تحذير أممي: عواقب كارثية لتجاهل كبح التغير المناخي

تحذير أممي: عواقب كارثية لتجاهل كبح التغير المناخي

17 سبتمبر 2022
وقف الانبعاثات ضرورة حياتية ملحة (Getty)
+ الخط -

قبل أقل من شهرين على مؤتمر الأطراف "كوب 27" المناخي في مدينة شرم الشيخ المصرية، يرسم تقرير أممي صورة قاتمة حول الانعكاسات السلبية الملموسة لاستمرار تغير المناخ، والتي كان آخرها الفيضانات الباكستانية الكارثية، كما لم تسلم دول ضفتي المحيط الأطلسي من ارتفاع درجات الحرارة وانتشار الجفاف بشكل غير مسبوق منذ نحو 5 قرون.
التقرير الصادر في جنيف، الثلاثاء الماضي، يعتبر أداة سنوية لقياس التغيرات المناخية المرتبطة بما تحقق، أو لم يتحقق، في الفترة الفاصلة بين دورتي قمة المناخ.
وفي التقرير، يقول الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس: "لقد قمنا بشن حرب على الطبيعة، والآن تضربنا الطبيعة بطريقة مروعة". وأثناء زيارته إلى المناطق المنكوبة في باكستان، قال إنه "جنون وانتحار جماعي من البشرية". 
لكن الانبعاثات المتزايدة في ظل أزمات الطاقة العالمية ليست الخطر الوحيد على المستقبل، حسب خبراء التغيرات المناخية الذين سيرفعون تقريرهم إلى قادة الدول والمؤسسات المعنية في قمة "كوب 27" في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، فالبشر لم يأخذوا اتفاقية باريس للمناخ في 2015، على محمل الجد، وتملص كثيرون من مسؤولياتهم عن خفض الغازات الدفيئة المدمرة للغلاف الجوي، والتي سببت الاحترار الذي شهده العالم هذا العام.
في 1992، اتفقت دول العالم على أن تضمن "استقرار تركيزات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي عند مستوى يمكن أن يمنع التأثير الخطير على النظام المناخي". لكن الوضع المناخي للكرة الأرضية لا يبشر بخير مقارنة بما اعتمدته الأمم المتحدة في "اتفاقية المناخ" قبل 30 سنة.
كانت طموحات العلماء في بداية التسعينات تدور حول تجاوز العقبات والعوائق من أجل ضمان أن تبقى النظم البيئية تتكيف بشكل طبيعي مع تغير المناخ، بما في ذلك إنتاج الغذاء الذي يجب ألا يتعرض للتهديد، والتنمية الاقتصادية التي يتوجب استمرارها على أساس الاستدامة، بيد أن السنوات الأخيرة كشفت عن وضع معاكس.
لعل أهم ما خرج به مقررو التقرير الصادر تحت مظلة منظمة "متحدون في العلوم"، وبمشاركة كل من منظمة الأرصاد الجوية الدولية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والمناخ ومشروع الكربون العالمي، كان تحذيرهم الصريح من أن "التغير المناخي ينتقل بالبشر إلى منطقة مجهولة من الدمار". 
منذ فبراير/شباط الماضي، قررت بعض الدول، بما فيها الثرية، استغلال الغزو الروسي لأوكرانيا في زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وإن كان بعضها يحاول إخفاء حجم استخدام الفحم، وتشير مقدمة التقرير الأممي إلى معضلة "زيادة استخدام الوقود الأحفوري رغم حقيقة أن الأعراض الناجمة عنه تتفاقم بسرعة".  

الصورة
تكرار حرائق الغابات ينذر بكارثة (Getty)

وفيما يبين كيف تتسبب الانبعاثات في الفيضانات والمجاعات، يكشف التقرير أن تركيز غازات الاحتباس الحراري يستمر في الارتفاع في الغلاف الجوي، وأن الانبعاثات الحالية أعلى من التي سادت قبل جائحة كورونا، وأن تركيز ثاني أكسيد الكربون زاد عما كان عليه خلال ​​العقد الماضي، والأمر نفسه ينطبق على غازات الدفيئة، وخصوصاً الميثان وأكسيد النيتروز. 
كما يذكر معدو التقرير بحقيقة استمرار ارتفاع درجة حرارة الأرض، ويرجحون أن تشهد السنوات الخمس المقبلة زيادة بأكثر من 1.5 درجة، بما ينسف "اتفاق باريس للمناخ"، مؤكدين أنه بين عامي 2018 و2022، ارتفعت درجة حرارة الأرض بمقدار 1.17 درجة في المتوسط، وأن مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي انكمشت بطريقة لافتة لم تسجل طيلة 30 سنة، وفي القارة القطبية الجنوبية "أنتاركتيكا"، وصل الجليد إلى ثاني أصغر حجم على الإطلاق منذ بدء تسجيل التغير فيها. 

