أوروبا ضد المهاجرين: تحصين قلعة القارة العجوز في وجه "الغرباء"

أوروبا ضد المهاجرين: تحصين قلعة القارة العجوز في وجه "الغرباء"

02 مارس 2023
60% من المهاجرين طالبي اللجوء يمتنعون عن مغادرة الاتحاد الأوروبي (فاليريا فيرارو/الأناضول)
+ الخط -

 

يسعى قادة الأوروبيون إلى جعل قارتهم قلعة يحصّنوها في وجه المهاجرين، فيشيّدون أبراج المراقبة وأسوار العزل فيما يستعجلون في ترحيل هؤلاء الذين يعبرون حدود بلدانهم.

قبل أيام قليلة، قضى 64 شخصاً على أقلّ تقدير من بين نحو 250 كانوا على متن مركب هجرة غير نظامية، انطلق من تركيا قبل أن ينشقّ قبالة سواحل مدينة كروتونيه في منطقة كالابريا، جنوبي إيطاليا. وتُعَدّ هذه الحادثة مأساة هجرة جديدة تُضاف إلى مآس أخرى تُسجَّل في البحر الأبيض المتوسّط، أكثر طرقات المهاجرين خطورة.

وعقب الحادثة المفجعة، الأخيرة من نوعها حتى يومنا هذا، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين إلى المضيّ قدماً في إصلاح حقّ اللجوء بالاتحاد الأوروبي، وعبّرت عن "حزنها العميق" إزاء "مأساة" غرق المهاجرين، مشدّدة على وجوب "مضاعفة الجهود المتصلة بشرعة المهاجرين وحقّ اللجوء".

وأتت المأساة الأخيرة بعد أيام من نقاشات أوروبية حول تخفيض أعداد الوافدين إليها عبر الهجرة غير النظامية من خارج القارة، كشفت عن تبدّل غير مسبوق في التعاطي مع مسائل اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي. وبحسب ما رشح عن اجتماع القادة الأوروبيين في فبراير/ شباط الماضي، في بروكسل، فإنّ هؤلاء القادة أبدوا "ليونة" لجهة التشدّد في منع المهاجرين طالبي اللجوء من الوصول إلى بلدانهم، مع التركيز على تسريع ترحيل أولئك الذين تنتفي أسس طلباتهم للحماية (اللجوء السياسي خصوصاً)، ومحاولة تعزيز "حراسة" الحدود الخارجية أو ما يطلق عليه منتقدو تلك السياسات "حماية القلعة الأوروبية" في وجه الوافدين إمّا عبر البحر الأبيض المتوسط وإمّا عبر مسارات برية في جنوب شرق القارة.

وقبل مناقشة القادة الأوروبيين الإجراءات المطلوبة في مواجهة مخاوف التدفّق المتزايد للمهاجرين طالبي اللجوء إلى دول الاتحاد، كان مسؤول كتلة الأحزاب اليمينية والدينية المحافظة (إي بي بي)، في البرلمان الأوروبي (182 عضواً من أصل 705) مانفريد ويبر يطالب بصوت عالٍ باسم كتلته، من مختلف أنحاء القارة، بـ"وقف اللجوء والبحث عن وسائل فعالة لحماية الحدود الأوروبية"، وقد شدّد في تصريحات صحافية، في بداية فبراير الماضي، على أنّ القارة مضطرة إلى البحث عن إقامة مخيّمات لجوء في خارجها، في أفريقيا على سبيل المثال. كما تحدّث ويبر عن ضرورة تشييد أسوار كحلّ أخير، بعدما رأى أنّ "القارة سجّلت حتى عام 2022 الماضي نحو 923 ألف طلب لجوء، وقد قوبل معظمها بالرفض، في حين أنّ الأكثرية (60 في المائة) منهم يمتنعون عن مغادرة دول الاتحاد الأوروبي".

وتبيّن السجالات الأوروبية التي شهدتها بروكسل أخيراً أنّ القادة الأوروبيين، من مختلف الخلفيات الحزبية، يقتربون من الطروحات المتشدّدة التي تستعرضها بصورة متواصلة مجموعات برلمانية أوروبية بشأن اللجوء والهجرة.

