داعمو فلسطين في الدنمارك يجمعون المساعدات لأهل غزة

داعمو فلسطين في الدنمارك يجمعون المساعدات لأهل غزة

24 نوفمبر 2023
حضور نسائي لافت (العربي الجديد)
+ الخط -

يبدو وكأنّ الطعام الذي تضعه الفلسطينية الدنماركية أم لؤي منصور على الطاولة يحمل قيمة تتعدى قيمته الغذائية. في المكان عشرات الطاولات التي تبيع الأطعمة والسلع المختلفة في سوق خيرية، تذهب عائداتها إلى قطاع غزة. في القاعة الواقعة في مدينة آرهوس وسط غرب الدنمارك، والتي يملكها الفلسطيني الدنماركي محمد الشايب، وهي قاعة أفراح ضخمة، يصعب الانتقال من مكان إلى آخر بسبب الحشود الكبيرة التي كانت تتطلع إلى المساعدة، وليس فقط الاكتفاء بالتظاهر في الشارع. 
تقول سامية التي كانت ترتدي الكوفية الفلسطينية وثوباً مطرزاً: "عادة ما ينظم الدنماركيون يوماً لجمع تبرعات في حال وقوع زلزال أو كارثة طبيعية في دولة ما. لا نشهد في غزة كارثة طبيعية بل جرائم مخجلة. وعليه، لا بد أن نبادر ونفكر خارج الصندوق. نحن من سيدعم شعبنا ولن ننتظر أن يقوم التلفزيون الدنماركي بتنظيم يوم لذلك". 
كانت سامية في الرابعة من العمر حين وصلت إلى الدنمارك قادمة من لبنان، أي قبل حوالي 40 عاماً. تقول لـ"العربي الجديد" إن "أحداً لا يستطيع انتزاع حقنا في التعبير عن أصولنا. لا قوانين ولا سياسات. عكا بلد أجدادي، وأخبر أطفالي أين هي. ها هم الصغار يتحمسون لشراء أي شيء ودفع ما يملكون لمساعدة الآخرين".
في القاعة وجوه من جنسيات مختلفة. ليس الجميع من الجنسية الفلسطينية، لكن بدا أن الجميع، مساء الأحد، كانوا مع فلسطين. كان شاب صومالي يجادل لأن سعر الكوفية مرتفع. في المكان لبنانيون وعراقيون وسوريون وأكراد وأتراك ودنماركيون وجنسيات أخرى. وكانت الطاولات الموجودة في المكان تعرض كل ما يخطر على البال من مطرزات فلسطينية وأعمال يدوية صنعتها أيدٍ صغيرة، ومأكولات جذبت المئات ممن لم يستطيعوا البقاء في القاعة المليئة بالناس".  
عند البوابة الشرقية للقاعة، وعلى الرغم من الأمطار والبرد الشديد، كان البعض يمسك بأيدي أطفاله، ويدخل لشراء طعام العشاء، وقد باتوا مقتنعين بضرورة مقاطعة سلسلة مطاعم ماكدونالدز، كما يقول محمود الذي كان يمسك بيد ابنته (ست سنوات). تقول الصغيرة بالدنماركية: "جئنا لنشتري طعام المساء. إذا اشترينا من ماكدونالدز، فستذهب النقود إلى إسرائيل التي تقتل المرضى في المستشفيات".  

