العلاج في رفح... المستشفى الحكومي الوحيد ينازع

13 فبراير 2024
تجاوز مستشفى أبو يوسف النجار أضعاف طاقته الاستيعابية (أحمد حسب الله/Getty)
+ الخط -

تنقل غالبية الشهداء والجرحى إلى مستشفى أبو يوسف النجار الحكومي في رفح عبر وسائل نقل بدائية في ظل الضغط الكبير على جهاز الإسعاف، ويعالج العشرات على الأرض لعدم وجود أسرة كافية.

تشهد الأيام الأخيرة هجمات إسرائيلية مكثفة على مدينة رفح في أقصى جنوب قطاع غزة المتاخمة للحدود المصرية، ويتركز القصف على نقاط تجمع النازحين من مختلف مناطق القطاع، ومنازل اللاجئين الفلسطينيين في مخيم رفح الكبير، وعلى مخيمي "الشابورة" و"يبنا" القريبين من الحدود المصرية.
ومساء الأحد الماضي، شن جيش الاحتلال الإسرائيلي هجوماً كبيراً أوقع أكثر من 74 شهيداً، من بينهم 28 طفلاً، وأكثر من 220 جريحاً، ما سلط الأضواء على سوء الواقع الطبي والاستشفائي في مدينة رفح، والمتمثل في مستشفى حكومي واحد صغير، هو مستشفى أبو يوسف النجار، بينما تضم المدينة نحو مليون ونصف مليون نسمة.
وصل شهداء ومصابون من عائلتي أبو جزر والعفيفي ونازحون من أقاربهم إلى المستشفى، وكان من بين المصابين محمد أبو جزر (22 سنة)، والذي أصيب في الرأس وبرضوض في الظهر واليدين، وظل لنحو نصف ساعة من دون إسعاف بسبب حجم توافد الجرحى والشهداء على المستشفى، كما اكتشف لاحقاً أنه فقد عدداً من أفراد أسرته، وبعضهم كانوا نازحين من مدينة خانيونس.
يقول أبو جزر لـ"العربي الجديد": "تلقيت العلاج على الأرض مثل معظم الجرحى الذين لا تعد إصاباتهم خطرة، وهؤلاء يصنفون بطريقة بدائية، فهم يستطيعون الوقوف، أو ليسوا غائبين عن الوعي، وبسبب ضيق المستشفى ونتيجة الزحام الشديد، كان بعض المصابين يتعرضون لمخاطر أثناء نقلهم أو عند وصولهم، وبعضهم ظل لساعات على الأرض، ولا أحد يشكو أو يمتعض لأن الظروف العصيبة في المستشفى واضحة للجميع، ويعمل الطاقم الطبي بطاقته القصوى، وتم إجراء الإسعافات الأولية لي، والتي اقتصرت على تعقيم وتنظيف الجروح، وبعض الغرز في الرأس، ثم تم إخراجي من المستشفى لعدم وجود مكان، وكان هذا أفضل بالنسبة لي، فقد كنت أشعر أنني لا أستطيع التنفس بسبب الاكتظاظ الكبير، فالمستشفى صغير بالأساس".

يخدم مستشفى أبو يوسف النجار نحو مليون ونصف مليون نسمة

وبعد حصار جيش الاحتلال لمجمع ناصر الطبي ومستشفى الأمل التابع للهلال الأحمر الفلسطيني في مدينة خانيونس، والمجازر الإسرائيلية بحق المدنيين في المدينة، انتقل عدد كبير من السكان والنازحين إلى مدينة رفح، ومن بينهم عدد كبير من المسنين والمرضى والمصابين، ويخدم جميع هؤلاء مستشفى أبو يوسف النجار، ويسانده بنسبة محدودة في تغطية حاجة المصابين والعمليات الجراحية المتوسطة المستشفى الكويتي، والمستشفى الميداني الأردني الذي أنشئ عقب العدوان.
أصيب أحمد الشاعر (40 سنة) بكسر في اليد، ورضوض متباينة في الظهر، وبعد معالجته والتأكد من سلامته وعدم وجود أي خطر على حياته، طلبت إدارة مستشفى أبو يوسف النجار منه المغادرة لإفساح المجال أمام المصابين الجدد. اعترض في البداية لأنه شعر أنه غير قادر على الحركة، لكنه استجاب بسبب الضغط الكبير على المستشفى، وطلب منه الطبيب الذي تابع حالته أن يستكمل العلاج خارج المستشفى لعدم استطاعتهم منحه مكاناً للعلاج.
يقول الشاعر لـ"العربي الجديد": "عندما طلبوا مني المغادرة غضبت لأنني كنت أشعر بالألم، فأين أذهب؟ أنا أقيم في مركز إيواء تابع لوكالة الغوث منذ تدمير منزلنا، ونزوحنا من مدينة خانيونس، لكن بعد أن شاهدت أعداد الإصابات الكبيرة، واضطرار الأطباء إلى علاجهم على الأرض، أيقنت أن حالتي أفضل كثيراً من هؤلاء، وأنهم يستحقون مكاناً في المستشفى أكثر مني. أعاني من آلام شديدة، وهناك نقص كبير في الأدوية والمستلزمات الطبية في المستشفى، وبالتالي فإن منح المتوفر للحالات الأصعب من حالتي أولوية".

