"تاريخ السود".. أكتوبر شهر الاحتفالية في بريطانيا

22 أكتوبر 2020
الصورة
من مظاهر الاحتفال بالشهر في غلاسكو (جف جي ميتشل/ Getty)
+ الخط -

"شهر تاريخ السود" الذي يحتفل به في بريطانيا في أكتوبر/ تشرين الأول، يحمل هذا العام عنوان "العصيان المدني اللاعنفي" ويسعى إلى تسليط الضوء على البريطانيين السود، الذين يقودون المعركة من أجل النهوض بالحقوق المدنية في المملكة المتحدة.
وفي هذا الإطار، تبرز الحملة الناشطين البريطانيين السود في ستينيات وثمانينيات القرن الماضي، الذين استخدموا "العصيان المدني اللاعنفي" للمساعدة في تحقيق المساواة العرقية في المملكة المتحدة. وتسلّط الضوء على ناشطي الحقوق المدنية، الذين دعوا إلى مقاطعة حافلات بريستول. ففي عام 1963، تعاون روي هاكيت وبول ستيفنسون وأودلي إيفانز وجاي بيلي، على تنظيم مقاطعة لإجبار شركة حافلات بريستول، على تغيير سياساتها العنصرية التي تمنع السود والآسيويين، من العمل على الحافلات. اجتذب الاحتجاج اهتماماً وطنياً، أدى في النهاية إلى تمرير قانون العلاقات العرقية في عام 1965، الذي يحظر جميع أشكال التمييز في مكان العمل. 
ويذكرنا شهر تاريخ السود هذا العام أيضاً، بما يعرف باسم "أمهات لويشام"، إذ نظمت هذه المجموعة حملة لوقف قانون "التوقيف والتفتيش" الذي استهدف السود والأقليات العرقية بشكل خاص. وجرى إلغاء هذا القانون في 27 أغسطس/ آب 1981. لكن، بعد ثلاث سنوات، أصدرت الحكومة البريطانية، قانون الشرطة والأدلة الجنائية لعام 1984 الذي أعاد العمل به.

أما فكرة إطلاق شهر تاريخ السود في المملكة المتحدة، فتعود إلى أكيابا أداي سيبو، مسؤول المشاريع الخاصة في مجلس لندن الكبرى. استلهم سيبو، فكرته، من شهر تاريخ السود، الذي يقام في في الولايات المتحدة، في فبراير/ شباط سنوياً (المعروف باسم شهر التاريخ الأميركي الأفريقي)، وتحتفل به كندا أيضاً في الشهر نفسه، إذ جرى الاعتراف به رسمياً في عام 1995. 
وكان جلّ طموح سيبو، أن يعزّز احترام الذات لدى الأطفال والشباب البريطانيين السود، من خلال تثقيفهم حول إنجازات السود الذين يعيشون في المملكة المتحدة، إذ أقيم أول حدث رسمي له في الأول من أكتوبر 1987 ما يعني أنّ الترسيم سبق الولايات المتحدة وكندا. ومنذ ذلك الحين تطورت هذه الفكرة، إلى حركة وطنية في جميع أنحاء المملكة المتحدة، وأيضاً في أجزاء أخرى من العالم في مثل إيرلندا وهولندا خلال الشهر نفسه.
ويعتبر شهر تاريخ السود، فرصة للاحتفال بالأبطال المجهولين في تاريخ البريطانيين السود، الذين تم تجاهل مساهماتهم لفترة طويلة ونسيانها، على الرغم من وجودهم في المملكة المتحدة منذ العصر الروماني. كما يسلط الضوء، على مزيد من تاريخ بريطانيا السوداء الثري والمتنوع الذي يعود إلى العصور القديمة، ويدعم التصدي للعنصرية، من خلال تشجيع الحكومات والمؤسسات والشركات على تبنّي واعتماد سياسات المساواة والتنوع.

