هل تكون رفح نقطة تحوّل لانهيار العلاقة بين أميركا وإسرائيل؟

هل تكون رفح نقطة تحوّل لانهيار العلاقة بين أميركا وإسرائيل؟

17 فبراير 2024
قد يؤدي هجوم في رفح إلى انهيار العلاقات بين بايدن ونتنياهو (فرانس برس/أرشيف)
+ الخط -

صبر بايدن على الأعمال العسكرية الإسرائيلية في غزة "بدأ ينفد"

تجاهل إسرائيل تحذير بايدن سيكون عامل انهيار للعلاقات مع نتنياهو

تصريحات بايدن "الفظة" عن مصير رفح قد تشكّل نقطة تحوّل محتملة

قالت صحيفة "فاينانشال تايمز"، الجمعة، إنّ صبر الرئيس الأميركي جو بايدن على الأعمال العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة "بدأ ينفد"، ووجدت في تصريحاته الأخيرة إشارات إلى مصير رفح كنقطة تحوّل محتملة في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، والصراع في المنطقة.

ورأت الصحيفة البريطانية، في تجاهل إسرائيل تحذير بايدن وشنّها هجوماً برياً عنيفاً على المدينة، من دون الأخذ بالاعتبار أرواح المدنيين، سبباً كافياً لإلحاق الضرر بالجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح المحتجزين، ومحاولات التوسط في تسوية أوسع للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، علاوة على أنه سيكون عامل انهيار للعلاقات المتوترة أصلاً بين بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وذكّرت الصحيفة، في تقريرها، بأنه بعد أيام فقط من وصفه سلوك إسرائيل في الرد على هجوم "حماس" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول بأنه "تخطى السقف"، قدّم الرئيس الأميركي طلباً محدداً وإجابة فورية، حتى يوم الاثنين.

وقال بايدن إنّ العملية العسكرية المخطط لها في رفح، المدينة الواقعة على الحدود مع مصر حيث سعى 1.5 مليون شخص (أكثر من نصف سكان غزة) إلى ملاذ آمن بعد إجبارهم على ترك منازلهم: "لا ينبغي أن تستمر"، من دون "خطة موثوقة"، لضمان عدم تعرّض الناس هناك للأذى، مضيفاً أنهم "مكشوفون وضعفاء... إنهم بحاجة إلى الحماية".

ولفتت الصحيفة إلى أنّ بايدن لم يذكر تفاصيل عواقب الهجوم الإسرائيلي، ولم يدن هجوم رفح المحتمل بعبارات صريحة، كبقية حلفاء الولايات المتحدة، أستراليا وكندا ونيوزيلندا، التي أصدر قادتها بياناً مشتركاً، هذا الأسبوع، حذروا فيه من أن العملية ستكون "كارثية"، لكنه ذكر، يوم الجمعة، أن "توقعاته" هي ألا يقوم الإسرائيليون بأي "غزو بري واسع النطاق"، في الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات لوقف مؤقت لإطلاق سراح المحتجزين لدى حركة حماس.

وبحسب الصحيفة، تشير هذه التصريحات "الفظة" إلى مصير رفح كنقطة تحوّل محتملة في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، والصراع في الشرق الأوسط.

هجوم رفح والأمن القومي الأميركي

في الأسابيع الأخيرة، ضغطت الولايات المتحدة على إسرائيل للسماح بدخول المزيد من المساعدات إلى غزة، والعمل مع السلطة الفلسطينية لوضع خطة ما بعد الحرب، ومعالجة الاضطرابات المتفاقمة في الضفة الغربية، لكن من دون جدوى. وكانت واشنطن تأمل وتتوقع أن تكون إسرائيل قد حوّلت عملياتها الآن إلى استراتيجية "أقل كثافة لمكافحة الإرهاب"، بحسب الصحيفة، لكن في ما يتعلق برفح، يبدو أنها تخطط لفعل عكس ذلك تماماً. 

وتعهد نتنياهو، الأربعاء بـ"عمل قوي" في المدينة لتحقيق "نصر كامل" في غزة. وقال إنه سيسمح للمدنيين بالمغادرة، لكن مع إغلاق الحدود المصرية، لا يوجد مكان آخر يفرون إليه.

وتضيف الصحيفة أنه إذا تجاهلت إسرائيل تحذير بايدن وواصلت هجوماً برياً قاسياً في المدينة، من دون الأخذ بالاعتبار أرواح المدنيين، فإن ذلك سيضرّ بالجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح المحتجزين، والمحاولات الدبلوماسية للتوسط في تسوية أوسع للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي طال أمده.

