هل يعاقب الناخب التركي "براغماتية" المرشحَيْن؟

هل يعاقب الناخب التركي "براغماتية" المرشحَيْن بالمقاطعة والورقة البيضاء؟

27 مايو 2023
يحدد الأتراك غداً الأحد هوية الرئيس المقبل (Getty)
+ الخط -

تتجه الأنظار إلى الناخبين الأتراك، غداَ الأحد، في جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية التركية التي يتنافس فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وزعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كلجدار أوغلو، لمعرفة ما إذا كانوا سيعودون إلى صناديق الاقتراع والتصويت لأي من المرشحين الاثنين، أم أن جولة الإعادة ستشهد عزوفاً، بعد التحالفات الجديدة التي سُجلّت إثر الجولة الأولى.

وكان المرشح الرئاسي للانتخابات التركية في الجولة الأولى سنان أوغان، الذي حصل على نسبة 5.17 في المائة من الأصوات، ويعرف بمواقفه العنصرية ضد الأجانب وبمهاجمتهم والمطالبة بطرد اللاجئين، قد أعلن دعمه لأردوغان في جولة الإعادة الثانية. لكن تحالف "أتا" (الأجداد) القومي المتشدد، الذي خاض أوغان الانتخابات باسمه، انقسم في الجولة الثانية، حيث أعلن حزبا التحالف، "النصر" و"العدالة"، دعمهما كلجدار أوغلو.

وتمّ الاتفاق في نصّ الاتفاق المشترك بين رئيس حزب "النصر" أوميت أوزداغ وكلجدار أوغلو على مكافحة التنظيمات الإرهابية، ومنها حزب العمال الكردستاني الذي يدعمه حزب الشعوب الديمقراطي، فيما أعلن الأخير أنه سيواصل دعم المرشح الذي يواجه أردوغان، لكن من دون تسميته.

وقال الشاب التركي أيوب أرسلان (27 عاماً)، المتحدر من ولاية سيرت، جنوبي تركيا، لـ"العربي الجديد"، إن حزب الشعوب الديمقراطي الكردي "حرّ باختياره وبياناته، لكننا لسنا ملزمين بالتصويت لكلجدار أوغلو". وأوضح أرسلان أن عدم ذهابه للتصويت هو الرد الممكن والمتاح، لأن خياره في الأساس ضد المرشح أردوغان، ولكن بعد تحالف كلجدار أوغلو مع "قوميين متطرفين"، لم يعد أي من المرشحين يحقق تطلعاته. ولدى سؤال أرسلان، العامل في القطاع السياحي بإسطنبول، عن أثر عدم انتخابه وفي صالح أي المرشحيّن سيصب، قال إنه "سيصب في صالح أردوغان بالتأكيد.

تشتت وورقة بيضاء في الدورة الثانية

وعبّر المواطن التركي كاظم جاكماك (52 سنة) عن موقف مشابه لموقف أرسلان، وإن يشوبه تردد حتى يوم الانتخابات، معتبراً أن "السياسة والوصول إلى السلطة بأي شكل" غلب على تحالف الشعب، فتغيير المواقف سيؤثر برأيه على ناخبي كلجدار أوغلو، والرد على موقف سنان أوغان بدعمه أردوغان، لا يكون بحسب جاكماك بالتواصل مع رئيس حزب "النصر" المعروف بتطرفه القومي. وأشار جاكماك إلى أنه سيذهب للانتخابات "لكني على الأرجح سأضع ورقة بيضاء"، معتبراً ذلك "الرد الطبيعي"، رغم أن ذلك قد لا يؤثر على نسبة الاقتراع أو نتائج الانتخابات فـ"المسألة محسومة بالجولة الثانية... ربح أو خسارة"، بحسب قوله.