تشجع الحملة الحكومات والشركات على تبّني واعتماد سياسات المساواة والتنوع

 

وجاء عام 2020، ليسجّل انتفاضة عالمية، في وجه العنصرية بشكل عام والعنصرية ضد السود، بعدما أحدثت وفاة الأميركي من أصل أفريقي جورج فلويد، على يد الشرطة في الولايات المتحدة، موجات من الصدمة اجتاحت أصقاع العالم، ودفعت الآلاف من الناس للنزول إلى الشوارع للمطالبة بوضع حد للعنصرية. وترددت أصداء مقتل فلويد في المملكة المتحدة، حيث نزل الناشطون الشباب إلى الشوارع للمطالبة بوضع حد لعدم المساواة العرقية في التعليم والصحة والتوظيف، وهو ما أدّى إلى بدء نقاشات مهمة داخل الحكومة والشركات ووسائل الإعلام، حول الماضي الاستعماري البريطاني، ودوره في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. 

تاريخ السود

 

تبقى قصة الناشطين السود، المعروفة باسم "ذا مانغروف ناين" نقطة تحوّل في تاريخ القضاء البريطاني. ويمكن القول إنّ محاكمة الشباب التسعة، تمثل نقطة كبيرة لحركة السود في المملكة المتحدة، إذ تُظهر قوة نشاطهم والتمييز العنصري الجلي في معظم أقسام الشرطة البريطانية. تروي القصة أنّ مطعم "مانغروف" الذي افتتح في عام 1968 في منطقة نوتينغ هيل، في لندن، تحوّل بسرعة إلى مركز مهم لمجتمع السود، وجذب المثقفين والمبدعين والناشطين. لكنّ الشرطة كانت تداهم المطعم بشكل متكرر، على أساس حيازة المخدرات، التي لم يتم العثور عليها بتاتاً في المكان. دفعت مداهمات الشرطة المتكررة، فرانك كريشلو في عام 1969، إلى التقدم بشكوى إلى مجلس العلاقات العرقية. ومما جاء في الشكوى: "أعلم أنّني أتعرّض للتمييز لأنّني مواطن أسود في بريطانيا"، لافتاً إلى أنّ قانون العلاقات العرقية لعام 1968، يقول إنّ من غير القانوني رفض السكن أو العمل أو الخدمات العامة على أساس اللون أو العرق أو الأصل العرقي أو القومي. ورداً على ذلك، خرج المجتمع الأسود، إلى الشوارع للاحتجاج في 9 أغسطس/ آب 1970. ونظمت التظاهرة مجموعة صغيرة من لجنة العمل للدفاع عن "مانغروف" وما يعرف باسم "الفهود السود". وضمت التظاهرة فرانك كريشلو والمحامي أنتوني موهيب، سكرتير منظمة تعزيز السود. قوبل المتظاهرون بقوة غير متكافئة من الشرطة، وكان هناك 150 متظاهراً في بدايتها رفقة 200 شرطي. ومن بين المعتقلين خلال الاحتجاج، حوكم تسعة، هم: باربرا بيز، وروبرت بويس، وفرانك كريشلو، ورودان غوردون، وداركوس هاو، وأنتوني إنيس، وألثيا جونز- ليكوينت، وروثويل كنتيش، وغودفري ميليت.

والمحاكمة التي استمرّت 55 يوماً، كسبت تأييداً شعبياً واسع النطاق. فصدر الحكم النهائي من قبل هيئة المحلفين، بعد ثماني ساعات وربع من المداولات، ليبرّئ الجميع من التهم الأكثر خطورة من أعمال الشغب. وأصبح الحكم أول اعتراف قضائي، يقرّ بأنّ سلوكيات شرطة العاصمة، كانت بدافع الكراهية والعنصرية.
شكل السكان السود نحو 3 في المائة من سكان المملكة المتحدة عام 2011. وبحلول نهاية القرن العشرين، بلغ عدد سكان لندن السود نصف مليون، وفقاً لتعداد عام 1991. وكان تعداد عام 1991 هو الأول الذي يتضمن سؤالاً عن العرق. وحتى مع تزايد عدد السكان وانتخاب أول مواطن أسود في البرلمان البريطاني، يجادل كثيرون أنّ التمييز مستمر، مع ما يعنيه من عدم توازن اجتماعي واقتصادي في لندن بين السود والبيض. وما زالت هناك مشاكل عدة تواجه سكان لندن السود.

المساهمون