إعدام المُحاصَرين... إسرائيل تقتل العزّل بعيداً عن العيون بشمال غزة

إعدام المُحاصَرين... إسرائيل تقتل العزّل بعيداً عن العيون بشمال غزة

08 ديسمبر 2023
تستمر المجازر بحق الغزيين (يوسف الزعنون/ فرانس برس)
+ الخط -

اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي حي الزيتون، شرق مدينة غزة، وقد اشتدّ القصف عليه خلال الأيام الأخيرة. وعزلت منطقة الشمال، كما عزل الناس فيها تماماً عن التواصل مع بقية المحافظات. وارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجزرة بحق الرجال في حيّ الزيتون الذي فصل فيه الرجال والنساء، بعدما أجبرهم على الخروج من منازلهم. تؤكد سيدة من سكان الحي تدعى إيمان فلفل أن الاحتلال ارتكب عدداً من المجازر بعيداً عن العيون بعدما حولها إلى منطقة عسكرية بالكامل. 
تقول فلفل لـ"العربي الجديد"، بعدما وصلت إلى مخيم البريج منهكة: "فصلوا الرجال والنساء بعضهم عن بعض، وكانوا يحققون في الأسماء ويسألون عمن هو موجود تحت الأرض. لم يرحموا الأطفال. مشوا بالقرب من جثث كثيرة في الشارع ولم يبالوا أمام بكاء الصغار. وكانت النساء في حالة انهيار وقد أجبرن على ترك ذويهن، حتى المصابين منهم، في المنازل من دون أن يعرفوا شيئاً عنهم". 
تضيف: "أعدموا عدداً من الرجال أمامنا بشكل مرعب. رأى الأطفال إعدامات وموتاً محققاً. كانت النساء يبكين وكن يخشين على المصابين الذين لم يبق لهم أحد كي يغيثهم. إحدى قريباتي كانت تبكي وتقول إن شقيقها الآن ميت، هو الذي كان ينازع جراء الإصابة. حوصرنا على مدار أربعة أيام. أشقائي مفقودون وخرجت مع ابني فقط".
لكن فلفل وغيرها من الذين نجوا من المجزرة والإعدامات الإسرائيلية توجهوا إلى وسط قطاع غزة، حيث أصبحت المنطقة هي الأخرى تحت الحصار الإسرائيلي الكامل، تمنع عنهم الإمدادات الغذائية أو الطبية، وقد فصلت جغرافياً عن جنوب القطاع، علماً أنهم كانوا يحصلون من خلاله على بعض المساعدات.  

إعدام طفل 

أعدم الاحتلال الإسرائيلي الطفل هاني عزام، الذي يبلغ من العمر عاماً ونصف العام. تقول خالته كاميليا زهد، التي تتواصل مع والدته، وهي في حالة انهيار جراء ما شهدته، إن الاحتلال الإسرائيلي أطلق الرصاص عمداً على الطفل أمام والدته التي كانت تفضل الموت على أن ترى هذا المشهد أمامها، وتقول لـ"العربي الجديد": "خطفوا الرجال وعبثوا بالمنزل وسرقوا الذهب ومتعلقات النساء الثمينة والأموال، وطردوا العائلات من بيوتها وأعدموا ابن شقيقتي. كثيرون في المنطقة كانوا على انقطاع مع العالم الخارجي وحتى سكان غزة. ومن بقي حياً بعد الإعدامات راح يخبر ما حصل".
يعيش الغزيون في المنطقة عزلة تامة عن الطواقم الطبية والدفاع المدني، ولا يتوفر لديهم شيء من الاحتياجات الأساسية، من بينها البطاريات لشحن هواتفهم المحمولة، وقلة ما زالوا قادرين على إيجاد بدائل. ونزح البعض من منطقتي الزيتون والشجاعية اللتين شهدتا أخيراً سلسلة غارات إسرائيلية، الى نقاط محدودة من وسط مدينة غزة.

الكثيرون من سكان الأحياء الشرقية لمدينة غزة وصلوا إلى مستشفى المعمداني المتبقي وسط البلدة القديمة في غزة. يروي هؤلاء تفاصيل صادمة لإعدامات ومجازر لم يعلم عنها أحد. الأمر نفسه ينسحب على الناجين الواصلين إلى مستشفى كمال عدوان العامل بطاقة محدودة في منطقة مشروع بيت لاهيا، شمال القطاع.
ويتعرّض عدد من المناطق في شمال القطاع لقصف متواصل، وخصوصاً المناطق الشرقية الشمالية على مقربة من مخيم جباليا والمنطقة الشرقية التي شهدت توغلاً للدبابات الإسرائيلية. وأعدم الاحتلال عائلة صائب أبو سبع (29 عاماً)، التي كانت تسير بالقرب من شارع صلاح الدين وبلدة جباليا ويحمل أفرادها الفرش والملابس على الظهر. 