من جهته، قال الطالب الجامعي التركي مصطفى آكاي (19 عاماً)، إن "ما جرى شتتنا، فأنا من أنصار محرم إنجه وكنت سأنتخبه لأنه يمثل حلم الشباب، لكن انسحابه قبل الجولة الأولى بيومين شتتني قليلاً، إلا أني بقيت مع المرشح كلجدار أوغلو، لأن حكم العدالة والتنمية ممتد منذ 20 عاماً ومن حقنا أن نعرف غيره، كما أن مستوى المعيشة تراجع وأحلامنا صعبة التحقيق (عمل، سيارة...). وأضاف آكاي في حديث لـ"العربي الجديد": "تحالف كلجدار أوغلو مع أوميت أوزداغ العنصري جاء ليزيد من ترددي، فلذلك ربما لن أذهب إطلاقاً للانتخابات".

ذهبت آراء مواطنين أتراك إلى انتقاد انفتاح حزب "العدالة والتنمية" والتحالف الحاكم على أوغان

وذهبت آراء مواطنين أتراك، كذلك، إلى انتقاد انفتاح حزب "العدالة والتنمية" أو التحالف الحاكم على أوغان والتحالف معه، لأن سياسة التحالف الحاكم تجاه اللاجئين السوريين، أو بعض المكونات التركية، تختلف عن سياسة أوغان القومية وما طرحه خلال حملة الانتخابات في ما يتعلق بطرد اللاجئين.

وتعليقاً على ذلك، رأت العضو في حزب "العدالة والتنمية"، عائشة نور، أن التحالف مع أوغان لم يكن بطلب من أردوغان، فأوغان هو من خرج خلال مؤتمر صحافي ليعلن أنه سيدعم أحد المرشحين، ثم علمنا عن زيارته إلى قصر الدولما بهشة (مقر الرئاسة في إسطنبول) ولقائه الرئيس التركي "من دون أن يصدر أي بيان رسمي من الرئاسة بعد اللقاء".

وحول التحالف مع أوغان وما تردد في أوساط تركية من "تغليب الأصوات على المبادئ وما يطرح بالكلمات"، أوضحت نور في حديث لـ"العربي الجديد" أن "التحالف الجمهوري يضم أصلاً قوميين، وحفاظاً على نهج العدالة والتنمية والرئيس، لم يُجر التنازل أو وعد المرشح أوغان بأي شيء". وبرأيها، فإن "الجناح المتطرف في تحالف الأجداد (أتا) ذهب ليدعم تحالف الشعب، مثل رئيس حزب النصر أوميت أوزداغ"

تفاهمات مرحلية في انتخابات تركيا

من جهته، اعتبر المحلل التركي يوسف كاتب أوغلو أن ما حصل بين أردوغان وأوغان هو "تفاهم مرحلي، ولم يدخل أوغان أو حزبه ضمن التحالف الجمهوري"، مبيناً في حديث لـ"العربي الجديد" أن نصّ التفاهم ركز على نقطتين اثنتين: الأولى الحفاظ على وحدة تركيا والوقوف مع التحالف في وجه وعود حكم ذاتي أو إدارة ذاتية، والثانية تأييد محاربة الإرهاب، حتى خارج الأراضي التركية إن كان يهدد الأمن القومي التركي. وبرأي كاتب أوغلو، فإن الرئيس أردوغان لم يقدم تنازلات وهو ما أوضحه المتحدث باسم الرئاسة إبراهيم قالن.

وفيما يبقى التفاهم مع نقيض لتوجهاته مأخذاً على التحالف الجمهوري، اعتبر المحلل التركي أنها "سياسة في النهاية ومرحلة انتخابات توصف بالمعركة"، لافتاً إلى أنه "إن لم يُفتح الباب لسنان أوغان، فسيذهب الأخير إلى المرشح الآخر". كما ذكّر بأن سياسة أردوغان والتحالف الجمهوري المتعلقة باللاجئين تُركز أيضاً على عودتهم، ولكن الاختلاف مع الطرح المتطرف، هو في الجدول الزمني وأن تكون العودة طوعية وآمنة، بل وتقديم مساكن لهم".