بالنسبة إلى الأوروبيين، يبدو شبح "أزمة اللجوء"، بحسب ما يُطلقون على موجات الهجرة الكبيرة في عام 2015، محرّكاً لتبنّيهم سياسات أكثر تشدّداً، بما في ذلك القرارات المثيرة للجدال وغير التقليدية التي ذهبت إليها القارة تدريجياً منذ أكثر من ثمانية أعوام. وينعكس ذلك أيضاً من خلال الأرقام التي تفيد بها الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) حول "تضخّم في أعداد الساعين إلى بلوغ أوروبا عبر مسار البلقان والبحر الأبيض المتوسط"، مع زيادة تُقدَّر بنحو 62 في المائة مقارنة بعام 2021. وقد سجّل تقرير الوكالة في يناير/ كانون الثاني 2023 وصول نحو 330 ألف شخص إلى أوروبا في عام 2022، وهو أعلى رقم منذ عام 2016، علماً أنّ نحو 45 في المائة منهم وصلوا عبر مسار البلقان وأنّ الوافدين بمعظمهم يحملون الجنسيات السورية والأفغانية والتونسية.

ما هي الإجراءات الجديدة؟

طوال الأشهر القليلة الماضية، كان النقاش الأوروبي على مستوى مراكز الأبحاث وذلك السياسي وكذلك الإعلامي، يبشّر بأنّ أوروبا "لم تعد تحتمل" وصول مئات الآلاف إليها، على الرغم من تقارير غير مستندة إلى "حقائق" تشير إلى حاجة هذا البلد أو ذاك إلى مهاجرين جدد.

وإبراز القضايا السلبية في مسارات غياب الاندماج والانخراط في سوق العمل لم يكن بعيداً عن حالة "تحضير الرأي العام لقبول حزم من التشدّد على المستويات العليا في السياسات الأوروبية"، بحسب ما يقول الباحث الدنماركي المتابع لشؤون الهجرة واللجوء جون أوسترغورد لـ"العربي الجديد"، ويشرح أنّ تهيئة الشوارع الأوروبية لقبول سياسات التشدّد يبدو واضحاً، إذ إنّ ما كان يختلف عليه سابقاً يسار الوسط ويمين الوسط نُسف في بروكسل أخيراً"، في إشارة إلى اجتماع القادة الأوروبيين في بروكسل في الشهر الماضي.

وفي الشهرَين الماضيَين، ارتفعت الأصوات التي تؤيّد "إقامة مراكز لجوء في أفريقيا"، وبدت رئيسة حكومة ائتلاف يسار ويمين الوسط في الدنمارك ميتا فرديكسن، إلى جانب سياسيي النمسا وهولندا وأوروبيين آخرين، على يقين بأنّ تلك الخطوة سوف تُنفَّذ في نهاية المطاف. ويتخطّى الأمر ذلك، إذ ظهر في كواليس نقاشات بروكسل ما هو أبعد في تشدّده، بعد رسوّ حملة إعلامية كبيرة في خلال الأسابيع الماضية على صرف مليارات اليوروهات من أجل "تشييد أبراج مراقبة ونصب كاميرات لصدّ المهاجرين". وتحت هذا العنوان أتت النقاشات الأوروبية، بمعظمها، التي غابت فيها بطبيعة الحال الفوارق ما بين رئيسة حكومة شبه فاشية في روما هي جيورجيا ميلوني ورؤساء حكومات ليبرالية ويسار وسط أوروبية"، بحسب ما أفاد متحدّثون "العربي الجديد".

والسجالات والاختلافات، إن صحّ التعبير، لم تدر بمعظمها حول أخلاقيات ما ينوي الأوربيون اتّخاذه من خطوات تندّد بها منظمات حقوقية أوروبية ودولية، بل حول التمويل. بالنسبة إلى عضو البرلمان الأوروبي عن اليسار نيكولاي فيلموسن، فإنّ أوروبا بحسب ما يبدو "تقع في فخّ ازدواجية معايير غير مسبوقة، وتتخلّى عن واجبها وفقاً للمواثيق والقوانين الدولية بشأن اللجوء". ويوضح فليموسن لـ"العربي الجديد"، من ستراسبورغ، أنّ "القادة الأوروبيين سخروا من مشروع تشييد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب سوراً على حدود المكسيك لمنع عبور المهاجرين من أميركا اللاتينية، في حين أنّهم اليوم، بعد نحو خمسة أعوام، يتبنّون بطريقة مخجلة تشييد أسوار وأبراج، وهو ما يحوّل القارة إلى قلعة تلفظ من يطلب حمايتها".

