آلاف الفلسطينيين صامدون بلا خدمات في شمالي قطاع غزة

آلاف الفلسطينيين صامدون بلا خدمات في شمالي قطاع غزة

21 نوفمبر 2023
محاولات لإجلاء مرضى من المستشفى الإندونيسي (فرانس برس)
+ الخط -

يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة مع تكثيف القتل في مناطق شمالي قطاع غزة خصوصاً. وتقدر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أن حوالي 160 ألف شخص لا يزالون يقيمون في مدارسها في مناطق شمالي غزة، على الرغم من أنها لم تعد قادرة على تقديم أي خدمات لهم. في حين يحتشد مئات الآلاف في المدارس التي تديرها الأمم المتحدة وغيرها من المرافق في جنوبي القطاع. وخلال الأيام الأخيرة، وسع جيش الاحتلال عملياته في شمالي القطاع بالتزامن مع تعطل جميع المستشفيات باستثناء المستشفى الإندونيسي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما جنود الاحتلال موجودون على مقربة منه، ويتكرر قصف محيطه، في مخطط مشابه لمخطط اقتحام مجمع الشفاء الطبي الذي ارتكبت فيه مجزرة. ومن المتوقع أن يتوقف المستشفى الإندونيسي عن العمل مع إجلاء النازحين والمصابين والطواقم الطبية بالكامل، علماً أنه المستشفى الأخير العامل في شمالي القطاع الذي يستقبل الحالات الطارئة والمرضى والمصابين، بعدما استهدف الاحتلال كل مستشفيات الشمال. وأعلنت وزارة الصحة في غزة، الثلاثاء، خروج جميع مستشفيات شمالي القطاع عن الخدمة، وقالت إن "259 جريحاً وعدد من المرافقين والنازحين والأطقم الطبية ما زالوا في مجمع الشفاء الطبي، ولا جديد بخصوص موعد إخراجهم".

مأساة صحية ترتسم في أنحاء قطاع غزة بسبب نقص الوقود والمياه

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، الثلاثاء، من أن "مأساة" صحية ترتسم في قطاع غزة بسبب نقص الوقود والمياه. وقال الناطق باسم المنظمة جيمس إلدر، خلال مؤتمر صحافي في جنيف: "إن لم يتوافر الوقود بكميات كافية سنشهد انهيار مرافق الصرف الصحي. فيصبح لدينا إضافة إلى القذائف والقنابل، الظروف المؤاتية لانتشار الأمراض. إنها ظروف مثالية لحصول مأساة".
وشهدت الساعات الأخيرة قصفاً مدفعياً على مدرسة الكويت الثانوية للبنات، وهي مدرسة حكومية كانت من بين آخر المدارس التي يلجأ إليها سكان منطقة مدينة الشيخ زايد المحاصرون من كل الجهات، وتوجه العديد من النازحين إلى المستشفى الإندونيسي الذي استطاع، ليل الاثنين، إجلاء عدد من المصابين الذين كانوا موجودين في داخله، وصباح أمس الثلاثاء، تم إجلاء نحو 120 شخصاً آخرين إلى مستشفى ناصر في بلدة بيت لاهيا، وتحاول وزارة الصحة في غزة نقل المرضى الموجودين في غرف العناية المركزة تحسباً لاقتحام قوات الاحتلال المستشفى.
وقال المدير العام لوزارة الصحة في غزة منير البرش، صباح الثلاثاء، إنه بقي نحو 400 مصاب وأكثر من 2000 نازح ونحو 200 طبيب وفني داخل المستشفى الإندونيسي، كما أن عشرات الجثث موجودة في كل الأقسام، والطواقم الطبية لا تستطيع إنقاذ الأرواح بسبب نقص المستلزمات، وإن المستشفى تحول من مركز لتقديم الخدمات الطبية إلى "مقبرة جماعية".

الصورة
قدرات تقديم الرعاية الصحية في قطاع غزة محدودة للغاية (فرانس برس)
قدرات تقديم الرعاية الصحية في قطاع غزة محدودة للغاية (فرانس برس)

من داخل المستشفى الإندونيسي، يقول النازح مؤمن أبو العلي (29 سنة)، لـ"العربي الجديد، إنه ينتظر إجلاءه مع والدته التي أصيبت قبل أسبوع في قصف طاول مخيم جباليا، وإن زوجته وطفله معه في المستشفى، مشيراً إلى أنهم كانوا يرفضون المغادرة، لكنهم حالياً يشعرون بأن الاحتلال سيقتلهم في حال لم يتم إجلاؤهم. يضيف: "نجوت من الموت مرتين بالفعل، وأنا مصاب بكسر في يدي اليمنى، وحالياً ننتظر وصول أي حافلة لنقل النازحين. ننام على الأرض الباردة، ولا يوجد في المستشفى متسع لمزيد من الجرحى، والقصف في محيط المستشفى مرعب، والمياه مقطوعة، ولا نملك أي شيء. لم آكل منذ يومين إلا قطعاً من البسكويت، وأدخر كل الأكل الذي أحصل عليه لإطعام ابني، ورأيت بعيني أطباء وممرضين يبكون خلال محاولاتهم علاج جرحى يلفظون أنفاسهم الأخيرة لأنهم لا يملكون أي مستلزمات أو أجهزة أو أدوية لإنقاذهم".
ويضيف أبو العلي: "الأطباء يتابعون العمل رغم الأوضاع المزرية القائمة في المستشفى، وشاهدت أحد الأطباء يلقن مريضاً الشهادة. عشنا أياماً كثيرة سيئة في قطاع غزة، وتعرضنا لأكثر من عدوان سابق، لكن الأوضاع هذه المرة غير مسبوقة، وأصعب من كل ما شاهدته في حياتي. الاحتلال يواصل الكذب، ويدعي وجود مسلحين في المستشفى الإندونيسي، بينما كلنا مدنيون وضحايا".