أبو سبع من سكان مخيم جباليا، وكان موجوداً في المنطقة لإحضار أحد أقاربه وإيصاله إلى مستشفى كمال عدوان. يذكر أنه من بين الذين أعدمهم الاحتلال امرأة ورجل وشاب كان يفرون من القصف بعدما نزحوا في اللحظات الأخيرة. رآهم وهم يسقطون. حاول الشاب النهوض بعد الإصابة ثم أًطلق الاحتلال عليه النار مجدداً فاستشهد.
يتابع أبو سبع: "الشهداء في الشوارع. زوجتي شاهدت بعينها قنصاً في منتصف الشارع لرجل ولم يستجب أحد لإنقاذه. أطلق الاحتلال النار عليه وحاول أحد جيراننا إنقاذه فأطلقوا النار على باب المنزل ولم يخرج أحد، وبقي الرجل ساعة كاملة في الشارع. كنا قد حوصرنا في منزل في منطقة تفصل شرق شمال المخيم عن بلدة جباليا".
يشير أبو سبع إلى أنهم خرجوا في شمال القطاع على مدار أيام الهدنة "وكانت الطائرات تراقبنا وتسير معنا". يقول إنه مشى وصديقه لتفقد منزل أحد الجيران النازحين إلى جنوب القطاع، وتحديداً على مقربة من شارع صلاح الدين. كانت فيه أضرار جزئية. وعندما وصلا إلى المكان، بقيت طائرة الاستطلاع تصور. المبنى كله تم تدميره حتى لا يعود أحد إليه.
يتابع أبو سبع: "أشعر بتأنيب ضمير حتى ولو أن الجيش كان يمنعنا ويطلق النار صوب المنطقة، هذا المشهد جعلني أبكي وأرتجف كثيراً. عندما وصلت لمستشفى كمال ناصر، كانوا قد أعدموا الناس بدم بارد".  

غزة (أحمد حسب الله/ Getty)
دمار وموت (أحمد حسب الله/ Getty)

إعدام عائلات في منطقة الجلاء 

في حي الجلاء، وسط مدينة غزة، وتحديداً في الشارع الواقع بين مدينة غزة وشمال قطاع غزة، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في عدد من مناطق الشيخ رضوان ومنطقة الجلاء، وشاهد كثيرون الدبابات تسير في المنطقة. ولدى خروج أي كان من باب منزله كان القناص الإسرائيلي يطلق الرصاص مباشرة، كما رأى محمد علي، وخصوصاً على مقربة من المنطقة التي تفصل شارع الجلاء عن منطقة النفق، شرق المدينة. دمرت شقة علي في الطابق العلوي من مبنى العائلة، وطاولت القذائف شققاً أخرى. ويقول إن الحصار مستمر منذ ستة أيام. 
وأثناء إدلاء محمد علي بشهادته لـ"العربي الجديد"، قصفت المنطقة التي يعيش فيها بعدة صواريخ. وقال علي إن الاحتلال الإسرائيلي أعدم أفراداً من عائلات عدة، وخصوصاً عائلة الأشقر المعروفة في المنطقة باسم عائلة سكر. كانوا يحاولون النزوح عندما وصل الجيش إلى المنطقة وأعدم عدداً منهم بشكل مباشر.

ويؤكّد علي أن الاحتلال ارتكب عدداً من المجازر بحق جيرانه بعيداً عن العيون والإعلام. بعض هؤلاء من عائلة شرف التي فقد منها ما لا يقل عن 30 فرداً، وعائلة حرز، وعائلة طافش (15 فرداً)، وعائلة المحلاوي، ويشير إلى أنه يتواصل مع جيرانه عبر النوافذ فقط، ويحاول الخروج لإسعاف بعضهم وإزاحة الجثث المنتشرة في الشارع. 
يقول علي لـ"العربي الجديد": "الإعدامات تتم بمجرد حدوث أي حركة. الطائرات المسيرة تحمل مخازن رصاص، وتطلق النار. رصدت استشهاد عدد من الجيران ولم يتمكن أحد من إسعافهم. خرجنا لسحب بعض الجثث من الشارع حتى لا تأتي الكلاب وتأكل من لحمهم، فالكلاب في الشارع جائعة أيضاً". يضيف أن "آليات الجيش منتشرة في الشارع، ولا نستطيع منح الأمان لبعضنا بعضاً. نتواصل كما في فترة تفشي جائحة كورونا عبر النوافذ ومن أسفل الحائط فقط. الأطفال يعانون من التبول اللاإرادي، والنساء عاجزات عن استيعاب ما يحصل. نستخدم المياه المتوفرة لحالات الضرورة القصوى". 
ويشير علي إلى أن الكثير من المناطق تعيش واقعاً مماثلاً. وتنتشر الروائح الكريهة في المنطقة، ويعتقد أن عدداً كبيراً من جثث الغزيين تحللت خلال الأيام الأخيرة "وفي بعض الأوقات لا نسمع إلا أصوات الكلاب، التي تفرقها طلقات الاحتلال الإسرائيلي". 
من جهتها، أعلنت وزارة الصحة في غزة ارتفاع إجمالي عدد القتلى في القطاع إلى 17 ألفاً و177 منذ بدء العدوان، وقالت إن أكثر من 46 ألف شخص أصيبوا في غزة، كما أشارت إلى أن 350 فلسطينياً لقوا حتفهم في الساعات الأربع والعشرين الماضية. وانتقد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية منسق الإغاثة الطارئة مارتن غريفيث الجهود الإنسانية "غير الكافية" في قطاع غزة. أضاف أنه "ليست لدينا عملية إنسانية في غزة يمكن تسميتها بهذا الاسم بعد الآن".

المساهمون