وأردفت الصحيفة في تقريرها، أن ذلك قد يؤدي أيضاً إلى وصول العلاقة المتوترة بين بايدن ونتنياهو إلى "نقطة الانهيار"، ويهدد بردّ فعل عنيف أوسع من الديمقراطيين في الكونغرس، حيث يأمل الرئيس الأميركي تعزيز دعم الحزب، قبل محاولة إعادة انتخابه في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

والأسوأ من ذلك، وفق الصحيفة، أنّ استمرار تحدي إسرائيل، وإحجام الولايات المتحدة عن استخدام نفوذها الذي لا مثيل له عليها، يؤجج الشكوك في مدى تأثير الولايات المتحدة حقاً في منطقة سعت للسيطرة عليها لعقود، ويشوّه صورتها في العالمين العربي والإسلامي، بحسب "فاينانشال تايمز".

وتنقل الصحيفة عن فالي نصر، أستاذ الشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، قوله إنّ "التصور السائد هو أنّ الولايات المتحدة لا تستطيع ولن تمارس ضغوطاً كافية على إسرائيل لتحقيق مرادها، ويمكن لإسرائيل أن تقاوم بسهولة القوة العظمى الأكثر أهمية في العالم والمتبرع الرئيسي لها".

وأضاف: "تبدو الولايات المتحدة ضعيفة أمام العالم، وخصوصاً في الشرق الأوسط. إنها تبدو ضعيفة في بيتها".

ويتصاعد القلق في بعض أنحاء واشنطن من احتمال انتقال الهجوم الإسرائيلي إلى رفح. وشكك جيسون كرو، عضو الكونغرس الديمقراطي من كولورادو الذي خدم في الجيش الأميركي في كل من العراق وأفغانستان، في النهج الأميركي، بالقول للصحيفة: "لقد أذهلني بصراحة هذا النهج. لا أعرف ما الذي يحاولون تحقيقه".

ولفت كرو، وهو عضو في لجنتي الشؤون الخارجية والاستخبارات بمجلس النواب، إلى أنّ بايدن بحاجة إلى أن يكون أكثر حزماً مع نتنياهو، مستطرداً: "لقد حان الوقت لنكون واضحين للغاية، فنقول إن الولايات المتحدة لن تدعم هجوماً برياً في رفح. إذ سيؤدي ذلك إلى عرقلة فرص السلام. سيعرقل فرصنا في تأمين صفقة الأسرى. سيكون الأمر صعباً للغاية بالنسبة إلى الأمن القومي الأميركي في المنطقة".

"جريمة حرب"

استخدم أعضاء آخرون في حزب بايدن مصطلحات أقوى. وقال كريس فان هولين، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ماريلاند، في خطاب ألقاه بقاعة مجلس الشيوخ، يوم الاثنين، إنّ "حجب إسرائيل" المساعدات عن غزة "جريمة حرب"، مضيفاً: "حتى الآن السؤال هو: ماذا ستفعل الولايات المتحدة؟ ماذا سنفعل؟ ماذا سيفعل الرئيس بايدن؟". 

الجواب في الكونغرس، حيث يظل دعم إسرائيل الحجر الأساس الذي لا يتزعزع للسياسة الخارجية الأميركية، هو: ليس كثيراً. فقد صوّت نحو 70 عضواً من أصل 100 عضو في مجلس الشيوخ الأميركي لصالح مشروع قانون بايدن لتمويل الأمن القومي بقيمة 95 مليار دولار، هذا الأسبوع، والذي تضمن أموالاً لإسرائيل وأوكرانيا وتايوان. ومن غير الواضح ما إذا كان التشريع سيمرر من مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، لكن عدم اليقين هذا يرجع أساساً إلى ردّ الفعل العنيف على المساعدات الأوكرانية، وليس المساعدات الإسرائيلية، والتعنت على سياسات الهجرة على الحدود مع المكسيك، وفق قول الصحيفة.

وقد اتخذ البيت الأبيض بعض الخطوات النادرة بفرض عقوبات مالية على أربعة مستوطنين إسرائيليين بسبب العنف المتطرف في الضفة الغربية المحتلة، وصدرت الأسبوع الماضي "مذكرة أمن قومي" تشترط استخدام أي مساعدات عسكرية أميركية وفقاً للقانون الإنساني الدولي، ملمّحة إلى تطبيق أكثر صرامة للقوانين الأميركية التي يمكن أن تفرض شروطاً على مبيعات الأسلحة لإسرائيل.

مع ذلك، تستدرك الصحيفة، بأنّ إدارة بايدن لم تكن مستعدة للذهاب إلى أبعد من ذلك بكثير. ولم تهدد بوقف المساعدات العسكرية، وتواصل الضغط على الكونغرس للموافقة على أكثر من 14 مليار دولار كمساعدات لإسرائيل. كذلك لم تتحرك للاعتراف رسمياً بدولة فلسطينية، الأمر الذي من شأنه أن يعزز التزام الولايات المتحدة حلَّ الدولتين، الذي تعارضه إسرائيل. 