في تجربة سابقة قبل نحو أسبوعين، أقيم بازار خيري في قاعة صغيرة. يقول الفلسطيني أبو علي قيس: "فوجئنا بهذا العدد من الناس. نفد كل شيء تقريباً خلال وقت قصير. تقررت إقامة بازار في هذه القاعة الضخمة بعدما اتفقت الجمعيات الفلسطينية وغيرها على تنظيم ما هو أكبر". كل ما يباع في القاعة يصب في حساب مصرفي خيري واحد لأجل دعم غزة، في وقت يزداد التيار المؤيد لحق الفلسطينيين والرافض للعدوان على غزة. 
غنت الصغيرة مريم لفلسطين وهي ترتدي ثوباً فلسطيني التطريز. تفاعل الجمهور من جنسيات متعددة جعل الصغيرة تقف على الخشبة أكثر بكثير من الوقت المخصص، وقد ساعدها والدها عازف العود، وراح الاثنان يرددان: "يما مويل الهوى يما مويليا... ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا".
لحظات ويبدأ المزاد. لوحات بريشة الفنان الفلسطيني الدنماركي سليم عاصي، صاحب مشروع "الفن المقاوم"، كانت معلقة بعناية على جدار أبيض. هذه لوحة تظهر القدس وتلك تبين يافا وأخرى لفلسطين بخريطتها التي تحمل غالبية مدن فلسطين مع شجرة زيتون متجذرة. 

الصورة
الطفلة منار مع العقد والرسالة (العربي الجديد)
الطفلة منار مع العقد والرسالة (العربي الجديد)

يؤكد عاصي أن "كل قرش من بيع اللوحات عائد لفلسطين وشعبنا في غزة الذي يستحقها". ترتفع الأيدي لتزيد أسعار اللوحات، وقد وصلت إلى 10 آلاف كرونة (الدولار يساوي 6.8 كرونات) علماً أن البداية كانت بـ500 كرونة. واللافت أنه في محيط مساحة عرض اللوحات والمزاد، كانت الفلسطينيات يتصدرن المشهد. كانت شابة تقول لصديقتها: "جئت حاملة معي 10 آلاف كرونة لأشتري بها أي شيء يدعم أهلنا في غزة، لكنني فوجئت بمزاد اللوحات". في النهاية، حصلت على لوحة بـ11 ألف كرونة. بيعت لوحة أخرى بـ12 ألفاً. 
تقف هدى عوض وإلى جانبها ابنها. تقول: "أريده أن يشتري لي لوحة الرجل المسن والناظر من فتحة مفتاح العودة". ابنها الشاب ولد وكبر في الدنمارك. بيعت جميع اللوحات واستمر المزاد لجمع ما يسميه الفلسطينيون "أقل واجب" لدعم شعبهم. تصنع الصغيرة منار قلادات من الفضة وبعض اللؤلؤ الاصطناعي، وقد كتبت بخط يدها رسالة لمن يشتريها: اسمي منار، فلسطينية، عمري 12 سنة، أصنع الحلي لهذا اليوم لأنني أعتقد أن كل الأطفال لديهم الحق في السلام والسعادة"، ووقعت مع قلب "صناعة يدوية من منار". شعرت بسعادة حين بيع العقد الذي صنعته، ومثلها بقية الصغار. 

يؤمن الجميع أن حضورهم مهم لإنجاح المزاد والسوق الخيرية، إذ إنه يصب في نهاية المطاف لصالح الهدف الذي يجتمعون لأجله، أي فلسطين. الجالية الفلسطينية في الدنمارك ربما لا تتخطى 30 ألفاً، بمن فيهم الأطفال، لكن ما تشهده شوارع البلد وأنشطة دعم غزة تتعدى تلك الأرقام بكثير. في العاصمة كوبنهاغن، خرج يوم الأحد الماضي 66 ألف شخص إلى الشوارع متحدين الأمطار، وهتفوا لحرية فلسطين منتقدين سياسة الدنمارك. 


وكانت المشاركة الدنماركية غير مسبوقة. مونا، التي حضرت البازار الخيري مساء الأحد في آرهوس، تقول لـ"العربي الجديد" وهي تبكي: "رؤية آلاف الناس يفرغون جيوبهم ويدفعون ما لديهم لشعبهم في غزة يجعلني أفتخر أنني لست متضامنة فقط مع فلسطين، بل أعتبر نفسي فلسطينية. أشعر بخزي من سياسيي بلدي بسبب مواقفهم، التي تهرب من أنسنة صورة الشعب الفلسطيني". خلال عرض الأغنية السويدية "تحيا فلسطين"، كانت أم لؤي ورفيقاتها سعيدات بعدما بعن كل ما في القاعة.  

المساهمون