في الإطار نفسه، انتقد قادة أوروبيون في السابق إقدام رئيس الوزراء المجري القومي المتشدّد فيكتور أوربان على تشييد أسوار ونصب أسلاك على طول حدود بلاده الجنوبية، في حين أنّهم يذهبون اليوم في الاتّجاه نفسه الذي سبق أن انتقدوه.

من جهتها، رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي تنتمي إلى الحزب "الاجتماعي الديمقراطي" (يسار الوسط)، بدت سعيدة بالتحوّلات في المواقف الأوروبية الذي تتّجه إلى مزيد من التشدّد الذي انتهجته بلادها منذ عام 2016، وقالت أخيراً إنّه "من المثير للاهتمام أن نرى كيفية سير المناقشة حول الهجرة"، لافتة إلى أنّ "عدداً من الدول يتعرّض لضغوط هائلة مقارنة بما رأيناه في عام 2015 (...) ونحن نناقش الآن التعاون مع دول ثالثة وضرورة تعزيز الحدود الخارجية".

وبالنسبة إلى فريدريكسن، فإنّ أوروبا "يجب أن تقرّر بنفسها عدد الذين سوف يأتون إليها، ومن الذي تريد مساعدته وكيفية القيام بذلك". وأتت تصريحات فريدريكسن بعدما التقت بنظيرتها الإيطالية المتشدّدة (ميلوني) في بروكسل.

الصورة
أسلاك على الحدود بين بلغاريا وتركيا لمنع المهاجرين من التقدّم (نيكولاي دويشينوف/ فرانس برس)
مزيد من الأسلاك لمنع المهاجرين من عبور الحدود (نيكولاي دويشينوف/ فرانس برس)

هكذا، تذهب الأمور نحو موقف أوروبي أكثر صرامة. بالتالي، لم يعد النقاش حول قانونية تشييد الأسوار والأبراج بل حول التمويل. ومذ بدأت بولندا ودول البلطيق بتشييد أسوار ونصب أسلاك حدودية مع جارتها بيلاروسيا، بعدما سمحت الأخيرة بتدفّقات المهاجرين من دول في الشرق الأوسط وغيرها، ارتفعت أصوات دول أخرى تطالب الاتحاد الأوروبي بتمويل أسوارها.

ونتيجة السجالات الأخيرة، خُصّص نحو 2.7 مليار يورو (نحو 2.9 مليار دولار أميركي)، لحماية حدود القارة. وعلى الرغم من أنّ المبلغ لا يُعَدّ كبيراً، فإنّ مجرد الدخول في نقاش صّد الهجرة بهذه الطرق المقترحة يعني ببساطة تشريع الإجراءات التي تعتمدها إيطاليا، على سبيل المثال، للسيطرة بطريقة أكبر على البحر الأبيض المتوسط، والتعاون الوثيق مع دول عند ضفّته الجنوبية بهدف جعله مساراً مستحيلاً للجوء والهجرة.

إلى جانب ذلك، فإنّ الإجراءات التي اعتمدتها اليونان، من بينها عمليات الصدّ العنيف في بحر إيجه وتشييد أسوار ونصب أسلاك عند الحدود مع تركيا، باتت تتّخذ إلى جانب ممارسات بلغاريا والنمسا طابعاً قانونياً بحجّة "وقف تهريب البشر"، بالإضافة إلى جعل طلب اللجوء مستحيلاً في القارة.

كذلك فإنّ دائرة المعسكر الداعي إلى التعاون مع دول أفريقية، من قبيل رواندا، لإنشاء مخيمات ترحيل طالبي اللجوء في أوروبا إليها، تتوسع بعد أن كانت محصورة في دول معدودة مثل الدنمارك وبريطانيا، وهو ما أكّدته فريدريكسن حين عبّرت عن سعادتها إزاء توسّع عدد الدول الموافقة على مخططات بلادها لترحيل عشرات آلاف طالبي اللجوء من الأراضي الأوروبية.

