

أمّا منى، فتخبر أنّها بدأت "بتنظيف القصب وبيعه على الطريق قبل سنوات عدّة، علماً أنّ أفراد عائلتي بمعظمهم يمتهنون العمل نفسه". والمرأة الثلاثينية اعتادت الجلوس في كوخ صغير من القصب "في انتظار من يشتري بعض العيدان" التي ترصفها بعناية وتعيد ترتيبها مرّات ومرّات علّها تلفت أنظار شراة.

في سياق متصل، يقول عبد الحميد، الذي يشغّل نساءً في مجال القصب، إنّه "كان لا بدّ لأهالي الجهة من التأقلم مع الظروف الصعبة وخلق موارد للرزق، فكان بيع القصب الذي تُعرف به منطقة بالقيروان". ويؤكد لـ"العربي الجديد" أنّ "هذا القصب يمثّل فرصة لتشغيل نساء كثيرات"، مشيراً إلى أنّه يأتي "من الحقول والضيع الزراعية". يضيف عبد الحميد أنّه "في السابق، لم يكن هذا القصب يُستغَلّ وكان الناس يتخلّصون منه. أمّا اليوم فيُصار إلى الاستفادة منه، فيُنظّف ويُقطع ثمّ تتولى النساء صقله تمهيداً لبيعه". ويتابع أنّ "عابري السبيل والباحثين عن القصب يأتون خصيصاً إلى القيروان لشرائه من البائعات، وكذلك من الباعة الموزّعين على طول الطريق. وثمّة من يستخدمه سياجاً عازلاً أو في الضيع لحماية الأشجار وعلى الشواطئ وفي المطاعم للزينة".

المساهمون