واعتبر المحلل التركي أن سنان أوغان التقط، بذكائه السياسي، اللحظة وتوجه الناخبين، ولأنه يعلم غلبة نجاح أردوغان جاء ووافق على التفاهمات، رغم أنها تتناقض مع ما كان عليه موقفه حين كان في تحالف "أتا". ورأى في النهاية أن أوغان هو من قدّم تنازلات لأنه يسعى للتأسيس لمستقبله السياسي، وربما يكون له طموح بتأسيس حزب قومي وقيادته، أو ربما يتطلع إلى خلافة رئيس حزب "الحركة القومية" (دولت باهتشلي). وأقرّ بأن أوغان يبقى في النهاية "حليفاً مرحلياً غير مأمون الجانب بالنسبة للتحالف الحاكم أو حتى أردوغان، نظراً إلى مبادئه القومية المتشددة، وإن أخفاها مرحلياً".

وبرزت توقعات بتراجع نسبة المشاركة في الاقتراع الرئاسي بجولته الثانية غداً الأحد، بعدما بلغت نسبة المشاركين في الجولة الأولى 87.04 في المائة بحسب ما نشر في الجريدة الرسمية عن أرقام الهيئة العليا للانتخابات. ولم يزد عدد واضعي ورقة بيضاء أو مخطئين في التصويت (الأصوات الباطلة) في الدورة الأولى عن مليون و37 ألفا و104 أصوات.

ويبلغ عدد الأتراك الذين يحق لهم الانتخاب، بحسب رئيس اللجنة العليا للانتخابات التركية أحمد ينر، 64 مليوناً و113 ألفا و941 ناخبا (60,697,843 داخل تركيا)، منهم 4 ملايين و904 آلاف و672 مواطناً يحق لهم الانتخاب للمرة الأولى (بين 18 و25 عاماً). علماً أن عدد من بلغ سن الـ18 (السنّ القانونية لبدء الانتخاب) بعد الجولة الأولى التي جرت 14 مايو/أيار الحالي، يبلغ 47 ألفاً و523 مواطناً.

ورأى المحلل التركي إسلام أوزكان أن ما يعانيه الناخب التركي من تردد "حق وواقع"، وجاء جراء تحالف الأضداد منذ البداية، وزادته إعادة تموضع الأحزاب بعد الجولة الثانية، خصوصاً تحالف "أتا"، فمنهم من ذهب إلى أردوغان، ومنهم باتجاه كلجدار أوغلو. وتساءل أوزكان: "لنفرض أني أؤيد حزب السعادة، لكن هذا الحزب الإسلامي المعتدل متحالف مع حزب الشعب الجمهوري العلماني... فكيف سأعبر عن رأيي؟". ويعني ذلك برأيه "أن النظام الانتخابي، أو التحالفات، تجبرني على انتخاب من لا أتوافق مع توجهه".

وفي هذا الإطار، أشار أوزكان، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن العديد ممن حوله، عبّروا عن عدم رضاهم على التحالفات خصوصاً مع حزب النصر، وأكدوا عزمهم على عدم الذهاب للاقتراع. ولفت إلى أن معظم هؤلاء أصوات كردية، لافتاً إلى أن ذلك رغم أنه لا يزال في إطار التوقعات، إلا أنه سيصب في صالح التحالف الحاكم وأردوغان. رغم ذلك، نبّه المحلل التركي من أن يصيب الشعور بضمان الفوز حتى مؤيدي أردوغان، فلا يشاركوا في الاقتراع، مذكّراً بأن هذا الأمر هو ما نبّه إليه خصوصاً الرئيس التركي أخيراً بقوله "لا تقعوا في فخ الاسترخاء".

كاتب أوغلو: أوغان هو من قدّم تنازلات لأنه يسعى للتأسيس لمستقبله السياسي

أما المحلل التركي علاء الدين شنكولر، فاستبعد أن يرتفع عدد الأوراق البيضاء أو أن تزيد نسبة من سيحجمون عن الاقتراع، لأن الأتراك برأيه هم من فازوا بالجولة الأولى، سواء من خلال عدم وقوع أي مشكلات أو صدامات، أو حتى من خلال نسبة الاقتراع العالية جداً. وشدّد على أن الأتراك أو غالبيتهم حريصون على ممارسة الديمقراطية وممارسة حقهم الانتخابي.