وكشفت النقاشات الأوروبية الأخيرة في بروكسل أيضاً عن إطلاق يد الحكومات في التصرّف واللجوء إلى "حلول جذرية للحدّ من ضغوط الهجرة". وفي هذا السياق، ترفع حكومات النمسا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا وقبرص أصواتها عالياً لتحريرها من قيود مواثيق أوروبية بشأن التصرّف مع "الهجرة غير الشرعية"، بحسب ما تُطلق عليها، من دون التفريق ما بين طالبي لجوء فارين من اضطهاد وحروب وآخرين ساعين إلى الهجرة بسبب تدهور أوضاع دولهم الاقتصادية والمعيشية والمناخية.

أسوار تحوّل أوروبا إلى قلعة

بذريعة بقاء مئات الآلاف من المهاجرين الوافدين وغير المستحقين اللجوء وصعوبة ترحيلهم إلى دولهم الأصلية، تتّجه القارة نحو تسهيل الترحيل القسري إلى "دول ثالثة". ويبدو مؤيّدو إقامة مخيمات استقبال لهؤلاء في خارج القارة في تزايد مستمرّ، فتجد الدنمارك وبريطانيا (من خارج الاتحاد الأوروبي)، في ذلك دعماً في مواقف مستجدّة لدى دول أخرى متحمّسة لإنتاج سياسات أكثر صرامة مع الهجرة. وبطريقة ضمنية، باتت السويد والنرويج (من خارج الاتحاد)، والنمسا وهولندا تؤيّد توجيه ترحيل طالبي اللجوء إلى مخيّمات في خارج القارة.

وبعدما كانت سياسة تشييد أسوار تقتصر على حفنة من الدول، فإنّ الفكرة راحت تلقى قبولاً أوسع وأكثر مرونة. وصار المستشار النمساوي كارل نيهامر واحداً من أكثر المتحمّسين لفكرة تسييج أوروبا، بطريقة تتخطّى ما أقدم عليه رئيس وزراء المجر قبل أعوام. ويدافع نيهامر مع حلفاء له في بروكسل عن فكرة "تمويل الاتحاد الأوروبي الأسوار البلغارية لوقف تدفّق المهاجرين من تركيا ووصولهم إلى النمسا"، وقال: "لا يمكن لبلغاريا أن تضع مزيداً من الضوابط بمفردها".

من جهتها، لم تبدِ المفوضية الأوروبية معارضة لتشييد أسوار، واقتصر نقاشها على "معارضة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي لبناء أسوار جديدة حول أوروبا"، بحسب ما جاء على لسان رئيستها أورسولا فون ديرلاين.

وبينما عبّر المستشار الألماني أولاف شولتز عن شكوكه حيال نجاعة الأسوار في منع التدفّق، متّخذاً من سور المكسيك مثالاً، تساءل عمّا إذا كانت أوروبا "ترغب حقاً في الانعطاف والتحوّل إلى قلعة؟"، غير أنّه في نهاية المطاف رأى أنّ تخصيص أكثر من 2.7 مليار يورو للأبراج وزيادة المراقبة بحجّة تعزيز "البنية التحتية ومعدّات المراقبة" يعبّد الطريق أمام وضع اللبنة الأولى لتحويل أوروبا بالفعل إلى قلعة.

وقد صرّحت فريدريكسن بأنّ هذا التحوّل الواضح يمثّل "اعترافاً مشتركاً بأنّ دول المواجهة التي تشهد تدفّقات كبيرة من المهاجرين لا يمكنها التعامل مع المهّمة بمفردها"، أضافت أنّ "بلغاريا خير مثال على ذلك"، وكشفت أنّ نقاشات القادة الأوروبيين كان "إلى حدّ كبير حول التمويل المشترك لتأمين الحدود الخارجية (للاتحاد)"، مضيفة أنّه "كان من المستحيل تقريباً مناقشة الأمر قبل بضعة أعوام. لذا فإنّ الأمور تتغيّر لأنّ التطوّر عنيف جداً"، في إشارة إلى تدفّقات الهجرة.