ذوبان جليد غير مسبوق في القارة القطبية الجنوبية (Getty)

ويرصد التقرير زيادة عدد الكوارث المتعلقة بالطقس والمناخ خمسة أضعاف خلال الخمسين عاما الماضية، وأنه "بينما يشعر مليارات البشر بالآثار السلبية لتغير المناخ، فإن الأشخاص الأكثر ضعفاً تتفاقم ظروفهم، فمزيج من درجات الحرارة المرتفعة مع معدلات الرطوبة العالية في منطقة جنوب آسيا، جعل شعوبها تعيش مستويات خطر لم تعشه طيلة عقود ماضية، وحين لا يستطيع البشر العمل في الهواء الطلق، والذي سيكون مستحيلا في الحر، سينعكس ذلك كارثياً على مستوى معيشة الكثير من المجتمعات". 
ولا تزال تعهدات الدول بشأن خفض الانبعاثات غير كافية لضمان أهداف "اتفاقية باريس"، فطموح الوصول إلى الأهداف بات يتطلب أن يكون مقدار التخفيض حتى عام 2030 سبعة أضعاف ما تم تحديده إذا كانت هناك رغبة في ألا يزيد الاحترار العالمي عن 1.5 درجة. 
وفقا للتقرير: "من أجل تحقيق هذه التعهدات، ينبغي مضاعفة الجهود العالمية أربعة أضعاف للوصول إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى درجتين، ومضاعفة الجهود سبع مرات للوصول إلى 1.5 درجة"، ما يعني أنه حتى إذا تحققت وعود جميع البلدان، فسيظل هناك حاجة إلى خفض غازات الاحتباس الحراري بما يعادل 12.5 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون من أجل تحقيق أهداف اتفاقية باريس، ويتوافق ذلك مع ضرورة خفض إجمالي الانبعاثات السنوية الصادرة عن الصين، والولايات المتحدة، والهند، واليابان، وروسيا، والبرازيل مجتمعة. 

ويؤكد التقرير الأممي أن أصغر زيادة في درجة حرارة الأرض تزيد من خطر تجاوز نقطة أو أكثر من نقاط التحول في النظام الفيزيائي الحيوي، ما يمكن أن يؤدي إلى أحداث كارثية لا يمكن السيطرة عليها، ومن ذلك ذوبان القمم الجليدية القطبية، وجفاف غابات الأمازون المطيرة، والاضطرابات في الرياح الموسمية السنوية بالمناطق الإستوائية. 
ونشرت مجلة "نايتشر" الأميركية دراسة لأستاذ علم الجليد، جايسون بوكس، أوضح فيها مستوى الخطر الذي باتت تسببه ظاهرة الاحتباس الحراري على الغطاء الجليدي في جزيرة غرينلاند، حيث تنكمش سنوياً البقعة الجليدية بمقدار 59 ألف كيلومتر.
ونشر العالمان تيموثي لينتون ويوهان روكستروم، دراسة في مجلة "ساينس"، أشارا فيها إلى "وجود خطر حقيقي بسبب أوضاع ينتفي فيها التوازن المناخي البيئي بسبب الاحتباس الحراري مع ارتفاع درجة الحرارة 1.1 درجة مئوية. ارتفاع درجة الحرارة ما بين 1.5 إلى 2 درجة سيدمر الغطاء الجليدي في غرينلاند، وبعض المناطق الشمالية للأرض، ومناطق غرب القارة القطبية الجنوبية".
ويخشى البعض من أن استمرار التركيز على التغيرات المناخية ومخاطرها قد يصبح مع مرور الوقت أمراً يكره الناس الحديث عنه، بيد أن ارتفاع درجات الحرارة، وانتشار الجفاف وغيرها تؤثر على قطاعات كثيرة، منها توليد الطاقة الذي يتأثر بجفاف الأنهار.

المساهمون