واستدل المحلل التركي في ذلك، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، بقوله إن نسبة تصويت الخارج في الجولة الثانية فاقت نسبة المشاركة في الجولة الأولى، "ولو أن التردد كما يشاع سيفعل فعله، لرأينا مؤشرات من الأتراك في الخارج".

وبحسب الهيئة العليا للانتخابات، فإن أعداد المصوتين في الخارج في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية التركية فاقت أعدادهم في الجولة الأولى بما يزيد على 50 ألف صوت، حيث شارك مليون و895 ألفا و430 ناخباً تركياً في التصويت بجولة الإعادة، في حين لم يزد عددهم في الجولة الأولى عن مليون و839 ألفا و461 مغترباً أدلوا بأصواتهم، بنسبة مشاركة بلغت (53.85 في المائة). وحصل الرئيس أردوغان على 57.47 في المائة من أصوات أتراك الخارج مقابل 39.57 في المائة لكمال كلجدار أوغلو.

وفي حين لم ينكر شنكولر أن تبدل التحالفات واستمالة أوغان أو أحزاب تحالف "أتا" سيؤثران قليلاً على قرار الناخبين، خصوصاً الصوت الكردي إذ اعتبر بعض الأكراد أنهم خدعوا من كلجدار أوغلو بعد تحالفه مع رئيس حزب "النصر" أوميت أوزداغ. لكن التعبير عن الغضب ليس شرطاً أن يكون بالإحجام أو ورقة بيضاء، بحسب شنكولر، بل قد يكون بمنح الصوت للمرشح الآخر، ما يعني زيادة فرص نجاح أردوغان، وربما بفارق كبير.

أما المحلل التركي سمير صالحة، فاعتبر أن مجريات ما بين الجولتين الانتخابيتين للرئاسة التركية، بين 14 وغداًَ 28 مايو، زادت من تيه وتشتت الناخب التركي "المنطقي الذي سيختار المستقبل"، ولم يبق على قرارهم الحاسم إلا "الفقراء والمحافظين" الذين يحسمون قرارهم باتجاه مرشح حزب "العدالة والتنمية" رجب طيب أردوغان، كما "العلمانيين الذين يسعون إلى تغيير أردوغان بصرف النظر عن البديل".

سمير صالحة: مجريات ما بين الجولتين زادت من تيه وتشتت الناخب التركي

بيد أن التردد والإحجام طاولا بشكل أكبر جمهور ومؤيدي تحالف الشعب، برأي صالحة، لافتاً إلى أن هذا التحالف "بُنيَ على التناقضات أصلاً، بعدما ضم أحزاباً من اليمين (حزب السعادة) إلى اليسار (الشعب الجمهوري) إضافة إلى الحزب القومي "الجيد" وأحزاب معتدلة وليبرالية (المستقبل والديمقراطية والتقدم). وشدّد على أن هذه الأحزاب المتباينة في أيديولوجيتها لم تجتمع إلا على محاولة إسقاط حكم "العدالة والتنمية" وأردوغان، ولكن "وجدنا مزيداً من الاضطراب بعد الجولة الأولى وخيبتهم في الوصول إلى أغلبية برلمانية، ما يعني إجهاض شعار تغيير نظام الحكم، فبدأ التشتت والتحالفات مع المتناقضين"، بحسب تفسيره.

واعتبر صالحة أن التحالف مع "القومي المتشدد" رئيس حزب "النصر" أوميت أوزداغ "أثر كثيراً على جمهور وناخبي المعارضة"، مستبعداً أن يغيّر إعلان حزب الشعوب الديمقراطي تأييده لكلجدار أوغلو من قرار الصوت الكردي، لأن تحالف مرشح الشعب مع قوميين متطرفين يبعد شرائح عنهم، والأرجح، لعدم رضاها أصلاً عن أردوغان، أن تحجم هذه الشرائح عن التصويت أو أن تضع أوراقاً بيضاء في صناديق الاقتراع.