الصورة
مهاجرون واحتجاجات على الترحيل القسري (أنطونيو سيمبريه/ Getty)
تتّجه أوروبا إلى تسهيل ترحيل المهاجرين قسرياً إلى "دول ثالثة" (أنطونيو سيمبريه/ Getty)

في المقابل، تطرح هذه المستجدات الأوروبية نقاشاً حول ما سوف تؤول إليه قواعد اتفاقية دبلن للجوء التي تنصّ ببساطة على أنّه لا يمكن للمهاجر طلب اللجوء إلا في مكان واحد بالاتحاد الأوروبي، وعلى أنّه تستوجب إعادته إلى البلد الأوّل الذي وصل إليه. ومنذ عام 2015، نتيجة وقوع أوروبا تحت ضغط موجات اللجوء، جُمّد تطبيق قواعد اتفاقية دبلن. فقد كان من الممكن للمهاجرين الوصول إلى دول أخرى غير تلك التي وصلوا إليها أوّلاً، مثل إيطاليا وإسبانيا، إذ وجدت في نهاية العام الماضي كلّ من بلجيكا وهولندا نفسيهما تحت ضغوط كبيرة بسبب اكتظاظ مخيّمات إيواء المهاجرين. وأدّى تجاوز بعض الدول نصوص اتفاقية دبلن إلى توترات بين الحكومات الأوروبية، ففي حين تترك بعض دول جنوب القارة المهاجرين يواصلون طريقهم نحو عمق القارة، فإنّ سياسيي دول أخرى عايشت اكتظاظ التدفّقات وطول فترة دراسة الطلبات التي باتت تمتدّ ما بين ستّة أشهر وثلاثة أعوام (بحسب الدولة والضغط)، ذهبوا في اتّجاه آخر. 

وكان رئيس الحكومة الهولندية الليبرالي مارك روته قد انتقد في الأسابيع الأخيرة سياسيي القارة بسبب تراخيهم في تطبيق قواعد اتفاقية دبلن، متّهماً الحكومات بخلق ما سمّاه "الهجرة الثانوية"، أي تنقّل المهاجرين من بلد الوصول الأوّل إلى بلده وبلدان أخرى. وفي اجتماع بروكسل الأخير، طالب روته بقية الزعماء الأوروبيين بتطبيق قواعد اتفاقية دبلن حرفياً، الأمر الذي جعله يدخل في خلافات واضحة مع رئيسة الحكومة الإيطالية الساعية بالأساس إلى التخلّص من المهاجرين في بلادها. فسياسات روما المتشدّدة، خصوصاً حيال الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط، وتوعّدها بـ"مكافحة" منظمات الإغاثة وسفنهم، يؤدّيان بها إلى دفع الواصلين في اتجاه متابعة مسيرهم نحو العمق الأوروبي، وهو ما يعني تجميدها تطبيق قواعد اتفاقية دبلن.

وهذه الخلافات الأوروبية على مصير اتفاقية دبلن دفع قادة الدول إلى تحويل القضية إلى وزراء داخلية وعدل دول الاتحاد الأوروبي للاتفاق على كيفية التصرّف المستقبلي مع النهج المتشدّد الجديد الذي تسير إليه القارة. يُذكر أنّ الأوروبيين يتذرّعون بأنّ خطواتهم الآيلة لصدّ المهاجرين تأتي لـ"ضرب شبكات التهريب".

في المجمل، على الرغم من الخلافات الأوروبية على التمويل، يبدو واضحاً أنّ القارة الأوروبية ماضية نحو تغيير جذري لسياسات اللجوء والهجرة فيها. فلم تعد مناقشة إنشاء مخيّمات استقبال في خارج القارة أمراً مقتصراً على بعض الحكومات، بل أصبحت تجد آذاناً صاغية في أخرى. وإلى جانب توافق الأوروبيين على تخصيص تمويل كبير لتعزيز وكالة "فرونتكس" وتشييد أبراج مراقبة ونصب مزيد من الكاميرات، يبدو الأوروبيون أكثر عزماً على ترحيل مئات الآلاف ممّن يجدون أنّهم لا يستحقون اللجوء، خصوصاً في الدول التي فرّ منها الناس بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والتغيّر المناخي والكوارث الطبيعية.

تجدر الإشارة إلى أنّ السعي الأوروبي إلى تسهيل وتسريع عمليات الصدّ والترحيل يأتي في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات المحذّرة من أنّ تباطؤ الدعم الأوروبي لضحايا الزلزال الأخير في تركيا وسورية سوف يدفع الآلاف نحو محاولة العبور إلى أوروبا.

المساهمون