160 ألف شخص لا يزالون يقيمون في مدارس أونروا شمالي غزة

وفصل الجيش الإسرائيلي قطاع غزة إلى نصفين، شمالي يمتد من أقصى بلدة بيت حانون وبلدة بيت لاهيا في شمالي القطاع حتى حدود وادي غزة، وجنوبي يمتد من منطقة وادي غزة حتى جنوبي القطاع وصولاً إلى الحدود المصرية في مدينة رفح.
وتتوغل آليات الاحتلال في وسط مدينة غزة وفي مناطق تل الهوا وحي الرمال وحي النصر، وصولاً إلى شرقي المدينة حيث حي الزيتون وشارع الرشيد المحاذي للشاطئ، في محاولة لعزل شمالي القطاع من كل الجهات، ما يجعل التواصل بين العائلات شديد الصعوبة.
ويحاول المحاصرون توفير الإنترنت لطمأنة ذويهم، سواء الصامدين في منازلهم، او من نزحوا إلى جنوبي القطاع، أو المقيمين في خارج قطاع غزة. من بين هؤلاء عمَّار التتري المقيم في مخيم جباليا، والذي لا يزال قادراً على التواصل، ويقول إن الكثير من سكان المخيم مصممون على عدم مغادرته.

الصورة
يتواصل القصف المكثف على مدينة غزة (مصطفى الخروف/الأناضول)
يتواصل القصف الإسرائيلي المكثف على مدينة غزة (مصطفى الخروف/الأناضول)

يوضح التتري لـ"العربي الجديد": "الموت لا يغيب عن أي مكان في قطاع غزة، وبالتالي فإن الموت في المخيم أفضل من مغادرته إلى المجهول بالنسبة لي. يقول البعض إن الروح ثمينة، وهذا حقيقي، لكن لو غادرنا إلى الجنوب فلا ضمان للبقاء أحياء أيضاً، ومع استمرار العدوان ستحصل هناك مجاعة كبيرة، كما سيسقط الشمال، والاحتلال يرغب في احتلال كل مناطق الشمال، لكننا حالياً العائق الوحيد أمامه".
في بداية العدوان، قررت العديد من عائلات مخيم جباليا النزوح إلى مدارس وكالة أونروا، لكن الكثير من الناجين من مجزرة مدرسة الفاخورة عادوا مجدداً إلى منازلهم في المخيم، وكان من بينهم أحمد أبو نعمة (40 سنة)، الذي أصيب نجله الأصغر آدم (4 سنوات)، في قصف المدرسة، فقرر العودة إلى منزله، في حين نزح العديد من أفراد أسرته إلى مدينة خانيونس.
يقول أبو نعمة لـ"العربي الجديد": "السبب الأهم لعدم النزوح أن الناس يرفضون المذلة، ويعارضون مخطط التهجير القسري. لا نريد أن نعيش نكبة جديدة. نزحت إلى مدرسة الفاخورة التابعة لوكالة أونروا، والاحتلال قصفنا بشكل مباشر، والكثير من الناس عادوا إلى منازلهم بعد استهداف المدارس. إن كان هناك باب للسماء، فنفضل صعود أرواحنا من داخل منازلنا. نموت ألف مرة في اليوم بسبب الجوع والعطش والدمار، والإصابات كثيرة، وتنتشر الأمراض الجلدية، وابني نجا من موت محقق".

كانت الصحافية الشابة آيات خضورة (27 سنة)، من بين المحاصرين الذين بقوا في شمالي القطاع ومن بين المحاصرين داخل منطقة مشروع بيت لاهيا المحاذية لبلدة بيت لاهيا ومخيم جباليا، والمنطقة قريبة من مدرسة الفاخورة التي ارتكب فيها الاحتلال مجزرة مروعة خلفت مئات الضحايا والمصابين في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري. ظلت خضورة تناشد عبر مقاطع فيديو تنشرها التدخل من أجل توفير إجلاء آمن لسكان المنطقة، مكررة أن القصف متواصل فوق رؤوسهم، ولا أحد يحميهم، وأنها تسمع صراخ الناس في الشوارع بشكل متواصل، كما أن هناك عشرات الجثث الملقاة في الشارع الخلفي لمنزلها، والتي لا يستطيع أحد الوصول إليها لدفنها، بينما جميع سكان المنطقة مدنيين، ولا يعرف أي منهم إلى أين يذهبون.

وفي التواصل الأخير معها، قالت خضورة لـ"العربي الجديد": "يلقي الاحتلال علينا مناشير تطالبنا بالمغادرة الفورية. بعض الناس خرجوا، لكنهم لا يعرفون إلى أين يذهبون، وقوات الاحتلال في كل مكان، ولا أحد يدلنا على طريق آمن، وبالتالي لا نستطع المغادرة. الاحتلال يطلق القنابل الفوسفورية على المنطقة، وهناك روائح غريبة في كل الشوارع، ورأيت من النافذة الدخان المنبعث من قنابل الفوسفور، كما يطلقون قنابل صوتية، وعرفت أنها صوتية بعدما قال أحد جيراننا: تخافوش. هي قنابل صوتية".
بعد ساعات قليلة من تواصل "العربي الجديد" مع آيات خضورة، أعلن خبر استشهادها برفقة أفراد من عائلتها في قصف للاحتلال طاول منزلها.

المساهمون