"خيارات صعبة"

وراء الكواليس، يقول المحللون إنّ بايدن أوضح لنتنياهو أنه سيحتاج في النهاية إلى اتخاذ "خيارات" صعبة لإنهاء الصراع، والتحرك نحو تسوية طويلة الأمد مع الفلسطينيين.

وتنقل الصحيفة عن دينيس روس، مفاوض السلام السابق في الشرق الأوسط الذي خدم في ظل ثلاثة رؤساء، والمستشار في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، قوله: "يميل بايدن إلى أن يكون مباشراً جداً، خصوصاً على انفراد، لذلك لا أعتقد أنه يترك الكثير للخيال". 

وأفادت تقارير لشبكة "إن بي سي" الأميركية، وموقع "بوليتيكو" الأميركي، بأنّ بايدن كان غاضباً بشكل خاص من نتنياهو، لدرجة أنه وصفه بأنه "أحمق" و"رجل سخيف سيئ"، لكن "فاينانشال تايمز" تقول إنها لم تتمكّن من "التحقق من هذه اللغة"، كذلك رفض البيت الأبيض التعليق. وعلى الرغم من الخلافات، يقول البيت الأبيض إنّ الرجلين استمرا في الحديث، بما في ذلك محادثتان منفصلتان هذا الأسبوع.

في الواقع، يلاحظ المسؤولون الأميركيون الحاليون والسابقون أنّ بايدن لديه الكثير من الخبرة في التعامل مع نتنياهو، ويتفهم مدى صعوبة ذلك. وتنقل الصحيفة عن مارتن إنديك، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، اعتقاده بأن بايدن يعرف "من تجربته الطويلة مع نتنياهو أنه سيضع دائماً بقاءه السياسي فوق مصالح الدولة".

على الرغم من إحباطهم المتزايد، لا يرى مسؤولو إدارة بايدن بديلاً فورياً للعمل مع نتنياهو، ويفهمون أنه قد يكون محاورهم الوحيد إذا أرادوا إنهاء الحرب، عاجلاً وليس آجلاً. فـ"نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، وعلى الرغم من كل الحديث عن إسقاط حكومته، فإن هذا لا يبدو محتملاً"، يشير إنديك.

السؤال المعلّق أمام بايدن، بحسب الصحيفة، هو: ما التكلفة السياسية التي قد تكون للحفاظ على الوضع الراهن مع إسرائيل، حيث يتجه إلى معركة صعبة لإعادة انتخابه هذا الخريف، ربما ضد دونالد ترامب؟

"ندم بلا معنى"

إن بدا أنّ دعم بايدن القوي لإسرائيل في أعقاب عملية 7 أكتوبر/ تشرين الأول يتماشى بشكل عام مع الرأي العام الأميركي، فإنّ المزاج قد تغيّر. وتستعين الصحيفة باستطلاعات الرأي التي أظهر أحدها، ونشرته وكالة أسوشييتد برس في يناير/ كانون الثاني، أنّ 50% من البالغين في الولايات المتحدة، بما في ذلك أغلبية متزايدة من الديمقراطيين وأغلبية المستقلين، يعتقدون أنّ الرد العسكري الإسرائيلي في غزة "ذهب بعيداً جداً"، مقارنة بـ 40% في أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني.

وتلفت الصحيفة إلى أنّ ما يزيد الأمور تعقيداً بالنسبة إلى بايدن، أن المجتمعات العربية الأميركية، التي تصوّت تقليدياً للديمقراطيين في الولايات المتأرجحة الرئيسية، مثل ميشيغن، قد تعاني من إقبال منخفض أو تشهد حصة أكبر من الأصوات لمرشحي الطرف الثالث، حيث يحتجّ السكان على السياسة الأميركية.

الأسبوع الماضي، سافر العديد من كبار مساعدي بايدن، بمن فيهم نائب مستشار الأمن القومي جون فاينر، إلى ميشيغن لمعالجة مخاوفهم. وفي تسجيل مسرّب، قال فاينر إنّ إدارة بايدن خلّفت "انطباعاً ضاراً" حول كيفية تقدير الولايات المتحدة لحياة الفلسطينيين، وأعرب عن أسفه إزاء "الخطوات الخاطئة" للإدارة في التعامل مع الصراع.

وتذهب "فاينانشال تايمز" إلى أن مثل هذا الندم قد يكون "بلا معنى"، إذا كانت إدارة بايدن عاجزة عن منع عملية رفح. وقد يتمدد اليأس داخل ائتلاف بايدن، خصوصاً بين الشباب الذين يميلون إلى التعاطف مع الفلسطينيين.

ووجد استطلاع للرأي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" وجامعة "سيينا"، في ديسمبر/ كانون الأول، أنّ 46% من الناخبين الأميركيين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقارنة بـ 27% ممن قالوا الشيء نفسه عن إسرائيل.