وحذر مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من أن التوغل في رفح قد يعني نهاية وصول المساعدات الهزيلة التي كانت تدخل إلى قطاع غزة، بما فيها المساعدات الطبية القليلة التي تدخل إلى القطاع عبر معبر رفح البري.
ويؤكد مدير مستشفى أبو يوسف النجار، الطبيب مروان الهمص، أن دخول المساعدات متوقف منذ الخميس 8 فبراير/شباط، ما تسبب في نقص حاد في المستلزمات والمستهلكات، موضحاً أن "المستشفى يواجه حالياً أزمة كبيرة في الاستيعاب السريع للجرحى داخل قسم الطوارئ، وقمنا بوضع بعض الأسرة التي تلقيناها عبر المساعدات الدولية في أقسام الطوارئ بشكلٍ عشوائي، لكنها تمتلئ بشكل سريع مع استمرار توافد المصابين على المستشفى كونه الرئيسي في مدينة رفح، ونعمل بطاقة استيعابية تفوق القدرات، وتصل في بعض الأيام إلى خمسة أضعاف الطاقة القصوى".

لا مكان لجثامين الشهداء في مستشفى أبو يوسف النجار (محمد عابد/فرانس برس)
لا مكان لجثامين الشهداء في مستشفى أبو يوسف النجار (محمد عابد/فرانس برس)

يضيف الهمص لـ"العربي الجديد": "لا يمكن أن يتحمل المستشفى خدمة أكثر من مليون ساكن في مدينة رفح، والمحافظة بحاجة إلى مستشفى كبير مركزي، فالقصف الأخير الكبير طاول مناطق شديدة الاكتظاظ بالسكان والنازحين، وتوافدت دفعات كبيرة من المصابين والشهداء في وقت قصير، ولم نكن نتمكن من توفير الأسِرة للمصابين الجدد، ووصلت حالات حرجة، وبعض المصابين كانوا قد فقدوا أطرافهم، وبحاجة إلى رعاية طارئة. لم يكن يتوفر سرير واحد فارغ، وتم التعامل مع كثير من الحالات على الأرض، ومن بينها حالات تنفس صناعي، وكانت هناك مهمة صعبة أمام طواقم الإسعاف لنقل 6 إصابات إلى المستشفى الأوروبي، وكنا نخشى من استهداف الاحتلال لهم في الطريق".
يتخوف الهمص من العملية العسكرية التي يهدد بها جيش الاحتلال مدينة رفح، والتي ستؤدي إلى أزمة إنسانية وصحية غير مسبوقة، وسيتجاوز ذلك ما شهدته في عدوان عام 2014، حين أغار الاحتلال عليها في وقت الظهر، وشهدت أعنف قصف عرفها سكانها قبل القصف الأخير. يتابع الطبيب الفلسطيني: "ليست لدينا إمدادات طبية كافية، ومستشفى أبو يوسف النجار هو الوحيد الذي يغطي المدينة، ولا يضم أسِرة كافية لاستيعاب أعداد المصابين، ولا مكان لحفظ جثامين الشهداء، وفي أوقات سابقة، وضعنا الجثامين في ثلاجات المثلجات".
وحسب تصنيف وزارة الصحة في غزة، يعتبر مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار المركزي أصغر مستشفى حكومي في القطاع، وكان في السابق يُستخدم كعيادة للرعاية الصحية الأولية، لكن بعد الانتفاضة الثانية في عام 2000، تحول إلى مستشفى طوارئ بسعة 36 سريراً وغرفتي عمليات، وفي عام 2007، افتتح المبنى الجديد المكون من ثلاثة طوابق، ويضم أقساما جديدة، ووصلت السعة السريرية إلى نحو 65 سريراً، ثم توسعت خلال العدوان الحالي عبر استغلال المساحات الفارغة لتصبح 72 سريراً، من ضمنها أربعة أسرة عناية مركزة.
ومنذ سنوات، يضغط نشطاء وعدد من الجمعيات الأهلية المحلية من أجل بناء مستشفى كبير لخدمة أكثر من 250 ألف نسمة يعيشون في مدينة ومخيم رفح، كون مستشفى أبو يوسف النجار لا يلبي حاجة السكان، وكانت العمليات الكبيرة تتم في المستشفى الأوروبي شرقي مدينة خانيونس، أو في مجمع ناصر الطبي.

قضايا وناس
التحديثات الحية

وفي عام 2019، وصلت حملات الضغط إلى ذروتها، فوعدت اللجنة الإدارية التي تحكم قطاع غزة بتلبية المطالب، والبحث عن ممول لبناء المستشفى، حتى استجابت دولة قطر إلى النداء في عام 2020، وأعلنت مؤسسات خيرية قطرية التبرع بتمويل المستشفى، بإشراف مباشر من اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة وبالتعاون مع وزارة الصحة الفلسطينية.
في عام 2021، تم الاتفاق على إنشاء المستشفى الجديد في حي السلطان غربي مدينة رفح، وتم تخصيص أرض مساحتها 50 دونماً بناءً على مخطط وزارة الصحة لمباني التخصصات المختلفة للمستشفى، وأهمها الجراحة والباطنة والكلى والعيادات الخارجية، وبسعة إجمالية 355 سريراً، وتم وضع حجر الأساس، وتنفيذ أعمال المرحلة الأولى بتكلفة نحو 5 ملايين دولار، من أصل 24 مليون دولار كقيمة إجمالية لكافة مراحل المشروع.
لكن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في مايو/أيار 2021 أوقف العمل مع إغلاق المعابر، وفرض قيودا على إدخال البضائع إلى القطاع المحاصر، وخصوصاً دخول مواد البناء الذي عطل استكمال عدد من المشاريع، كما عطل إعادة الإعمار، ثم تعرض قطاع غزة لعدة هجمات إسرائيلية في عام 2022، وصولاً إلى بدء العدوان الحالي في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

المساهمون